تجتهد الباحثة العراقية ولاء إسماعيل في كتابها «النقدية العراقية في مجلة الأقلام» في تتبع مجلة «الأقلام» التي صدر عددها الأول في أيلول/سبتمبر من العام 1964. ضم الكتاب ثلاثة فصول وتمهيدا، فضلاً عن مقدمة وضّحت فيها الباحثة أهداف الكتاب وكيفية اشتغالها على المباحث النقدية التي ضمتها المجلة لأكثر من خمسين عاماً، وتحولات النقدية العراقية من خلال هذه المجلة.
وبيّنت إسماعيل سبب اختيار مصطلح «النقدية» ليكون عنواناً للدراسة بديلا عن النقد الأدبي، أو الاتجاهات النقدية أو غيرها من المسميات، مشيرةً إلى أننا نفهم مصطلح «النقدية» ونتعامل معه، مثل فهمنا لمصطلح «الشعرية» أو «الأدبية» التي تجعل من الأدب أدباً، أو الكيفية التي تجعل الكلام العادي كلاماً أدبياً؛ فكذلك «النقدية» هي محاولة لاستخلاص العناصر والخصائص التي تجعل من الكتابة خطاباً نقدياً، فنحن نتفق على أن النقد نوع كتابي يتمتع بخصائص وكيفيات مميزة، لاسيما بعد استقرار المناهج النقدية وانفتاح معالمها وتوجهاتها عبر تراكم الكتابات النقدية لنقاد عرب كبار عبر ما يزيد عن القرن.
أمّا لماذا اختيار مجلة «الأقلام» نموذجاً لبحثها فتجيب أن هذه المجلة كانت قادرة على تمثيل الخطاب النقدي العراقي، واستيعابها للتوجهات النقدية الحديثة، وارتباطها بالتراكمات النقدية. ولذا جاء البحث في الصوغ النقدي في مجلة «الأقلام». أمّا عن اختيار المرحلة الزمنية (1990-2003) فلسنا بصدد تسجيل تأريخ المجلة منذ تأسيسها والتحولات التي أصابتها، أو الملفات التي كُتبت فيها، وإنما نبحث عن الكتابة النقدية في مرحلة الانفتاح رغم انغلاق الثقافة العراقية بفعل الحروب والحصار، لكنّ هذه المجلة كانت قادرة على إيصال صوت المثقف والناقد العراقي في تلك الحقبة، ولذا وجدت الباحثة في اختيار هذا الموضوع، وتلك المرحلة، والكيفية التي يدرس بها، الشيءَ الكثير الذي يوفّر أرضية صالحة للاقتراب من الهوية الثقافية العراقية والنقدية منها على وجه الخصوص وبيان بقائها أو استمرارها ضمن حاضنتها السابقة، أو أن تواصل مواكبة التطور في التحولات النقدية الحادثة في المنطقة العربية، ولذا كان التوجه الذي اعتمدته الدراسة في منهجها يعتمد توصيف العناوين والاستهلالات وتأويلها في الفصل الأول، ويعتمد التوصيف والتحليل في الفصل الثاني، أما الفصل الثالث فكان وصفا للخطوات الإجرائية التي مارستها النصوص النقدية في المجلة، ولكن هذا الأمر يتطلب محايثة النصوص في دراسة أنماط القول النقدي وكيفياته لا الاعتماد الإحصائي في تقسيم المادة العلمية، إذ إن الدراسة تعتمد الشكل النقدي الذي كانت عليه الدراسات في مجلة الأقلام مجالاً للإجراء.
قسّمت إسماعيل مفاهيمها في دراسة النقد في مجلة «الأقلام» على فصول الكتاب الثلاثة، وقفت في الفصل الأول (عتبات الدراسة النقدية في المجلة) عند ثلاث عتبات مهمة ومهيمنة في الدراسات النقدية هي (العنوان) و(اسم المؤلف) و(الاستهلال)، وهيمنت عتبة العنوان على هذا الفصل لما تحمله من قيمة إغوائية وتأثيرية وقصدية على القارئ والنص والوسط الثقافي، وكان الوقوف عند العناوين الشاعرية، والشاعرية المكانية، وعناوين المفارقة، وعناوين الإضافة، ودخول العنوان في علاقة التناص مع النص المدروس ثم الانتقال إلى تحول العنوان من المجلة إلى الكتاب؛ الذي كشف عن قيمة عنوان الدراسة النقدية في مجلة الأقلام، وكذلك حاولت أن تقف عند العنوان الفرعي وما اكتسبه من دلالات وصيغ خلال هذه المرحلة النقدية، ثم انتقلت إلى عتبة المؤلف التي أشَّرت فيها إلى القيمة والدلالة التي تحملها مجمل الأسماء النقدية سواء من داخل الوسط الأكاديمي أم النقدي، ثم انتقل البحث إلى عتبة الاستهلال واقترحت إسماعيل شكلين للتعامل مع هذه العتبة في المجلة، هما الاستهلال الداخلي والاستهلال الخارجي.
مرحلة تدفق المناهج ومصطلحاتها
أما الفصل الثاني فقد كان معاينة للغة الخطاب النقدي العراقي في مجلة «الأقلام»، ولم يكن فصلاً يسيراً، بل كان يحتاج مزيداً من العناء في فهم لغة النقاد ومن ثم تصنيفها. وقد اقترحت إسماعيل تصنيف العمل حسب التوجهات النقدية، أي أن هذه التوجهات فرضت نوعية اللغة والعبارة التي يوظفها الناقد في الدراسة النقدية، فكانت التقسيمات على ثلاث صور هي: لغة النقد السياقي وهذه منقسمة إلى الانطباعية والنقد القيمي/ الانعكاسي، أما الصورة الثانية فهي لغة الخطاب الشارح للنظرية النقدية، وهي الصورة الأكثر حضوراً كما يبدو لأننا نشتغل في مرحلة تدفق المناهج ومصطلحاتها، ولذا كان الناقد العراقي يحتاج التعريف بالمصطلح وشرح النظرية النقدية، أمّا الصورة الثالثة فهي لغة المتن النقدي الشارح للنص الإبداعي، أي لغة الإجراء المعتمد النقد النصي، كما وجدت إسماعيل في هذه الحقبة عناية بلغة العلامة تحت أنواع منها الرسوم، والمخططات، والجداول، وكان لهذا الاستخدام دلالاته سواء كانت العلامة أو المخطوط باليد أم بالطباعة.
في حين أخذ الفصل الثالث مساحة أكثر من الدراسة مقارنة بالفصول الأخرى وهذا أمر قد يكون طبيعياً، لأنّ البحث يشتغل على المرجعيات النقدية المتشكلة داخل الخطاب النقدي وما تثيره هذه المرجعيات من تحول في المناهج النقدية، فلها صور مختلفة نابعة من تغيّر المرجعية، وقد تشكّلت هذه المرجعيات في مجلة «الأقلام» سواء كان النقد سياقياً، فهناك مرجعيات تاريخية واجتماعية ونفسية، أم نقداً نصياً فهناك البنيوية والأسلوبية والسيميائية، أم نقداً ينتمي لمرحلة ما بعد النصية، فهناك التفكيكية والتلقي، ومن ثمَّ وقفت إسماعيل بشيء من الإيجاز عند أسس كل مرجعية نقدية ومن ثم الانتقال إلى الدراسات التي اعتمدتها وتشكّلت بها، وقد أعطت أكثر من نموذج عن كل مرجعية من هذه المرجعيات، محاولة توصيف العمل النقدي سواء كان نظرية أم إجراء، وقد اتسعت بعض المباحث لما تمتلكه من حضور في هذه المرحلة مثل الدراسات البنيوية.
وخلصت إسماعيل في كتابها إلى نتائج عدّة، منها ارتباط المرحلة التي درستها بالأسس المعرفية التي أُنتِجَتْ عبر مراحل متراكمة من تاريخ النقد في العراق، وتباين الوظائف التي يحققها النقد، وانشغاله بذاته في تحقق الوظيفة النقدية، ويبدو أنّ هذه المرحلة- بانعزال العراق عن الثقافة العربية- جعلته ينشغل بالذات من أجل إكساب الخطاب النقدي العراقي هويته الخاصة؛ وهذا ما حدث فعلاً في قراءة تلك المرحلة. ومما ينسجم مع النتيجة الثانية هو أن الاعتناء بـ(العناوين) يمثل جزءاً من الانشغال بتشكيل النقدية، إذ المعهود أنّ (النص الإبداعي) أكثر عناية بالعنوان، لكننا وجدنا أن نصوص النقد العراقي في تلك المرحلة كانت مهتمة في اختيار العناوين، ولذا هيمنت الوظيفة الشعرية في هذا الاختيار. كما مارست بعض العناوين هيمنتها على المرحلة اللاحقة، فاختيرت لتكون منتقلة من صفحات المجلة لتتصدر عتبة الكتاب النقدي. ومن ثمَّ فقد برز العنوان الفرعي في هذه المرحلة النقدية، وحقق الكثير من الدلالات، منها بيان نوعية القراءة النقدية أو مكانها أو السمة التوضيحية التي لم يتمكن العنوان الرئيسي من تأديتها. وبالنتيجة، هيمنت عتبة الاستهلال الطويلة الشارحة لتفاصيل نوعية القراءة النقدية ومصطلحاتها؛ إذ بدأت شيئاً ما تغادر عتبة الاستهلال التقليدية التي تقدّم نتائجها وتعرّفنا بها قبل الدخول في البحث وجاء الاستهلال الذي يؤمّن المقدمات. وظهر في مرحلة التسعينيات نوع جديد من الاستهلال هو الاستهلال الخارجي الذي صار فيما بعد تقليداً عند النقاد والباحثين الأكاديميين.
المنهج والمرجعية
وأشارت إسماعيل إلى أن هذه المرحلة النقدية فيها الكثير من المتغيرات لاسيما في حضور اسم المؤلف/ الناقد، إذ غابت أسماء، وحضرت أخرى، وأخرى رفضت أن تغيب، وأسماء نقدية شعرت بأن التغير النقدي أمر لابد من مجاراته، وأسماء هاجرت بفعل صعوبة المرحلة بكل صورها، وثمة أسماء برزت بقوة وبكثرة لكنها لم تكن مؤثرة أو لها صداها في الجيل اللاحق أو أن تكتب اسمها في تشكيل وتوجيه الأجيال النقدية، وثمة أسماء ظلت متواصلة لأنها فتحت لنفسها مكاناً ومنطقة معرفية لم يكن نقادنا منشغلين به وهذا ما فعلته د. بشرى موسى صالح في دراساتها عن (الأسلوبية) كما برزت أسماء في النقد النسوي كان لها حظوة من النقد العراقي.
إضافة إلى ذلك، حاول الكتاب أن يقف عند مفهومي المنهج والمرجعية، ليؤكد حضور المرجعية النقدية في داخل المتن النقدي وتشكّلها مع النظر إلى المناهج بوصفها الرؤية المنظمة لعمل هذه المرجعيات النقدية…. ومع تغير التوجه النقدي تتغير طبيعة الكتابة النقدية التي تكتب بها، فظهرت لنا مجموعة الكتاب السياقيين، والنصيين أو الوصفيين، وقد كان للغة الخطاب الشارح للنظرية حضور أكثر على مدار الفصل؛ أي: أن اللغة التعريفية كتب بها الناقد البنيوي أو السيميائي وغيرهم، لاسيما مع ظهور المناهج الحداثية التي كانت تحتاج إلى تعريف القارئ بأهم مصطلحاتها ونقادها وإجراءاتها، وظهور نمط آخر من المتن النقدي الذي يعتمد طريقة جديدة امتثل لها النقاد الذين رفضوا أن يظلوا ضمن النقد السياقي أو أن يكونوا جزءاً مسيّراً للنقد الحداثي ومصطلحاته ولغته.
ولا شك أنّ مرحلة التسعينيات وما بعدها هي مرحلة النقد الحداثي أو البنيوي وما بعده، لذا كانت هذه المناهج متسيدة في تلك المرحلة، أما النقد الاجتماعي فلم يكن إلا قابلاً لنصوصه التي يرتضيها وهي النصوص القصصية والروائية حتى مع تطوره وبروز المنهج البنيوي التكويني ظل منشغلا بهذه النصوص الإبداعية التي تحمل وعيا إيديولوجيا. وكانت هناك دراسات خجولة اعتمدت المرجعية النقدية التفكيكية والسيميائية والتلقي لقصر عمر هذه المناهج في تلك المرحلة.
ولاء إسماعيل: «النقدية العراقية في مجلة الأقلام»
دار الرافدين، لبنان، العراق 2017
صفحة 185.
صفاء ذياب