عمان ـ «القدس العربي»: النص في البيان المشترك لآخر قمة مصرية أردنية عقدت على نحو سريع بعد لقاء ترامب ونتنياهو الشهير على حل الدولتين مجددا له ما يبرره، ليس فقط من وجهة نظر أردنية مصلحية، ولكن أيضا انطلاقا من سعي الأردن الدؤوب لإحياء ما يسمى بنظام الاعتدال العربي الذي روج لأكثر من عشرين عاما أو حتى لربع قرن لعملية السلام. الأردن لم يقل إطلاقا أي كلمة رسمية من أي نوع تعليقا على ما ورد في البيان الشهير للقاء ترامب ونتنياهو بعنوان اسقاط حل الدولتين.
طوال الوقت ومنذ تلك اللحظة لم تعلق السلطات الأردنية على مسار الأحداث ولم يصدر بيان رسمي يوضح موقف عمان إطلاقا من الاشكالية التي زرعتها إدارة الرئيس ترامب في منهجية عملية السلام لصالح اليمين الإسرائيلي الذي قام بدوره وكما يرجح رئيس الوزراء الأردني الأسبق والمخضرم طاهر المصري بغزوة منظمة وموقتة ومبرمجة لإنتاج مشهد جديد يخدم استراتيجية تصفية القضية الفلسطينية.
خلافا للمنطق الذي افترضه بعض السياسيين والبسطاء في عمان لا يؤمن خبير من وزن المصري ان إنهاء حل الدولتين يمكنه ان يقفز إلى السطح بخيار الدولة الديمقراطية الواحدة، لان مثل هذه الدولة غير متاحة في ظل الإصرار على الدولة اليهودية، حيث لا يمكن الجمع بين دولة واحدة ديمقراطية تحسم السلام والصراع وبين مشروع يهودية الدولة.
من هنا كان المصري وحيدا في المضمار السياسي النخبوي الأردني تقريبا وهو يحذر الأردن دولة وشعبا عبر عدة نقاشات مع «القدس العربي» من أهداف مرحلية تتحقق في الواقع لصالح اليمين الإسرائيلي تحت عنوان يهودية الدولة وتصفية القضية الفلسطينية بحيث يكون نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة جزءا حيويا مكملا من هذا السياق والإطار وضمن مضمونه.
لن يحصل ذلك بدون الاعتداء على الأردن والمساس به بتقدير المصري ولن يتحول إلى خطة بديلة يغذيها اليمين الإسرائيلي بدون العودة لخيارات تصفية القضية وفرض وقائع على الأرض بدون ثلاثية دولة فلسطينية أو حل الدولتين أو حتى الدولة الواحدة الديمقراطية حيث لا يوجد ما يبرر للإسرائيلي لا على صعيد المجتمع الدولي ولا على مستوى ميزان القوى العربي تقديم أي تنازل في القضية الفلسطينية.
بطبيعة الحال لا تحب رموز الحكومة في الأردن التفكير في الأمر وفقا لهذه القواعد المقلقة وان كان اعلان ترامب بخصوص حل الدولتين يعبر عن هجمة عميقة ومبرمجة وقاسية ضد الاستراتيجية التي اعتمدها الأردن طوال الوقت ومنذ عام 1994.
الاستعانة بالرافعة المصرية
في مقابل الصمت الرسمي والحكومي الأردني وجدت المؤسسة ضالتها في محاولة العودة لمربع معسكر الاعتدال العربي، فزار الملك عبد الله الثاني القاهرة مساء الثلاثاء والتقى الرئيس عبد الفتاح السيسي وأجرى معه مباحثات لعدة ساعات من الواضح انها برمجت على أساس التحديات التي فرضها لقاء ترامب نتنياهو عندما أثار الشكوك حول حل الدولتين وبالتالي قفز تلقائيا بسيناريو الحل على حساب الأردن حصريا وبالتوازي مع الشعب الفلسطيني.
هنا كان لا بد من الاستعانة بالرافعة المصرية حيث خرج بيان القمة الأردنية المصرية التي استمرت لساعات فقط برسالة ممثلة للطرفين وقوامها ان حل الدولتين هو الطريق الوحيد لإنهاء الصراع.
اختيار مثل هذه الكلمات يعني تلقائيا ان عمان والقاهرة قررتا التخندق دبلوماسيا والرد على مستجدات الإدارة الأمريكية بموقف يرفع الصوت قليلا ويناكف بشكل محسوب المضمون الذي ورد بخصوص حل الدولتين على لسان الرئيس الأمريكي.
وفي الحد الأدنى يعترض الأردن برفقة مصر بجملة واحدة في بيان مشترك على التصور الذي يحاول نتنياهو تسويقه في أروقة طاقم ترامب وبالتالي تعلن العاصمتان موقفا قوامه التذكير ان معسكر الاعتدال العربي ورغم التفوق الإسرائيلي ما زال على قيد الحياة وما زالت لديه كلمته وبالتالي ينبغي على واشنطن الاستماع له.
عنصر الذكاء في الجملة التكتيكية الأردنية هذه المرة يتمثل في الاستعانة بالزعيم العربي الاقرب للرئيس ترامب وهو السيسي، على أمل ابلاغ واشنطن ان النظام العربي المعتدل يعترض على فكرة ترامب بعنوان ان حل الدولتين ليس الطريقة الوحيدة لصنع السلام في قضية الشرق الأوسط المركزية.
الجملة المصرية الأردنية تبدو تذكيرية وجريئة نسبيا لكن السؤال حول مقدار فعاليتها لاحقا مسألة أخرى تماما قد لا يكون من المناسب الآن الغرق في تفصيلاتها خصوصا ان عمان استطاعت اقناع القاهرة ان دورهما الإقليمي معا قد يتأثر سلبا إذا ما سمح لنتنياهو بالتأثير إلى هذا المستوى من العمق في موقف الإدارة الأمريكية من مقترح مرجعي بعنوان حل الدولتين.
المرتقب في السياق ان يكمل الأردن بصفته مستضيف القمة العربية المقبلة جملته التكتيكية نفسها بعدما رتب مع المصريين الصيغة التي تعتبر حل الدولتين الخيار المرجعي الأفضل لصناعة السلام. ويمكن القول ان الخطوة التالية إذا ما انضمت لها السعودية باعتبارها من محور ومعسكر دول الاعتدال ستتمثل في تبني قمة عمان العربية لهذا الخطاب على أمل إعادة إنتاج الموقف. وبالحد الأدنى على أمل لفت نظر واشنطن إلى بعض الكلف التي ستنتج عن اسقاط حل الدولتين لصالح حكومة نتنياهو اليمينية المغرقة في التشدد.
بسام دارين