ليست جريدة ‘القدس العربي’ في الاسلوب الذي اتبعته منذ تأسيسها بامكانيات محدودة ملكا لاحد. كنا نشعر جميعا من الذين كتبوا فيها وادمنوا على قراءتها انها جريدتنا جميعا، تعبر عن آرائنا ومواقفنا، في زمن اصبحت فيه الصحافة العربية بعد الفتنة الكبرى، وهي احتلال العراق، ملكا لتيار واحد في الامة، تعبر عن رأي مالكيها ومموليها من اصحاب الملايين. كان انشاؤها والسير بها في الطريق الذي سارت به، من حرية الرأي وديمقراطية الموقف، واستيعاب جميع الاقلام (المشاغبة) شبه معجزة. ويعود الفضل في ذلك لكل العاملين فيها، وعلى رأسهم الزميل الصديق عبد الباري عطوان، الذي لم يكن مجرد صحافي بارع، بل كان مقاتلا من اجل قضايا هذه الامة من محيطها الى خليجها، وعلى رأس هذه القضايا تأتي القضية الفلسطينية بكل تعقيداتها وانكساراتها وانتصاراتها، ونحن الذين فتحنا اعيننا على ان هذه القضية هي قضيتنا الاولى، وحرصنا اينما كتبنا على ان تكون بوصلتنا التي نهتدي بها، وجدنا في ‘القدس العربي’ تلك البوصلة، وهكذا اجتمعت الاقلام التي رفضت ان تساوم على هذه القضية في جريدة ‘القدس العربي’، سواء اكانت من المعارضة او الموافقة على الخطوات التي كانت القيادة الفلسطينية تتخذها، ولم تقتصر حرية التعبير فيها وحرية النقد والدفاع على القضية الفلسطينية وحدها، بل مع الزمن اصبحت ‘القدس العربي’ جريدة كل الخوارج على الانظمة العربية، واصبحت جريدة القارئ العربي الذي لولا وجودها لما وجد خلال اكثر من عشرين عاما منبرا آخر يعبر فيه عن ارادته وارائه وتطلعاته الى الخلاص من ربقة الدكتاتورية والظلم والتخلف.
لا ادري اذا كانت كلمة ‘ليبرالية’ تنطبق عليها، جريدة ليبرالية ام حرة.. لا كانت جريدة حرة بامتياز، سواء في السياسة ام في الادب. ان المؤرخ للصحافة العربية سوف يذكر تلك الجريدة ذات الصفحات القليلة. والعدد المحدود من العاملين بكل فخر واعتراف بالجميل.
اليوم ترجل الزميل عبد الباري عن رئاسة تحريرها تاركا المجال لجيل جديد من الصحافيين لقيادتها. على رأس هؤلاء امرأة هي الزميلة سناء العالول. وسناء ليست جديدة على عالم الصحافة او في ‘القدس العربي’. كانت في واقع الامر احد العقول التي صنعت ‘القدس العربي’ بشكلها وباسلوبها وبمحتواها. وكنت انا الصحافية المخضرمة التي طافت العالم العربي من اقصاه الى اقصاه وانشأت مجلتين في المهجر، كلما التقيت الزميل عبد الباري في مؤتمر او مناسبة تجمعنا، اسأله من سيعد الصفحة الاولى، ويشرف على سياسة وتوازن الجريدة يستغرب سؤالي قائلا هناك سناء. وسناء فعلا كانت قائدة السفينة في غيابه حتى لا يكاد يشعر القارئ او الكاتب بهذا الغياب.
عرفت سناء منذ زمن بعيد صحافية جادة ملتزمة، حريصة باستمرار في اي مناسبة تشارك فيها على العمل بمهنية عالية وكثير من الجهد. دقيقة في استقاء المعلومات، متأنية في طرح الآراء والمواقف، خجولة بحياء وكبرياء تلزم من خلاله محدثها أن يعطي افضل ما عنده من معلومات، شديدة الولع بالتفاصيل الدقيقة، لا تفرض موقفها على من عليها ان تلتقي به من: مصادر المعلومات او من تجري معه مقابلات، بل تتمتع رغم حيائها الجميل بروح ديمقراطية عالية. هذه الفتاة التي جاءت من الجرح الفلسطيني، منذ كانت صبية يافعة الى الكلمة ومهنة المتاعب كانت خلال ممارسة مهنتها كميزان من الذهب.
ان تكتب صحافية مثلي مارست هذه المهنة الى جانب الأدب هذه الكلمات عن زميلة اخرى ليس امرا عاديا، ففي العادة ان المنافسة بين الصحافيات تطغي احيانا على الاحساس بالزمالة والمهنية، ولكن خلال معرفتي الطويلة بسناء صحافية احسست باستمرار ان سناء تعمل لا لكي تنافس احد، بل لكي تعبر عن قناعاتها والتزامها.
وجودها اليوم على رأس جريدة يومية بحجم ‘القدس العربي’، ليس امرا عاديا. فلأول مرة تتصدى امرأة لرئاسة تحرير جريدة يومية ليست كبقية الجرائد الاخرى. فهي جريدة اشكالية، مشاغبة، لا تجامل احدا، ولا تنحاز إلا لقرائها وقضاياهم، انه امتحان صعب، وموازنة دقيقة تلقى على عاتق امرأة. ولكنني واثقة من خلال تاريخ هذه الصحافية ومعرفتي بها بأن ‘القدس العربي’ التي هي اليوم قائدة سفينتها الاولى سوف تظل كما كانت، بل ربما ستفتح اكثر اعمدتها للنساء الكاتبات المهمشات، في زمن وجود صحافة طغى عليها اللون الواحد، ان يعبرن عن انفسهن وتجاربهن وهن مطمئنات الى أن كلماتهن سوف تصل الى العالم. بتسلم سناء العالول، ابنة قضية المرأة ونضالها المسؤولية الاولى في صحيفة لها مكانتها المهمة في عالم الصحافة سيضيف لهذه الصحيفة بعدا جديدا. لقد قرأت لبعض الكتاب في الصحيفة كتابات يشتم منها بعض التخوف من التغيير الذي حصل. لكن من عرف الزميلة سناء يدرك ان ‘القدس العربي’ ستبقى كما كانت ملجأ وملاذا لكل الاقلام والآراء والهموم التي يشعر بها الانسان العربي. يعبر فيها ومن خلالها بحرية وديمقراطية.
تحيتي للزميلة سناء ابنة الجرح الفلسطيني، الذي كان باستمرار منارتنا وسوف تبقى مع لمسة حنونة، رقيقة لمناضلة من اجل قضايا الأمة وعلى رأسها قضية المرأة.
سناء العالول على رأس صحيفة ‘القدس العربي’ حدث مهم في عالم الصحافة.
صحافية واديبة سورية