منذ لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 15 شباط (فبراير) الحالي لم يتوقف الحديث عن مسار السياسة الخارجية الأمريكية، هل طلقت الإدارة الجديدة العملية السلمية التي رعتها خلال العقدين الماضيين وجعلت حل الدولتين أساسا معياريا لها؟ أم أن الرئيس ترامب كشف في تصريحاته العشوائية عن جهل مطلق بتعقيدات القضية الفلسطينية ولم يعرف فيها ما هو المعنى الحقيقي لأزمة معقدة وطويلة؟ فعندما قال في مؤتمره الصحافي أنه مع ما يوافق عليه الطرفان كان يتحدث بلهجة الإسرائيليين مع أنه أضاف قائلا انه يريد تعبئة أطراف ودول أخرى للحل وهو ما رفضته إسرائيل. وهو وإن شطب مواقف سياسية التزم بها أربعة رؤساء قبله بشأن الحل العادل للقضية الفلسطينية والقائم على دولتين تعيشان بأمن وسلام جنبا إلى جنب، فإنه قدم موقفا أكثر تطرفا من اليهود الأمريكيين الذين يتفق معظمهم وحل الدولتين، ومنهم لجنة العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية (إيباك) اللوبي المؤيد لإسرائيل والمؤثر في أمريكا. إلا أن الموقف الأمريكي الجديد، إن كان هناك من موقف أثار أسئلة حول مجمل العملية السلمية. ففي الحقيقة لم يكن هناك شيء اسمه عملية سلمية ولا حل دولتين بل دولة واحدة واسمها إسرائيل تمتد من النهر إلى البحر. وكان المؤرخ والأكاديمي الفلسطيني رشيد الخالدي فصيحا وصريحا لكشفه عما اسماها «اسطورة» العملية السلمية. ففي مقال نشرته صحيفة «الغارديان» (18/2/2017) قال فيه إن ترامب كان مدفوعا في موقفه لإرضاء ضيفه نتنياهو الواقع تحت تأثير حماس المتطرفين في حكومته التي رفض فيها أربعة علانية إنشاء دولة فلسطينية، وهم وزير السلامة العامة غيلعاد إردان ووزير التعليم نفتالي بينت ووزيرة الرياضة ميري ريغيف ونائبة وزير الخارجية تزيفي هوتزوفلي.
وقال الخالدي إن إسرائيل التي تقوم باستعمار ما تطلق عليها «أرض إسرائيل» عملت على تدمير الشروط اللازمة لقيام دولة فلسطينية مستمرة ودائمة وذات سيادة عاصمتها القدس. ويرى المؤرخ الخالدي، الذي يعمل أستاذ كرسي إداورد سعيد في جامعة كولومبيا أن اسطورة الدولة والعملية السلمية هي من أكثر الأفكار الخيالية التي شهدها الزمن الحديث. وكانت هذه الاسطورة مهمة لاستمرار الاحتلال واستعمار إسرائيل الطويل للضفة الغربية والقدس الشرقية واستخدمتها غطاء حمتها من الضغوط الدولية. ومن هنا فالدفن النهائي للعملية السلمية سيجبرنا على مواجهة الحقيقة الواضحة وهي أن هناك دولة واحدة قائمة وبسيطرة أمنية كاملة: إسرائيل. ولهذا لم يكن نتنياهو متصنعا في كلامه عندما وقف إلى جانب ترامب وقال إن «إسرائيل يجب ان تحافظ في أي عملية سلمية على الأمن في كل منطقة غرب نهر الأردن». وظل يقول إنه مستعد لمنح الفلسطينيين «ناقص دولة» تظل فيها المستوطنات الإسرائيلية في مكانها وتبقى القدس تحت سيطرة إسرائيل ونسبة ما بين 50- 60٪ من أراضي الضفة الغربية بما في ذلك الأرض الخصبة في وادي الأردن. لكل يقول الخالدي إن الخلاف على تسمية هذه المهزلة، دولة أم دولتان وفيما إن سمح للفلسطينيين رفع علمهم على البانتوستان البائس أم لا، تظل غير مهمة. ويعتقد الخالدي أن مؤتمر ترامب- نتيناهو وجلسة مصادقة الكونغرس على تعيين ديفيد فريدمان سفيرا للولايات المتحدة في إسرائيل يقدمان لنا صورة عن الكيفية التي تغيرت فيها العلاقة الأمريكية- الإسرائيلية منذ 20 كانون الثاني (يناير) 2017. والحقيقة التي لا غبار عليها هي أن الإدارة الحالية كشفت عن عوار العملية السلمية، ففي الوقت الذي ظل فيه الرؤساء الأمريكيون منذ بيل كلينتون يتمسكون بالدولة الفلسطينية ويشجبون التوسع الاستيطاني إلا انهم لم يتوانوا عن دعم وتمويل كل النشاطات في الأمم المتحدة التي من المفترض أنهم يعارضونها، أي دعم مواقف إسرائيل حقا وباطلا. وكغيره من الرؤساء الأمريكيين وقف ترامب متواطئا إلى جانب نتنياهو الذي حدد ما هو مطلوب من الفلسطينيين: الإعتراف بيهودية الدولة، وهو شرط لم يطلب من أي دولة أخرى ولم تتبنه إسرائيل نفسها رسميا.
تنازلات
ولا بد من النظر إلى تصريحات ترامب في جزء منها على أنها نتاج للعبة تنازلات أمريكية ـ إسرائيلية كما لاحظت مجلة «إيكونوميست» (16/2/2017)، فالتخلي عن «حل الدولتين» كان ثمنا لتنازل الزائر الإسرائيلي لواشنطن عن مطالب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس الذي وعد به ترامب أثناء الحملة الانتخابية ولم يف به بعد. مع أنه قال في المؤتمر الصحافي أنه يدرس قرار النقل «بقوة جدا». ويبدو أن الرئيس الجديد يعي الآن وبعد دخوله البيت الأبيض وتحذيرات نقلها له قادة أجانب من تداعيات النقل «الرمزي» على الوضع في المدينة التي يراها الطرفان عاصمة لهما. أما التنازل الثاني فقد بدا من عدم مطالبة نتنياهو بإلغاء الاتفاق الإيراني الذي توصلت إليه إدارة أوباما ووصفه ترامب بأنه «من أسوأ الصفقات». وعلى ما يبدو فقد أخبر حلفاء أمريكا الأجانب وأفرادا من فريقه مثل وزير الدفاع جيمس ماتيس أن الاتفاق هو الخيار الأسوأ لمنع إيران من مواصلة نشاطاتها النووية، طالما طبقت مبادئه بشدة واستعدت واشنطن لفرض عقوبات على إيران في أمور أخرى مثل مشروع تطوير واختبار الصواريخ الباليستية. وكما تقول المجلة «فقد عزى الزعيم الإسرائيلي نفسه بكيل المديح على موقف الرئيس المتشدد من عدوان إيران» ومضى مع لعبة الرئيس الجديدة التي تدعو لمواجهة تنظيم «الدولة» رغم ما يبدو من تناقض في الموقف الإسرائيلي، ذلك أن إيران تقف على الخط نفسه عندما يتعلق الأمر بقتال تنظيم «الدولة» في العراق وسوريا.
موقف خطير
وأيا كانت طبيعة التنازلات التي قدمها كل طرف للآخر، فعلينا أن نشعر بالقلق من اللغة المتناقضة والتشوش الظاهر من الإدارة التي قالت «الغارديان» (16/2/2017) إن مواقفها لا تقوم على فهم استراتيجي للأمور. وقالت إن ترامب يظل خطيرا وهذا نابع من جهله وإصراره على الخوض في الموضوعات التي لا يعرف عنها إلا القليل «فما يقوله الرئيس مهم حتى لو غير رأيه في اليوم التالي». وحذرت الصحيفة من مخاطر حل الدولة الواحدة الذي سيقضي على صورة إسرائيل نفسها ويؤثر على الطابع الديمقراطي واليهودي للدولة والذي يراه نتنياهو شرطا للتسوية مع الفلسطينيين. وبالمقابل فإن الحديث عن دولة ثنائية الجنسية يظل فنتازيا. فعدم التوازن بين دولة معترف بها دوليا وجماعة غير دولة تعيش تحت الاحتلال تعني استمرار تغريب وتهميش الفلسطينيين وانزال مرتبتهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية. ولن يكون هذا خيانة لهم بل للمبادئ التي قامت عليها إسرائيل فقط، بل هو خطأ وكارثي، فشعبان مختلفان حول شروط انفصالهما لا يمكنهما التعايش معا.
البحث عن صفقة
ولا يفهم ترامب هذا أو أنه لا يلقي له بالا. فهو مسكون كما يقول جاكسون ديل في «واشنطن بوست» (19|/2/2017) بحس الرجل القادر على عقد «الصفقة الكبرى» وأنه سيكون الرئيس الذي يتوسط للتوصل إلى صفقة سلام شامل في الشرق الأوسط مشيرا لما قاله خلال مؤتمره الصحافي مع نتنياهو إنها «قد تكون صفقة أكبر وأفضل مما يستطيع الناس في هذه القاعة أن يستوعبوا». وفي السياق الأمريكي فطموحات ترامب الدبلوماسية الكبيرة ليست فريدة، فهي لا تختلف كثيرا عن تلك التي حلم بها جون كيري وباراك أوباما. ويرى ديل أن الزعماء الأمريكيين، عندما ينظرون إلى بريق الفوز بتحقيق حل سلمي للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني يصابون بالعمى من واقع الشرق الأوسط المعقد. ويصابون بالصمم تجاه نصائح المستشارين الخبراء الذين ينبهونهم إلى أن مبادراتهم العظيمة مكتوب عليها الفشل وتصبح لديهم قناعة أن استراتيجية أمريكية جديدة للسلام يمكن أن تجعل النجاح ممكنا فجأة. وقد فعل هذا أوباما عام 2009 وظن أنه سينجح بممارسة شيء من الضغط الأمريكي على إسرائيل، ابتداء من المطالبة بتجميد كامل لبناء المستوطنات في الضفة الغربية، وخطوة أخرى للتحاور مع العالم الإسلامي بشكل يساعد على اتفاق سلام خلال عامين. إلا أن خطة أوباما فشلت بسرعة للسبب نفسه الذي قال له مستشاروه أنها ستفشل، فالضغط الأمريكي لن يجعل إسرائيل توافق على وقف بناء المستوطنات وذلك أعطى عباس العذر لرفض التفاوض. والآن جاء دور ترامب الذي يفكر على ما يبدو مثل أوباما بأن على أمريكا تخفيف التزاماتها العالمية والتأكيد على بناء «أمريكا من الداخل» والذي لا يختلف عن شعار «أمريكا أولا» للرئيس الجديد. وكذا التوقف عن بناء الدولة، وهي سياسة اليمين المحافظ. إلا أن ترامب مثل أوباما استثنى الفلسطينيين والإسرائيليين.
ومرة أخرى يطلق الخبراء المخضرمون صفارات الإنذار فيقول خبيرا الشرق الأوسط ديفيد ماكوفسكي ودنيس روس «لسوء الحظ فالظروف الآن ليست ملائمة لاتفاق سلام إذا ما اعتبرنا حجم الهوة بين الطرفين والتي لم يسبق لها مثيل». وكتب مارتين إنديك «لا يعتقد الإسرائيليون ولا الفلسطينيون أن السلام ممكن ولا حتى مرغوب فيه». إلا أن ترامب يقول إن لديه فكرة جديدة، وهي في الواقع قديمة، شحنها نتنياهو العام الماضي عندما اقترح التعاون مع الدول السنية مثل مصر والسعودية والأردن لاحتواء التمدد الإيراني ومن خلاله سيتم تقديم تنازلات للفلسطينين. وفكرة ترامب كما يقول ديل لا تختلف عن المبادرة العربية عام 2002 والتي تبنتها الجامعة العربية فيما بعد وفيها اقترحت السعودية تطبيعا مع إسرائيل مقابل انسحابها من الأراضي المحتلة.
التجريب
والتفت إلى هذه النقطة ديفيد غاردنر في صحيفة «فايننشال تايمز» (22/2/2017) الذي قرأ في محاولة حشد الدعم العربي ضغطا أمريكيا خفيا على الدول العربية السنية الإنضمام لتحالف ضد إيران، وهو ما عبرت عنه بعض الصحف «بناتو عربي» إلا أن المشكلة وعندما يتعلق الأمر بإسرائيل مختلفة. صحيح كما يقول أن الحكام العرب تعاونوا سرا مع إسرائيل فيما واصلوا تضامنهم الأخوي مع الفلسطينيين باعتباره «مسألة تقنية مأخوذة من كتيب تعليمات صيانة النظام» إلا انهم سيتجنبون المخاطرة. فلا حاجة للقول اليوم أن العرب وإسرائيل يقرأون من الكتاب نفسه وكما بدا في مؤتمر ميونيخ، وأنهم ظلوا يتصلون مع إسرائيل كما كشف دراسات المؤرخ الإسرائيلي آفي شليم إلا أنهم سيتردون بالمخاطرة بمسائل تتعلق بوجودهم أما ترامب فيمكنه التجريب وقول ما يريد تماما كما جرب الرؤساء الأمريكيون من قبل. وقد يطاله غضب اليهود في حالة حاد عن النص، تماما كما حصل مع أوباما عندما رفض استخدام الفيتو العام الماضي في مجلس الأمن. فكان عقابه وهو الرئيس الداعم الأكبر لإسرائيل دعوات لمنعه من الانضمام لنادي وودمونت في ميرلاند. وهي دعوة رأى فيها توماس فريدمان في»نيويورك تايمز» (15/2/2017) محاولة منع أول رئيس أسود من اللعب في النادي اليهودي بشكل نسي فيه اليهود ماضيهم عندما كانوا يمنعون من دخول النوادي.
إبراهيم درويش