بعد زيارة الجبير للعراق ما هو المطلوب من العبادي فعله؟

حجم الخط
3

يبدو إننا أمام عهد جديد في العلاقات العراقية – السعودية، علاقات ظلت ولفترة طويلة تتسم بحالة من الشك والاتهامات المتبادلة، على الرغم من دراية الجانبين بأهمية ومكانة كل منهما، فالعراق يمثل خط الدفاع الأول للسعودية ودول الخليج، وهذا ما تيقنت منه خلال الحرب الإيرانية العراقية، كما أن السعودية تمثل عمقاً استراتيجياً للعراق، وبالتالي فإن هذه الحقيقة الجغرافية ظلت ولفترات طويلة كشعرة معاوية في العلاقات بين الجانبين.
الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السعودي عادل الجبير للعراق تعد الأولى منذ ربع قرن لمسؤول سعودي رفيع المستوى، أضف إلى ذلك أنها الأولى منذ عام 2003، فحتى خلال القمة العربية التي عقدت في بغداد عام 2011 لم يكن فيها التمثيل السعودي بهذا المستوى، وبالتالي فإن هذه الالتفاتة السعودية المفاجئة والمتأخرة تشير إلى أن هناك تحولا كبيرا في الشرق الأوسط، يجري الإعداد له أمريكيا وبتنفيذ حلفائها التقليديين، بل إن الاستثمار الخليجي في السياسات الأمريكية لطالما أثبت نجاحه في هذه الشأن، ولنا في تجربة عام 1991 وعام 2003 خير دليل على ذلك. ففي مرحلة ما بعد 2003 ونظراً لأن أغلب الدول العربية وعلى رأسها السعودية أدارت ظهرها للعراق لأسباب عدة منها:
الصعود السياسي (للشيعة) داخل العراق.
تأثير النفوذ السياسي الإيراني المتزايد داخل العراق على توازن القوى الإقليمية في الخليج، وعلى مستقبل النظام الأمني فيه.
فإن العراق ونتيجة لغياب الدور العربي الفاعل ذهب بعيد عن محيطه العربي، وشكل إحدى ساحات التمدد الرئيسة لإيران في الشرق الأوسط. وبالتالي فإن هناك مجموعة من الأسئلة التي تطرح في هذا المجال وهي:
*هل أن التحرك السعودي الأخير حيال العراق يمثل خطوة متأخرة لإعادة العراق إلى حضنه العربي.
*وما هي فرص نجاح هذا المسعى المتاخر خصوصاً بعد تمكن إيران من كل مفاصل الدولة العراقية السياسية والأمنية، بل حتى الاقتصادية.
بالتأكيد إن الإجابة على هذه الأسئلة تحتاج إلى إعادة طرح شاملة للأحداث التي جرت في العراق، منذ حتى ما قبل الاحتلال الأمريكي للعراق، وإن طرح الخيارات التي يمكن أن تكون في أطرها هذه الأجوبة، سيمثل تحدياً حقيقياً فيما إذا كانت القيادة العراقية جادة في إنجاح هذا المسعى، الذي على ما يبدو أنه يأتي في إطار مصلحة خليجية عربية أمريكية متكاملة الجوانب والأبعاد، فرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يدرك جيداً أن هناك رغبة خليجية أمريكية في إبعاد العراق عن دائرة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، بل إن هذا الإدراك يمثل قناعة راسخة لدى صناع القرار في البيت الأبيض من أنه لا بد من احتواء إيران، بل عزلها تماماً عن المنطقة، وفي سبيل ذلك يمكن القول إن الولايات المتحدة الأمريكية جيشت كل إمكانياتها في تحشيد أكبر قدر ممكن من الفواعل الداخلية الإيرانية وحتى الخارجية لإنجاح هذا المسعى، فالنتائج التي خرج بها مؤتمر للأمن في 18 فبراير 2017، وتصريح نائب الرئيس الأمريكي ميكي بينس من أن إيران أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم، وكذلك تصريح وزير الخارجية التركي مولود جافيش أوغلو ومن بعده السعودي عادل الجبير، من أن السياسات الطائفية الإيرانية خلقت حالة من اللااستقرار في الشرق الأوسط، تشير إلى أن هناك تكاملا في الأدوار الإستراتيجية المقبلة بين السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، خصوصاً في ما يتعلق بالدور الإيراني في العراق وسوريا واليمن تحديداً.
ويمكن القول بأن هذه الزيارة أزعجت أيضاً العديد من القوى السياسية داخل العراق، وتحديداً المحسوبة على إيران، والتي يأتي على رأسها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، فهي مثلت في أحد جوانبها دعماً خليجياً لرئيس الوزراء حيدر العبادي، ويبدو أنه سيستمر خلال المرحلة المقبلة، فعلى الرغم من أنهما ينتميان للحزب نفسه (حزب الدعوة)، إلا أن بوادر الصراع السياسي بينهما استعرت بعد تسلم العبادي لرئاسة الوزراء، وتحقيقه لنجاحات عديدة، أهمها استعادة المدن والمناطق التي كان قد سلمها المالكي لتنظيم «داعش»، وهذا ما أكده التقرير الذي أصدرته اللجنة التحقيقية في سقوط مدينة الموصل من قبل مجلس النواب العراقي، أضف لذلك أيضاً أن الخلافات والصراعات بينهما تصاعدت، وتحديداً بعد المؤتمر التأسيسي الأخير لحزب الدعوة الذي عقد في العاصمة العراقية بغداد، وإعلان العبادي في هذا المؤتمر عن رغبته بقيادة قوائم حزب الدعوة الانتخابية في الانتخابات المقبلة، وهو ما رفضه المالكي جملةً وتفصيلاً، إذ أشارت الكثير من التقارير عن تفاقم الخلاف بين المالكي والعبادي، وسعي الأخير للانشقاق عن ائتلاف المالكي، كما يمكن القول إن الصف السياسي الشيعي في العراق اليوم، أصبح منقسما بين تيارين سياسيين هما (شيعة إيران بقيادة المالكي وشيعة أمريكا بقيادة العبادي)، وبالتالي فإن هذا يعكس من جانب آخر طبيعة الصراع السياسي في العراق بأبعاده الداخلية والإقليمية والدولية، ليشير إلى أن الصراع في العراق يمثل في أحد جوانبه الأخرى صراعاً إيرانياً – أمريكياً.
وفي المقابل يبدو أن إيران هي الأخرى لديها خياراتها السياسية، التي يمكن أن تتحرك بموجبها، فالزيارة التي قام بها الرئيس الإيراني حسن روحاني مؤخراً لكل من الكويت وعُمان، تعكس بدورها رؤية إيرانية قائمة على فرضية الهروب للأمام، من خلال درء كل المخاطر المحتملة من الإستراتيجية العسكرية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط، التي من المتوقع أن تعيد هيكلة كل الترتيبات التي كانت إدارة أوباما قد شكلتها، وجاءت بمجملها بما تشتهي السياسة الإيرانية في المنطقة. إن الحديث عن مدى نجاح السعودية في العراق، يرتبط بعدة أبعاد أساسية هي:
*داخلية: تتوقف إلى حد كبير على ما سيعقب هذه الزيارة من إجراءات إيجابية عراقية تتمثل بإعادة تبادل السفراء وفتح المعابر والحدود، وغيرها من الإجراءات التي تتمثل بإعادة استئناف الدبلوماسية العربية في العراق.
*إقليمية: ترتبط بحجم الضغوط التي ستفرضها الإدارة الأمريكية على إيران، إلى جانب هامش المناورة الإستراتيجية التي ستمنحها الإدارة الأمريكية للسعودية بالتحرك ضمن أطر أوسع في العراق وسوريا واليمن، إلى جانب تحريك الأوضاع في الأقاليم المضطربة أمنياً في إيران كـ(إقليم الأحواز الذي يمثل خاصرة رخوة نجحت السعودية في كثير من الأحيان بالتحرك فيها، فالاضطرابات الأخيرة التي شهدها الإقليم وتحديداً بتاريخ 18/2/2017، حيث ندد الأحوازيون من خلال تظاهر العشرات من أبناء الجالية الأحوازية أمام السفارة الإيرانية في مدينة لاهاي الهولندية، بالجرائم التي ترتكبها السلطات الإيرانية، التي طالت مؤخراً مدينة الفلاحية وباقي المدن الأحوازية، إضافة إلى تجفيف الأنهار وتلويث البيئة المفتعل، والأوضاع المعيشية الصعبة التي يشهدها أبناء الأحواز، كما طالبوا المنظمات الدولية ودول العالم باتخاذ موقف دولي حازم من الممارسات الإيرانية التي تتوسع وتستبيح القتل والتخريب، وتستهدف وجود الإنسانية، إلى جانب هذا تظاهر المئات من الإحوازيين والمتعاطفين معهم أمام مقر هيئة الأمم المتحدة في العاصمة النمساوية (فيينا) نصرةً لقضايا الأحوازيين وتأييداً لمطالبهم، وتنديداً بما سماه المحتجون «جرائم الاحتلال الفارسي»، وكرد فعل على هذا الحراك الأحوازي المتصاعد، استدعت السلطات الإيرانية في محافظة خوزستان قوات من الحرس الثوري والجيش للسيطرة على الوضع المتأزم والمظاهرات في المدن والقرى الأحوازية.
*دولية: يتمثل بالإستراتيجية العسكرية الأمريكية الجديدة التي تعتزم إدارة دونالد ترامب طرحها والمتمثلة بمحاربة «داعش» والتنظيمات الإرهابية في العراق وسوريا، إذ ذكر رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال جوزيف دانفورد، في كلمة ألقاها في معهد بروكينغز في واشنطن 2017/02/24، إن «بلاده تفكر بخطة تواجد عسكري طويل الأمد في العراق للمساعدة في دعم الاستقرار بعد الهزيمة المنتظرة لتنظيم داعش»، وفي لقاء آخر نظمه أحد معاهد الأبحاث في واشنطن، أن «الأمر لا يتعلق بسوريا والعراق؛ إنه يتعلق بالخطر الذي يتخطى حدود المنطقة»، مشيراً إلى جماعات متشددة أخرى مثل «القاعدة»، وإن خطة تقودها وزارة الدفاع الأمريكية لهزيمة «داعش»، والمقرر أن تظهر في شكل مسودة بحلول الاثنين 27/2/2017 ستتجاوز حدود العراق وسوريا، لتشمل الخطر الذي يمثله المتشددون حول العالم في إذكاء الصراعات، وأضاف «لذا فعندما نذهب إلى الرئيس بخيارات فسوف تكون في سياق الخطر في أنحاء العالم»، وتابع «كي تنجح خطتنا فإننا نحتاج أولاً قطع النسيج الضام بين الجماعات الإقليمية التي تشكل الآن خطراً عالمياً»، في إشارة صريحة لأدوات إيران في العراق وسوريا واليمن والبحرين.
بالتأكيد إن كل ما يتم الحديث عنه في الوقت الحاضر عن التقارب المحتمل بين العراق والسعودية، يأتي في إطار التكهنات السياسية والافتراضات المستقبلية، فإذا ما توافرت الرغبة السياسية الحقيقية لقيادة البلدين في الاتجاه نحو توطيد هذه العلاقات بالشكل الذي يخدم مصالحهم أولاً، والاستراتيجية العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط ثانياً، فإنها في المقابل ستواجه تحديات كبيرة على مستوى الساحة الداخلية العراقية، وتحديداً من قبل الجهات المحسوبة على إيران، فتصريح العبادي بعد زيارة الجبير للعراق، من أن الذي لديه حسابات يريد تصفيتها عليه تأجيلها إلى مرحلة ما بعد «داعش»، تشير إلى حجم التحديات الكبيرة التي يواجهها ليس أقلها إسقاطه في الانتخابات المقبلة، إذا ما ذهب بعيداً عنهم.
باحث في مركز انقرة لدراسة الأزمات والسياسات

بعد زيارة الجبير للعراق ما هو المطلوب من العبادي فعله؟

د. فراس الياس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية