ثلاثة‭ ‬فئران‭ ‬

حجم الخط
2

‬لم‭ ‬أكن‭ ‬مجنونا،‭ ‬كما‭ ‬ادّعى‭ ‬السجّان‭ ‬الغبي‭ ‬الذي‭ ‬حبسني‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭. ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬مجنونا،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬عائلتي‭ ‬أودعَتْني‭ ‬بصورة‭ ‬مؤقتة‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬المصحّات‭ ‬العقلية،‭ ‬كي‭ ‬أستعيد‭ ‬ذاكرتي‭ ‬أو‭ ‬توازني‭. ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬مجنونا‭… ‬فقد‭ ‬رأيتهم‭ ‬يركضون‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬رام‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬وضح‭ ‬النهار‭. ‬كانوا‭ ‬يتراكضون‭ ‬على‭ ‬الأرصفة‭ ‬بين‭ ‬أقدام‭ ‬المشاة‭ ‬وبين‭ ‬السيارات‭ ‬في‭ ‬الشوارع،‭ ‬ثم‭ ‬اختفوا‭..‬
بحثتُ‭ ‬عنهم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭. ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الشعبي‭ ‬وحسبة‭ ‬الخضار‭ ‬وعند‭ ‬المنارة‭ ‬ومحل‭ ‬رُكَب،‭ ‬وبحثتُ‭ ‬عنهم‭ ‬في‭ ‬أم‭ ‬الشرايط‭ ‬وحي‭ ‬المصيون‭ ‬وسردا،‭ ‬وعند‭ ‬متحف‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭ ‬وضريح‭ ‬ياسر‭ ‬عرفات،‭ ‬ولم‭ ‬أجد‭ ‬لهم‭ ‬أثرا‭… ‬ثم‭ ‬بدأت‭ ‬أبحث‭ ‬عنهم‭ ‬حول‭ ‬رام‭ ‬الله‭.‬
أمس‭ ‬سمعت‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬الضواحي،‭ ‬أحد‭ ‬الشحاذين‭ ‬المعتوهين‭ ‬يتمتم‭ ‬بأنه‭ ‬رآى‭ ‬منظرا‭ ‬غريبا‭ ‬لثلاثة‭ ‬فئران‭ ‬عالقين‭ ‬على‭ ‬حاجز‭ ‬قلنديا‭. ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬أنهم‭ ‬فئراني‭.‬
أسرعتُ‭ ‬في‭ ‬صباح‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬الحاجز‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬سيارات‭ ‬الأجرة‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬معي‭ ‬الوثائق‭ ‬اللازمة‭ ‬لعبوره،‭ ‬لكنني‭ ‬دخلت‭ ‬بداية‭ ‬الحاجزَ‭ ‬من‭ ‬المنطقة‭ ‬العازلة‭ ‬وتجاوزت‭ ‬الأسلاك‭ ‬الشائكة‭ ‬والحواجز‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬ثم‭ ‬دخلت‭ ‬من‭ ‬البوابة‭ ‬الأولى‭ ‬ووقفتُ‭ ‬مع‭ ‬المئات‭ ‬نتقدم‭ ‬ببطء‭ ‬في‭ ‬ممرات‭ ‬شبيهة‭ ‬بالأقفاص،‭ ‬بينها‭ ‬حواجز‭ ‬دوّارة‭ ‬يرتفع‭ ‬كلّ‭ ‬واحد‭ ‬منها‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬مترين‭. ‬وقفتُ‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬ساعتين‭ ‬في‭ ‬الدور‭ ‬محتملا‭ ‬الضجيج‭ ‬والأنفاس‭ ‬الخانقة‭ ‬والحرّ‭ ‬وبكاء‭ ‬الأطفال‭ ‬ورائحة‭ ‬دخان‭ ‬الهيشي،‭ ‬بانتظار‭ ‬التفتيش‭ ‬والدخول‭.. ‬وحين‭ ‬وصلتُ‭ ‬الى‭ ‬البوّابة،‭ ‬رأيتهم‭ ‬يقفون‭ ‬إلى‭ ‬جانبها،‭ ‬مرتعبين‭ ‬يرتعشون‭… ‬
اقتربتُ‭ ‬منهم‭ ‬بهدوءٍ‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يفزعوا،‭ ‬فهالَني‭ ‬ما‭ ‬رأيت‭. ‬كانت‭ ‬أذنابهم‭ ‬الثلاثة‭ ‬قد‭ ‬قُطعت‭ ‬بكاملها‭ ‬والدماءُ‭ ‬السوداء‭ ‬جفّت‭ ‬على‭ ‬أجسامهم‭ ‬بشكل‭ ‬مقزّز‭. ‬حملتُ‭ ‬أحدهم‭ ‬واسمه‭ ‬سينجر‭ ‬أستفسر‭ ‬منه‭ ‬عما‭ ‬جرى‭ ‬لهم‭. ‬أخبرني‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬المجنّدة‭ ‬ذات‭ ‬الشعر‭ ‬الأجعد‭ ‬منعتهم‭ ‬من‭ ‬عبور‭ ‬الحاجز،‭ ‬بل‭ ‬ووضعتهم‭ ‬على‭ ‬الطاولة‭ ‬الحديدية‭ ‬لآلة‭ ‬التفتيش‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬وقطعَتْ‭ ‬أذنابهم‭ ‬بقسوة‭ ‬وهم‭ ‬يزعقون‭ ‬بين‭ ‬يديها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تهتم،‭ ‬ثم‭ ‬أعادتْهم‭ ‬بصَلَفٍ‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬البوابة،‭ ‬أمتارا‭ ‬قليلة‭… ‬
حزنتُ‭ ‬عليهم‭ ‬كثيرا،‭ ‬وعلى‭ ‬أذنابهم‭..‬
لن‭ ‬يستطيعوا‭ ‬الركض‭ ‬الآن‭ ‬والاستدلال‭ ‬على‭ ‬الطرق‭ ‬دونها‭…‬
ثلاثة‭ ‬فئران‭ ‬عمياء‭ ‬عرفوا‭ ‬الطريق،‭ ‬ولم‭ ‬يضلوا‭..‬
ثلاثة‭ ‬فئران‭ ‬عمياء‭ ‬لن‭ ‬تركض‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬رام‭ ‬الله،‭ ‬كما‭ ‬اعتدنا‭..‬
ثلاثة‭ ‬فئران‭ ‬عمياء‭ ‬لن‭ ‬تدخل‭ ‬إلى‭ ‬القدس‭…‬
ثلاثة‭ ‬فئران‭ ‬عمياء،‭ ‬غارقة‭ ‬في‭ ‬بؤسها‭.‬
لم‭ ‬أحتملْ‭ ‬هذا‭ ‬الحزن‭.. ‬
أخرجتُ‭ ‬سكّينا‭ ‬أخفيتُها‭ ‬في‭ ‬جيبي‭ ‬الخلفي،‭ ‬وحاولتُ‭ ‬أن‭ ‬أقطع‭ ‬ذيل‭ ‬الجنديّة‭ ‬المتحرك،‭ ‬مثلهم‭. ‬
صرخَت‭ ‬المجندةُ‭ ‬بهيستيريا،‭ ‬تجمّع‭ ‬الجنود‭. ‬أصابتنْي‭ ‬رصاصةٌ‭ ‬من‭ ‬أحدهم،‭ ‬ضحكت‭ ‬الفئرانُ‭ ‬الثلاثة‭ ‬ولم‭ ‬أشعر‭ ‬بعدها‭ ‬بشيء‭.‬

٭‭ ‬فلسطين
1 ـ أماكن مشهورة في مدينة رام الله
2 ـ حدجز قلنديا:أحد الحواجز التي وضعتها سلطات الاحتلال الاسرائيلي، بهدف منع الفلسطينيين من الحركة بين المناطق المحتلة

ثلاثة‭ ‬فئران‭ ‬

سامية العطعوط

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية