نافذة تطلّ على الموتى

حجم الخط
2

طرابلس الشرق – نعمة العلواني: الموت، تلك الرحلة التي كثرت تفاصيلها الوهمية والأقاويل عنها، ذلك الحلم لبعض من يتألم ربما، وكابوس مقيت للبعض الآخر. برغم كل الأقاويل التي تحاول تركيب صورة عن الحياة ما بعد الموت، إلا أن لكل شخص تفسيرا خاصا به، يجعله يركّب صورة مختلفة نوعاً ما عن الحياة الأخرى.
الحرية هي جل ما ورد بخاطري عند موت والدي كتعريف للموت. فالجسد هو نوع من أنواع الأسر المستمر للروح، فنحن الأحياء لا نستطيع أن ننتقل من بُعد لآخر، لا نستطيع التغلب على المسافات، لا يمكننا العيش بعيداً عن المرض بحال فتك بأحد أجزاء أجسادنا. ثمة شيء يأسرنا دائماً، ثمة جواز سفر، قدرتنا الجسدية على الحركة، المال، العادات التقاليد، الحرب، السلطة، والعديد من الأسباب التي تحدُّ من حركتنا بحرية مطلقة، هو الموت سيحقق الآمال والأحلام لكل عاجزٍ عن تحقيقها في هذه الحياة. قد يبدو الموت حالة أخرى، حالة تشبه انتقال الضوء عبر المسافات، فيها الروح قادرةٌ على الانتقال بالشكّل الذي قررت أن تكون عليه. العقل البشري غير محدود، قد تصل قدرته على تحديد مصيرنا في الحياة ما بعد الموت، فأنت الآن تستطيع تحديد كيف سيكون مصيرك بعد موتك، ربما بمجرد إصرارك وتفكيرك الحتمي بالأمر.
ربما ينتقد أحدهم هذا التفسير ويقول إن ثمة أشخاصا سيئون في هذه الحياة لا يستحقون ذلك المصير الأبدي، وعلى رغم كمية الأذى التي سببوها لنا في حياتهم، إلا أنّ خروج الروح من جسدهم وعقلهم يجعلنا نشعر بتأنيب الضمير تجاههم، وهذا ما قد يبرر ذكر حسناتهم بشكل «مبالغ»، وكأنّ تلك الروح هي النقاء والخير الذي كان يحكمه جسد لعين ملوث، وبعد انفصالهما تحرر الخير وانطلق يغرد مع سرب الأرواح الأخرى النقية بمكان بعيد عن بشاعة هذا العالم النهم والمتعطش للدماء الذي تحكمه عقول مدمّرة.
العقل والتفكير «غريب الأطوار» في بعض الأحيان، إن لم يتوافق مع المجتمع الذي نعيشه، ينعكس كسجن لنا، لا نستطيع التخلي عنه ولا تطويعه ليناسب الآخرين ويبقى داخلنا صراع قائم أزلي بين العقل والروح لا ينتهي سوى بالموت.
«ثقب أوزون كبير في داخلي» يأتي الحزن وكأننا لم نفرح قبلا، يأتي بحلته الكئيبة ليرمي كل مصائب الماضي والحاضر علينا، يأتي الحزن المرافق للموت ولا يمكننا التحكم به. الموت قد يدلنا على حالة الروح بعد خروجها، حزينة أم سعيدة، بعضها يظهر من خلال ابتسامة الميت كما يظن البعض وقد تظهر من خلال أحلام تراودنا يحاول الميت إيصال رسالة أنه سعيد بذلك المكان البعيد. قد نصدق تلك الإشارات وقد نجامل أنفسنا أنهم الآن وحدهم أو أننا نحن وحدنا بدونهم. ومع فقدان من نحب لا نستوعب فكرة أن أرواحهم تعيشُ الراحة، وكأن فراغاً بحجم ثقوب الفضاء بدواخلنا على غيابهم، ولكن برغم الألم نتفاجأ بقوتنا واقتناعنا بأنهم ذهبوا وتركونا سجناء الجسد، مشغولين بحياة لا تشبهنا.
مع اختلاف فلسفة الموت من شخص لآخر، يبدو الموت أمراً جاذباً على مر العصور مثيراً للجدال والتساؤل، تظل هواجسه ترافقنا، وبرغم حزننا على فقدان من نحب يأتي الأمان لقلوبنا بسيناريوهات نضعها لهم كانوا يتحدثون عنها قبل موتهم، رؤية من كانوا يحبون وغيرها من التطمينات الكثيرة، ونعود من فاجعة موت من نحب أقوى وأشد على الصعاب، لأنهم أصبحوا جزءا من أرواحنا يمدنوننا بالقوة أينما كانوا من القلب نطال السماء ونطالهم.

نافذة تطلّ على الموتى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية