القاهرة ـ «القدس العربي»: من حق العرب والمصريين على وجه الخصوص ان يقلقوا، فقد قرر ترامب ان يقتطع جزءا من أرض ما زالت في رحم الغيب كي يقيم وطناً بديلاً للفلسطينيين وليطهر إسرائيل من صفة «المحتل» الذي سيظل يلاحقها للأبد ولينهي على طريقته الخاصة مأساة شعب تحالفت ضده البشرية جمعاء.
الأسبوع الفائت كان كاشفاً عن الوجوه التي سكتت دهراً ثم نطقت كفراً برسائلها الدافئة لـ«الصديق» الإسرائيلي، فقد وعدوه بالسلام من غير ان يطلبوا منه ان يتنازل عن الأرض التي احتلها وقتل وشرد أهلها. قلبت التصريحات التي تسربت من إسرائيل حول لقاء العقبة الذي جمع بين السيسي وعبد الله ونتنياهو والذي أشارت الأنباء إلى تعرضه لحل الدولتين وانهاء الصراع التاريخي بإقامة دولة فلسطينية على أجزاء من سيناء وهو الأمر الذي نفاه السيسي مؤخراً. وأكد السفير علاء يوسف المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية أن ما تم ترديده مؤخرا عبر وسائل الإعلام بشأن وجود مقترحات لتوطين الفلسطينيين في سيناء، أمر عار عن الصحة ولم يسبق طرحه على أي مستوى من جانب أي مسؤول عربي أو أجنبي مع الجانب المصري، مؤكداً استحالة الخوض في مثل هذه الأطروحات غير الواقعية وغير المقبولة، خاصة أن أرض سيناء جزء عزيز من الوطن، ولا يزال يشهد أغلى التضحيات من جانب أبناء مصر الأبرار.
غير ان السؤال الذي يتردد على لسان الرأي العام والمراقبين ولم يلتفت له الناطق بلسان مؤسسة الرئاسة هو لماذا كان هذا اللقاء سريا؟ فقد ندد العالم العربي قبل أربعين عاماً بالرئيس السادات لأنه عقد لقاء في العلن مع قادة إسرائيل فكيف نمرر اللقاءات السرية التي يجتمع خلالها قادة عرب مع إسرائيليين ولا نسمع عنها إلا عبر الجانب الإسرائيلي، ولماذا فشل الاجتماع كما أكدت الصحيفة الإسرائيلية؟ وما هو هدف إسرائيل وأمريكا من تسريب الخبر في هذا التوقيت؟ وإذا غابت القضية الفلسطينية عن اجتماع كهذا فعن أي القضايا تحدث الثلاثة في اجتماعهم السري؟
من اللافت ان بيان السفير جاء ضعيفا لا يتناسب مع حجم الهجمة التي لاحقت النظام قبل ان يتبرأ منها السيسي الذي أثارت تصريحاته ارتياحاً محفوفاً بالريبة أيضا لأسباب لا يمكن تجاهلها أهمها:
ليس بوسع المتابع والمواطن على حد سواء ان يغيب عن الذاكرة تصريحات سابقة للسيسي ومنها: «فيه ناس بتحتفل بالانتصار والاستقلال»، في إشارة إلى المحتل الصهيوني المغتصب للأرض، و«ناس بتحتفل بالانكسار والانهزام، يا ترى إحنا هنغتنم الفرصة ونتحرك في هذا الإطار» مؤكداً ان الأمر في منتهى الأهمية: «إن شاء الله لو هذا تحقق سنرى في المنطقة العجب، ولو تحقق ده إحنا هيبقى واقع جديد جدا».
السؤال الأهم الذي ولد على ما تواتر من معلومات وأنباء حول حل الدولتين، هل يرغب النظام في التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، ضمن صفقة كبرى يرعاها حاكم البيت الأبيض الجديد الذي يخاطب المسلمين والعرب بلهجة المتعجرف لإعادة ترتيب المنطقة، وليستجيب لمطالب نتنياهو بإشراك السعودية والإمارات فيها، خاصة مع تواتر أنباء تؤكد مشاركة مسؤول سعودي بارز في اجتماع العقبة؟ هل سيتم دفن فلسطين فوق الخريطة ليدفع بها نحو المتاحف لنرى أخرى غير التي تحدثت عنها الكتب السماوية؟
وبعد ان تبرأ السيسي من التنازل عن سيناء للفلسطينيين مع قبوله بمبدأ الدولتين وترحيبه بالسلام الدافئ مع إسرائيل والذي يعني بقاء الأوضاع على ما هي عليه فأين ستقام الدولة التي ما زالت في ذاكرة ترامب والزعماء العرب في رحم الغيب؟ بالطبع فإن دول الجوار هي المرشحة لأن تتنازل عن جزء من أراضيها، غير ان الواقع على الأرض يجعل الأمر مستحيلاً. لن تكون تلك الدولة «الحلم» على شرف الأراضي اللبنانية، التي تضيق بأهلها، وبالنسبة للسعودية هل ستقبل بالتنازل عن جزء من أرضها ليقترب الأقصى من البيت الحرام بقرار من ترامب أم ان الأنظار تتجه نحو الشعب السوري الجريح المستباحة حدوده كي يستضيف تلك الدولة؟ أم هل ينقل الشعب الفلسطيني نحو العراق؟ إذ كشفت بعض الأوساط السياسية الأمريكية عن امكانية توطين نسبة كبيرة من الفلسطينيين في المنطقة الوسطى لدعم الطائفة السنية هناك.
إن ما يدعو للقلق حقاً تلك المعلومات التي لا تنقطع والسيناريوهات التي تطرح منذ زمن المخلوع مبارك في مسألة البحث عن وطن بديل للفلسطينيين للخروج من عمق المحنة وتجنباً للعار التاريخي الذي يلاحق الحكام الذين فرطوا في واجباتهم وخذلوا شعباً بأكمله.
لقد تحدث ترامب بصراحة مطلقة بشكل أوحى للمراقبين ولكل المهتمين بالقضية على ان دولة جديدة ستنشأ ليحل السلام فهل سنشهد وعد بلفور عربيا؟
حسام عبد البصير