«رسائل» بوتفليقة!

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة يطلب من شعبه ـ مرة أخرى غير أخيرة ـ الصمود والصبر لتجاوز الأزمة المالية التي ضربت البلاد جراء تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية. هذا بدل أن يعتذر ويقول «أيها الجزائريون سامحوني لأنني أخفقت في أن أقدم لكم شيئا عندما ناهز سعر برميل النفط 140 دولاراً وفي الخزينة 180 مليار دولار».
جاء ذلك في «رسالة» (منذ ربيع 2011 الرئيس يخاطب شعبه فقط بالرسائل المقروءة في التلفزيون الحكومي) وُجهت إلى الجزائريين يوم 24 شباط (فبراير) المصادف ذكرى تأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين عام 1956 وتأميم النفط والغاز (1971).
لا جديد في الرسالة لأنها قول بلا فعل، وتكرار لرسائل مماثلة في الذكرى ذاتها خلال الأعوام الماضية، مع بعض التعديل يتطلبه الظرف. ثم وعود بالإصلاح تتكرر منذ 1999، بل منذ ما قبل ذلك.
ومن الإضافات التي أملاها الظرف في رسالة 2017، الحديث عن «المصاعب المالية ذات الأصل الخارجي»، مشفوعة بدعوة لـ»الصمود مثلما فعل الأسلاف لكي نخرج منتصرين».
كأن الجزائريين أحرار في الاختيار والقرار، فيصمدون أو لا يصمدون. كأنهم لم يصمدوا ولم يصبروا على ثمانية عشر عاما من حكم هذا الرجل. كأنهم لم يمّلوا الانتظار. كأنهم يمتلكون أدوات وأساليب التعبير عن الرفض والغضب بعدما جرف حكم هذا الرجل كل أدوات وأساليب الاحتجاج السلمي والحضاري.
الجزائر في نفق طويل بلا ضوء. أخطر ما أصابها ضياع الأمل وفقدان الإيمان بالمستقبل. وأخطر ما حلّ بها كذلك «فنُ الانتظار» الذي اخترعه الحكام ورهانهم الدائم على الزمن، قبل بوتفليقة، ومعه أسوأ.
منذ أذكر، كل القرارات الهامة والسيادية اتُخذت متأخرة. مَن لا يذكر كيف «تعنترت» السلطات على صندوق النقد الدولي من 1992 طيلة سنتين لتذهب إليه في 1994 صاغرة وتوقع على اتفاق إعادة هيكلة الديون الخارجية بشروط أقسى مما كان مطروحا عليها في الأشهر السابقة؟ ومَن يشك في أن شروط التفاوض مع منظمة التجارة العالمية كانت قبل سنوات وشهور أيسر وأفضل، وأنها تتعقد أكثر مع مرور الوقت؟
اليوم، لا تملك حكومة الجزائر خطة مقنعة وجدّية لمواجهة الطوارئ حتى لو تراجع سعر برميل النفط إلى 3 دولارات. لكنها، في المقابل، تحسن فن الانتظار والتطلع إلى سوق النفط العالمية التي لا تمتلك أدنى تأثير فيها: تلكم هي خطتها الوحيدة، التطلع إلى سوق تتأثر بكحَّة ملك مريض هنا أو كلمة متهورة من رئيس دولة هناك.
وسط هذه التقلبات، «الرسائل» الموسمية لا يمكنها أن تجلب حلا أو أملا، حتى لو كان مرسلها نبيّا. البلاد بحاجة إلى حكمة أكبر وقرارات أفضل وأكثر شجاعة من هذه «الرسائل» التي تحوّلت إلى نكتة.
لا أدّعي خبرة في الاقتصاد أو المالية (ولا في غيرهما)، لكنني أعرف، ويعرف عامة الجزائريين، في الداخل والخارج، ويعرف حكامهم في أعلى رأس الحكم، أن اقتصاد بلادهم معطل إلا من الطفيليات واللصوصية، ولا نبض فيه إلا نبض أنابيب النفط.
بلغة البسطاء وفهْمهِم، هذا هو الواقع الذي لا يسرُّ عدوا ولا حبيبا: إذا كنت في الخارج، والحال أن كل عائلة جزائرية بات لها ابن أو قريب أو فرع في الخارج، لن تستطيع إرسال مئة دولار لوالدتك تشتري بها دواء طارئا، لأن المنظومة المصرفية بالية وغير مؤهلة. عليك أن تبحث عن طرق ملتوية حتى وإن كنت لا تؤمن بها، كأن تعثر عمَّن تمنحه الـ100 دولار في الخارج فيمنحك قريبه مقابلها في الجزائر. أو ترسلها نقداً إذا كنت محظوظا ووجدت من يقبل نقلها كذلك وفي الوقت المطلوب.
نعم، في 2017، وبينما يحوّل الصوماليون والأفغان والكينيون أموالهم ومدخراتهم من كل أرجاء العالم بمعاملات مصرفية تستغرق دقائق معدودة، وبهواتف ذكية وهم بين محطتين في باصات النقل العام، يعيش الجزائريون في دنيا أخرى تجارب مختلفة، بل مروعة.
الجزائريون الذين في الخارج يدخلون إلى مطارات بلادهم بجيوب مكتنزة بأوراق العملات الأجنبية. ثم يصرفونها في السوق الموازية لأن صلتهم بالبنوك، كرمز من رموز الدولة، منقطعة وثقتهم فيها منعدمة. يصلون والأغلبية الساحقة منهم مرتبك لا يدري هل عليه أن يصرّح بما لديه من سيولة في المطار وكيف، ويدعو الرب ألا يوقفه جمركي يسائله ويعقّد حياته.
أما الذين في الداخل فلا يختلفون كثيرا: يثقون في كل شيء إلا المؤسسات المالية الحكومية. يضعون أموالهم أينما كان إلا في البنوك. لا يجدون صرّافات آلية في شوارع المدن، وإن وُجدت فمعطلة أو بعيدٌ موقعها. يبيعون ويشترون كل شيء نقداً، من قلم الرصاص إلى السيارة الفخمة والعقار الخيالي الثمن. ينقلون أموالا طائلة بين المدن والولايات في أكياس النايلون. يشترون العملات الأجنبية في السوق الموازية بأسعار لا علاقة لها بالأسعار الرسمية وتحددها السوق الموازية رغما عن أنف الدولة وقوانينها وأجهزتها الأمنية.
هذا هو حال الجزائر في ذكرى تأميم المحروقات وقبلها وبعدها. هذا الواقع تتجاهله دائماً «رسائل» الرئيس التي سيكون على الشعب تحمّلها والصبر عليها.

٭ كاتب صحافي جزائري

«رسائل» بوتفليقة!

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية