ابن تيسير الاسمر الذي يبلغ السنة من عمره، من سكان البلدة القديمة في القدس ولد مع مشكلة شديدة في دماغه. وهو يعالج ومربوط بماكينة التنفس في مستشفى هرتسوغ في الطرف الثاني من المدينة. ولكن يحظر على الاسمر السواقة إلى هناك من اجل زيارة ابنه. وعمليا لا يستطيع الأب أن يصدر رخصة سواقة، وكل محاولة من قبله للوصول إلى المستشفى في المواصلات العامة تنتهي باعاقته من قبل الشرطة.
هذه فقط هي حالة واحدة من بين 12 ألف حالة لاشخاص يعيشون في خوف وعدم يقين وضائقة بسبب القانون الذي يمنع لم شمل العائلات الفلسطينية. بعد شهر سيكون مر 15 سنة على قرار الحكومة (الذي استبدل فيما بعد بأوامر الساعة، وهو القانون الذي يتم تجديده كل سنة)، الذي قضى باقامة جدار بيروقراطي لا يمكن اجتيازه تقريبا بين الفلسطينيين في شرقي القدس والبلاد بشكل عام، وبين الفلسطينيين في الضفة الغربية والفلسطينيين في قطاع غزة. وقد تم تبرير القانون من ناحية قانونية لاعتبارات أمنية. ولكن من ناحية عامة تم الحديث ايضا عن الاهداف الديمغرافية ـ تقليص السكان العرب في إسرائيل.
عندما طلب الكنيست فحص المبرر الامني منحه جهاز الامن معطيات غامضة تقول إن نسبة ضئيلة تبلغ 0.1 في المئة من الازواج الذين ينتظرون تصحيح الأوضاع «لهم صلة بالإرهاب».آلاف الاشخاص يعيشون تحت تأثير القانون، سكان المناطق الذين تزوجوا من مواطنين إسرائيليين، ازواجهم وابناؤهم الذين تعرضوا للصعوبات البيروقراطية التي لا يمكن تحملها، أصبحت حياتهم بائسة وبدون وجود أي تغيير في الأفق.
في الاسبوع الماضي أجرى الكنيست ومحكمة العدل العليا نقاشات حول القانون. وكالعادة بقي على حاله. وستناقش الكنيست القانون بعد نصف سنة. وقد لمحت رئيسة المحكمة مريام ناؤور لمقدمي الدعاوى بأن يقوموا بسحب دعاويهم.
من بين 12.500 شخص لهم ملفات للم الشمل، 10 آلاف منهم لا توجد لهم أي مكانة وهم يتجولون وفي جيوبهم تصريح اقامة عسكري. هناك معاني كثيرة للحياة بدون مكانة. ويشمل ذلك أنه لا يمكنهم اصدار رخصة سياقة أو التعلم أو الحصول على العمل. وقبل بضع سنوات لم يكن باستطاعتهم الحصول على التأمين الصحي. وهذا الامر ممكن الآن ولكن بتكلفة باهظة. وهم لا يحصلون على الحقوق الاجتماعية، وتستطيع الشرطة اعتقالهم أو تعويقهم لفترة طويلة.
يوجد للجزء الأكبر منهم تصريح مؤقت من الادارة المدنية، مثل العمال الذين يأتون من المناطق. وتجديد التصريح كل سنة أو سنتين هو اجراء معقد يتطلب جمع وثائق كثيرة (فواتير للكهرباء والمياه وقسائم رواتب وشهادات مدرسية وغيرها) واجراء مقابلة وتصريحات أمنية وما أشبه. بشكل عام، هم يتحدثون عن ضائقة وعدم ثقة بالمستقبل.
بين الفينة والاخرى، بفضل تدخل محكمة العدل العليا، يتم تقليص مساحة القانون لاسباب انسانية. مثلا سكان المناطق الذين لا يوجد منع أمني بخصوصهم، واعمارهم تزيد عن الـ 25 سنة للنساء، أو 35 سنة للرجال، والذين تزوجوا من إسرائيليين، يمكنهم الحصول على تصريح اقامة مؤقت مثل التصريح الذي يحصل عليه العمال القادمين من المناطق.
التصريح هو ورقة يعطيها الجيش الإسرائيلي، وهي لا تمنح الحقوق والأمان. الحصول على مكانة اكثر استقرارا على شكل بطاقة هوية هو تقريبا أمر مستحيل.
اضافة إلى الاضرار الشديدة لآلاف العائلات، أثر القانون ايضا على المجتمع في شرقي القدس، وصلته مع الضفة الغربية، وفي داخل المدينة نفسها ايضا. فالقانون ساعد على خلق الاحياء الفقيرة وراء جدار الفصل، حيث تحولت إلى ملجأ لآلاف الازواج المختلطين، سكان إسرائيل وسكان المناطق.
«العبء الديمغرافي»
أوامر الساعة التي تمنع لم شمل الفلسطينيين ولدت من قبل وزير الداخلية ايلي يشاي في نهاية آذار 2002. وقد كان ذلك هو الشهر الاصعب في الانتفاضة الثانية، بعد العملية في فندق «بارك» بأيام معدودة ومع بداية عملية «السور الواقي». وفي اليوم التالي لعملية مطعم ماتسا في حيفا، التي قتل فيها 16 مواطنا، أمر يشاي جميع مدراء مكاتب السكان في البلاد بوقف اجراءات لم الشمل، تلك الاجراءات التي مكنت سكان المناطق الذين تزوجوا من إسرائيليين من الحصول على مكانة قانونية في إسرائيل. وقد كان المبرر هو أن المخرب الذي نفذ العملية في حيفا، شادي الطوباسي، كان يعيش في جنين ولديه بطاقة هوية إسرائيلية لأن أمه كانت مواطنة إسرائيلية.
وعلى الرغم أنه بشكل رسمي كان الادعاء الامني هو الادعاء الوحيد، لكن بين السطور ظهرت ادعاءات اخرى ـ ديمغرافية. فقد كشف مركز الدفاع عن الفرد أنه اثناء نقاش الاقتراح في الحكومة قبل 15 سنة تم التحدث عن هذه الاعتبارات. «موجات الهجرة هذه تحمل في ثناياها خطر على الأمن القومي لدولة إسرائيل ـ خطر أمني، جنائي وسياسي. العبء الاقتصادي والديمغرافي على مستقبل دولة إسرائيل».
في العام 2012 تم انهاء نقاش في محكمة العدل العليا في عدد من الدعاوى ضد القانون. وفي قرار مطول يتكون من 232 صفحة قرر القضاة رفض الدعاوى بفارق صوت واحد. وقد قال خمسة قضاة من محكمة العدل العليا إنه يجب الغاء هذا القانون، وقال ستة قضاة أنه يجب الابقاء عليه. رئيس المحكمة السابق آشر غرونيس، الذي أيد رأي الاغلبية، كتب في قرار الحكم: «حقوق الانسان ليست وصفة للانتحار القومي». القاضي المتوفى ادموند ليفي، الذي كان من ضمن الاغلبية كتب: «إن فقدان المظهر الديمقراطي لدولة إسرائيل… سيكون من الانجازات الرئيسية لمن يريد ذلك… والتسليم بالضرر الاخلاقي نهايته اضعاف الديمقراطية وعدم تقويتها».
القضاة في هذه الدعاوى وغيرها أكدوا على أن القانون هو من «أوامر الساعة» المؤقتة والتي تحتاج إلى مصادقة سنوية من الكنيست. «لقد تم سن القانون كأمر ساعة يتحدث عن زمن الحرب. وهو لا يسعى إلى فرض سياسة ديمغرافية على المدى البعيد»، كتب في رد الدولة على المحكمة. الكنيست من ناحيته يصادق عليه بشكل روتيني منذ 15 سنة. وقضاة العليا أمروا الدولة مرة تلو الاخرى بفحص الاعتبارات الأمنية لاستمرار أمر الساعة. القاضي اليكيم روبنشتاين قال إنه يجب على الدولة أن تكون «مع اصبع على النبض»، «في حالات كثيرة تعتقد الاجهزة الأمنية أنه ليس هناك بديل للأداة الامنية. وبنظرة ثانية، بعد تفكير كثير، يتم ايجاد بديل مناسب»، قال. القاضي نيل هندل أمر الكنيست بأن تكون «متيقظة للواقع المتغير، لاعادة النظر فيما إذا كان الضرر ما زال مبررا».
بشكل اوتوماتيكي تقريبا
رغم أمر محكمة العدل العليا، صادقت الكنيست على مدى السنين على القانون بشكل اوتوماتيكي تقريبا دون نقاش المعطيات. قبل حوالي نصف سنة جرى نقاش أول بعد عقد من الزمن في لجنة مشتركة تتكون من لجنة الخارجية والامن التابعة للكنيست ولجنة الداخلية. واثناء النقاش أعرب ممثل الشباك عن تأييده لتمديد القانون: «موقف الشباك الدائم كان أن هناك فرصة لوجود تهديد من جزء من هؤلاء السكان»، قال. ولكنه لم يقدم معطيات مقنعة حول التهديد الذي يمثله سكان المناطق الذين وصلوا إلى إسرائيل في اطار لم الشمل. في البداية تحدث عن 104 مشبوهين باعمال إرهابية من بين «الحاصلين على لم الشمل في إسرائيل». هذا الرقم يشمل جميع المشبوهين منذ العام 2002 وحتى 2016. إلا أنه تبين اثناء النقاش أن اغلبية المشبوهين ليسوا من سكان المناطق الذين دخلوا إلى إسرائيل في اطار لم الشمل، بل أبناء عائلاتهم، وعلى الاغلب من أبنائهم. وعمليا فقط 17 من بين 104 اشخاص «مشاركون في الإرهاب». وحسب اقواله فقد حصلوا إلى المواطنة في إسرائيل بسبب زواجهم من إسرائيليين، استمرارا لفترة الـ 14 سنة. «هذا تقريبا0.1 في المئة، وعلى ذلك يعاقبون جميع السكان»، قال المحامي بنيامين احستريفه من مركز الدفاع عن الفرد. «القانون يتحدث عن الازواج الذين ليست لهم أي مشكلة. لكنه لا يتحدث عن الاولاد الذين ولدوا في إسرائيل بعد لم شمل عائلاتهم». المحامي عيدي لوستغمان التي تمثل الكثيرين ممن لا توجد لهم مكانة قالت: «المعطيات التي تم تقديمها لم تكن معطيات دقيقة». «ممثل الشباك قال إن الحديث يدور عن اشخاص لهم صلة بالإرهاب، ماذا يعني لهم صلة؟ من ناحيتي قد يكون هذا صديق لشخص قام بتنفيذ عملية إرهابية، وليس واضحا إذا تم تقديم لائحة اتهام ضدهم أو هل تمت ادانتهم، وهل يشمل هذا صلة القرابة مع شخص آخر قام برشق حجر. هذه المعطيات تسحب الارض من تحت القانون وتبين أن الكنيست غفت اثناء الحراسة. وهذا ليس فقط ضرر يصيب حياة العائلة والاولاد، بل هو يسم فئة كاملة من السكان. بناء على ماذا؟ بناء على 17 شخصا على مدى 15 سنة، قد تكون لهم صلة لا نعرف عنها بالإرهاب؟».
القانون يسري على الازواج والاولاد فوق عمر 14 سنة، الذين ولدوا لزوجين مختلطين (اذا لم يتم تقديم طلب لم الشمل قبل أن يبلغوا 14 سنة لأي سبب). ولكن تم الطلب من ممثل الشباك أن يفسر لماذا من ضمن قائمة المشبوهين هناك أولاد ولدوا في إسرائيل لا يسري عليهم القانون. «القانون مرتبط بهم كونهم أبناء لمن حصلوا على لم الشمل. لهذا فإن صلتهم مع الضفة الغربية وقطاع غزة تشكل مصدر جذب للتنظيمات الإرهابية». وقد قال عضو الكنيست احمد الطيبي في النقاش إن بناته هن ضمن هذا الاطار لأن زوجته في الاصل هي من طولكرم.
في نهاية الجلسة في حزيران، اقترح رئيس لجنة الخارجية والامن التابعة للكنيست، آفي ديختر، اجراء نقاش آخر بعد نصف سنة. وقد أجري هذا النقاش في هذا الاسبوع. الشباك والشرطة لم يأتيا مع معطيات جديدة. «يتبين من النقاش السابق أنه ليس هناك مشكلة أمنية في هذه المعطيات. والسؤال هو لماذا لا يتم تقليص الضرر إذا كان الامر ممكنا»، سأل المحامي أحتسريفا، المستشار القانوني للشباك. وأجاب المستشار بأن الفحص يتم حسب مجموعات العمر، «لم يتبلور بعد موقفنا، وسنقوم ببلورته وابلاغكم».
قبل سن القانون لم تكن تقريبا عائلة في شرقي القدس بدون زواج مختلط مع المناطق. وسبب ذلك هو أن سكان شرقي القدس يعتبرون انفسهم جزءا من الفلسطينيين في المناطق. ومنذ أمر الساعة هناك تراجع كبير في نسبة الزواج من اشخاص من المناطق، لأن زواج كهذا يعني الحياة في ظل الحياة البيروقراطية. وبدل ذلك ازدادت حالات الزواج داخل العائلات المقدسية وبينها وبين العائلات من عرب إسرائيل.
«هذه الضائقة الآن هي الضائقة الأكبر بالنسبة لمكانة سكان شرقي القدس»، قال د. امنون رامون من معهد القدس لبحوث إسرائيل، الذي يبحث في مكانة سكان شرقي القدس. وحسب اقواله فإن الازواج المختلطة التي تزوجت رغم ذلك، يجدون الكثير من الترتيبات. وأحد هذه الترتيبات هو الانتقال إلى منطقة من المنطقتين بين جدار الفصل وحدود البلدية ـ مخيم اللاجئين شعفاط وكفر عقب. في هذه المناطق يعيش حوالي 100 ألف شخص ممن بقوا في المنطقة المتروكة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. ومبدئيا هم يوجدون داخل القدس، ولكن نظرا لأن السلطات، ومنها الشرطة، لا تدخل بشكل كبير إلى هناك، فإن الازواج المختلطة يشعرون هناك بالأمن نسبيا.
«أنا انسان ولست هوية»
تيسير الاسمر (36 سنة) من مواليد القدس، والده ولد في نفس البيت الذي ولد فيه في البلدة القديمة، عاش وتعلم في المدينة طوال حياته. ولكن رغم ذلك لم يحصل على مكانة قانونية في إسرائيل. والسبب هو أنه في العام 1967، بعد حرب الايام الستة، انتشرت في القدس اشاعة تقول إن الجيش الإسرائيلي سيسيطر على الاماكن الفارغة في المناطق. وقد كان لجده بيت قيد البناء في منطقة العيزرية، فقام بنقل أبنائه الثلاثة الصغار إلى هناك ومن ضمنهم والدة تيسير. وعندما تم الاحصاء الاول تم تسجيلهم في العيزرية لا في القدس. ورغم أنهم عادوا بعد فترة قصيرة وعاشوا طوال حياتهم في القدس، تم اعتبارهم سكان المناطق بسبب أمر الساعة. وحقيقة أن جميع الأخوة تزوجوا من مقدسيات لم تجد. ومنذ اقامة جدار الفصل تحولوا إلى متواجدين غير قانونيين في منازلهم. بعض الأخوة تمكنوا من الحصول على تصاريح من الادارة المدنية، مثل العمال من الضفة الغربية. «أريد أخذ أولادي كي يشاهدوا البحر، لكني لا استطيع»، قال تيسير، «لكن الامر الاسوأ هو أنني لا استطيع رؤية إبني». ابنه الذي يعالج في مستشفى هرتسوغ. «من اجل الوصول إلى هناك في المواصلات العامة احتاج اربع ساعات. أنا أحب ابني واريد أن أراه، لكني لا استطيع».
محمد محاميد (80 سنة) هو مواطن إسرائيلي من قرية زلفة في الشمال. زوجته سهام محاميد (53 سنة) من المناطق، وابنهاهما مواطنان إسرائيليان. لقد تزوجا في العام 1995 وطوال الـ 27 سنة بقيت سهام بمكانة مؤقتة، وهي بحاجة إلى تجديد الاقامة كل سنة باجراءات معقدة.
يديعوت 27/2/2017