عناية جابر
أفلح عبد الحليم حافظ، بعينيه السوداوين المائيتين، وبكثافة عتمة وجهه، وبالتماع صفي الاسنان البيضاء وأيضاً باستغراقه الرومانسي، بمراقبة كل من يدخل الي ملكوت الحب. المغرومون حقا والزائفون، والفصل ما بين هؤلاء واولئك. اذ ليس كل من ارسل صوته آهات باذخة وسوي ذلك، وأرخي للكلمات الرقيقة لتنسكب شوكولا حارة في أذن معشوقه، قادر علي إقناعنا فعلاً.
في غناء الحب، بدا عبد الحليم مثل أيل في غابة. في شهوات صوته فجاجة التجربة والفلتان والالتهاب في كل اتجاه، بحيث نضيع في مقاصد رغبته، هل يطفئ غليلها قبلة، أم تتقدم في الخطر الداهم لتلك النار العظيمة.
برامج مصرية ولبنانية وخليجية ومسابقات لاختيار خليفة لعبد الحليم في ذكراه الـ30. بامكان هذا الوقت السيئ ان يحتفظ لنا ببعض الجواهر ـ وهو أمر لن نعرفه قط ـ ولكن لا أحد باحساس عبد الحليم، صوت عبد الحليم، سكاكر ذلك الصوت، شحوبه، العربة المليئة بالفواكه الاستوائية، البالة الهائلة من العواطف. أبداً، أبداً، نحن كمن يضع مفتاحاً في قفل غريب. أنا لك عي طول خليَّك ليَّا، خود عين مني وطل عليا، تنزل مناشف مبللة علي قلبي المشدوخ. عواطفي المتصلبة ـ حين اسمعه ـ تلين ويعاودها الرفق. في أغنياته، بدايات غنائه بوجه خاص، ذلك التجسيد العفوي للبذل الشعوري. فمن الخصائص الاساسية للتدله، ان يشك المحب بعمق في ان يكون هو السيد. ان يعيش ابداً خارج أناه الخاصة. ولذلك، فان الأمر لا يتعلق فحسب بمن نحب تحديدا، جدارة هذا المحبوب او عدمها، وانما ايضا بنوع الذل الذي يصيبنا كعشاق. ذل طبيعي ومرضي عنه ولذيذ، ما يجعلنا نعتبر من نعشق، كائناً من كان، أكثر أهمية منا، وأكثر قيمة.
من دون الحب، ما كان يمكن لعبد الحليم حافظ ان يوجد. ومن دون صوته ما وجد الحب الذي نعرف، الذي عشنا وكابدنا. ومهما يكن من أمر، فإننا حين نسمعه، نُفرط أكثر مما ينبغي في عشقنا، كما لو صوته إشارة، طلقة مسدس، قفزة اولي ولا يسعنا بعدها التراجع الي الخلف. لايق عليك الخال، يللي الهوي خالك.. مشغول عليك البال، ولا حدَّ علي بالك.
أسمعها أيضاً، فتقنعني بأن جراحي ليست ذات بال، وإن علي علي غرار عبد الحليم، الامعان في أذية قلبي، وحثه من دون رفق علي فوضي الشؤون الغرامية، وسحبه دائماً الي الامام، في حين يضنيه سقمه، والآلية السرية المعذبة للحب. كان لدي عبد الحليم حافظ (كما نري في افلامه طبعاً) تلك الحركة الحائرة التي يعرض فيها رقبته العارية الاسيلة امام عينيّ عمر الشريف. او شفاهه التي لطالما مكورة وجاهزة للتقبيل. او تلك السعادة التي تسكنه، وتقبل بطيئة جدا، متهدلة كحجاب، مليئة بالأسرار كقوقعة بحرية حين يكون في أحد مشاهده التمثيلية امام أحمد رمزي. في استدارات جسده ما ليس ذي بأس ولا ذكورة فائضة. أري الي افلامه ويقلقني استغراقه الكامل في عينيّ عمر الشريف، لأكثر بكثير مما يفعله حيال عيني فاتن حمامة مثلا، او شادية، او زبيدة ثروت، او ماجدة او لبني عبد العزيز. لا أتحدث هنا عن القبلات الماراثونية مع ناديا لطفي في أبي فوق الشجرة فهذه مسألة سينمائية بامتياز وعلي علاقة بشباك التذاكر ولا تقول شيئاً دالاً او حميماً او حاسما. ثمة عاطفة غير مريحة تطلع من جسده في مشاهده السينمائية حيال ممثلين ذكور. في عالم السينما كانت رقة عبد الحليم ودعته تعتبر مشهدا ملتبسا، ويغدو صوته حائرا وغير دقيق في تصويبه العاطفي. أسمر يا اسمراني خسارة علي قد الشوق صافيني مرة يُغنيها في انكشاف ذاته الرقيقة للعالم، مستغنياً طواعية عن امتلاك الحبيب، (أي حبيب؟) فقط رقرقة دموع في العينين، ومجالدة تعصي حتي علي التعبير. في صوته امواج صامتة تبلغ قلب العالم، والمسافة التي تتراءي لنا، نحن عشاق صوته، والتي تفصله عن حبيبته او كائناً من كان أحب عبد الحليم، كانت المسافة نفسها التي تفصله عن ذاته.
صوت بلا مقصد شخصي في الحب. صوت للحب، تماما كما يمكن للحب ان يكون مرصودا لهذه المرأة او لذلك الرجل من دون ان يخترق احدهما. حب معلق علي نافذة لكي يجف، فنستفيد نحن في ما بعد، من عذاباته. متحرر من الحدة والدقة ومشتت بعض الشيء ومضبب، ولكن ممتلئ بالوجع الرقيق واللين والنعومة والهدوء في غير دلالات الحب الواضح.
صوته واقعة شعورية تمس القلب، غير انها لا تعصف. كم مضي علي موته؟ ثلاثون عاما؟ اقل، اكثر، انه الوحيد الذي لا نزال نسمعه، ونضيف بتأكيد انه لا يخيب رجاءنا.