لليمينيين الذين سجلوا الاستفتاء الشعبي كعلاج سيتبين لاحقا انه سم قاتل. فقد تلقى نتنياهو ابتكارا سيتيح له التحلل من المسؤولية عن فقدان الارض، طرد الناس والتنازلات التي ما كان يتجرأ على القيام بها لو شعر بكل ثقل المسؤولية عليه: ‘الشعب قرر’. سينجح رئيس الوزراء في هذا الاستفتاء سيرا على الاقدام، فكل جهاز الاعلام والتسريب الحكومي سيتجند من أجله، وخلفه ريح اسناد لكل وسائل الاعلام الجماهيرية تقريبا. هذه لن تكون معركة نزيهة بين اليمين واليسار ايضا بسبب الوضعية الخاصة الفريدة من نوعها، التي يجتاز فيها رئيس حزب اليمين الخطوط ويطبق البرنامج السياسي لليسار. في مثل هذا الوضع المريض، من الاشارات المتضاربة، كيف يمكن ان نتوقع من الشعب الا يتشوش؟ والى كل هذا ينبغي أن يضاف وزن الصوت العربي، نحو 20 في المئة من السكان. هذا جمهور من المواطنين العاديين الذين في معظمهم يتطلعون الى الانخراط في منظومات المجتمع والدولة، ولكنهم يعرفون أنفسهم كجزء من الشعب الفلسطيني. ممثلوهم يكافحون في الكنيست من أجل الدولة الفلسطينية، ولا توجد مظاهرة لا يرفعون فيها أعلام فلسطين. ومؤخرا فقط رأينا هذا في مظاهرة البدو في قضايا الاراضي في النقب. هذا الصوت العربي موضوع في جيب نتنياهو، وهكذا، حتى قبل أن يبدأ السباق، مضمون للمنافس الفلسطيني على يهودا، السامرة والقدس تفوق بنحو 15 في المئة على المنافس اليهودي. هذه الحقيقة الصلبة، التي سيتمكن فيها الصوت العربي من حسم مصير الاستفتاء الشعبي، تضع امامنا كامل الصعوبة الكامنة في صيغة ‘الدولة اليهودية ـ الديمقراطية’. هل يسمح للعرب، الذين يحملون رؤية وطنية فلسطينية، ان يحسموا الرؤية الوطنية اليهودية في بلاد اسرائيل من خلال الديمقراطية؟ رئيس الوزراء يتحدث عن الحاجة الى منع تحول اسرائيل الى ‘دولة ثنائية القومية’. ولكن اذا سمح للفلسطينيين من مواطني اسرائيل الحسم، اين يكون الوطن اليهودي فهذا دليل على أن اسرائيل هي منذ اليوم دولة ثنائية القومية. السبيل الوحيد لتسوية هذا التضارب الظاهر هو القول ان الفلسطينيين من مواطني اسرائيل يشاركون في الديمقراطية الاسرائيلية في كل المجالات، باستثناء تحديد الطابع اليهودي للدولة. وما هو اكثر ‘يهودية’ من الاراضي الاقليمية الوطنية اليهودية؟ من يصعب عليه عدم المساواة هذه مدعو الى مراجعة سجل القوانين الذي لا يقول ‘عربية ـ ديمقراطية’ و ‘يهودية ـ عربية ـ ديمقراطية’، بل ‘يهودية ـ ديمقراطية’ فقط. واذا لم يكن ليهودية القدس مثلا معنى لموضوع يهودية دولة اسرائيل المقررة في القانون، فسنعيش حلم فرعون، حيث البقرة الديمقراطية ستبتلع البقرة اليهودية ولن نعلم انها اقتربت منها. الاستنتاج ليس الرفض المبدئي للاستفتاء الشعبي، بل انه مسموح المطالبة باغلبية نسبية تضمن المطلب القانوني هذا على حساب الديمقراطية. وعلى اي حال فاذا لم تتوفر لذلك اغلبية في الكنيست، وحتى لو توفرت، فان محكمة العدل العليا كانت ستلغيه. ولما كان الطرف اليهودي في معادلة اليهودية ـ الديمقراطية هو منذ اليوم اشارة ميتة، فان الاستفتاء الشعبي هو لعبة مباعة، مع انتصار مضمون للقضية الوطنية الفلسطينية. مدهش أنه بالذات البيت اليهودي، الذي يعتبر حزب المستوطنين، هدد الا يصوت الى جانب الميزانية اذا لم يضمن هذا الاستفتاء الشعبي، الذي يهدد بان يدفن تحته معظم المستوطنات. من حظنا أن الاستفتاء لن يتناول الا الاراضي التي تحت سيادة اسرائيل وليس يهودا والسامرة. وعندما سيكون التصويت صافيا على تقسيم القدس وعلى اقتلاع عشرات الاف الدونمات من سهل نيسان، قاطع لخيش وغرب النقب، فلعل احدا ما سيصحو.