ليس خليل النعيمي معروفاً بالقدر الذي ينبغي، في وطنه الأصلي سوريا رواياته غير متوفرة في المكتبات الدمشقية، على الرغم من أنّ دمشق هي مكان سردها الأساسي. ولم أقرأ مقالات عنها في الصحف السورية، على الرغم من أنّ تاريخ سوريا القريب وتحولاته هو مرتكز رؤيتها جميعاً.
وهذا شيء طبيعي طالما أنّ الرقيب السوري قبل نصف قرن تقريباً منع طبع روايته الأولى «الرجل الذي يأكل نفسه» المكتوبة عام 1971 في دمشق، ومنع تداولها حين صدورها في بيروت عن دار العودة عام 1972. لكنّ هذا المنع لم يفقد هذه الرواية رونقها الإبداعيّ وراهنيّتها، وحاجة القارئ اليوم إليها، بل تبدو الحاجة النقدية ملحّة للتركيزعلى ريادتها المابعد حداثية في السرد. ليس في بنيتها المتعدّدة الدلالات والمتشابكة بين التأملات والمحاكمات الذهنية ووصف الواقع ومقترحات الخيال الممكنة واللاممكنة وحسب، وإنما في الطابع البلاغي لأحداثها ودلالاته الحفرية معرفياً – باستذكار ميشال فوكو، بالاتكاء على عمله في جدوى مقولات الرواية ومقاصدها أساساً.
ــ ٢ ــ
فوراً، تقترح الرواية جديدها من خلال رصد عرضي لحياة طالب جامعي جاء من مدينة الحسكة شمال شرق سوريا، إلى العاصمة دمشق، لدراسة الفلسفة ـ يتضح قصدي بهذا الجديد من خلال معرفة مسيرة الرواية السورية الفاعل والمنتشر واهتمامها، عموماً، بأبطال بسطاء عمال وفلاحين وصيادين… من قَبْل ــ لولا أنّ هذا الجديد لا ينفي أو يلغي ما هو مشترك بين بطل رواية «الرجل الذي يأكل نفسه» وأبطال تلك المسيرة. فبطل رواية خليل النعيمي هذه ينتمي لطبقة الفقراء البسطاء أيضاً. وهو شخصية متمردة كذلك. وربما ما يميّز تمرّدها هو الطابع النقدي أو بالأحرى هو النقد المعرفي للواقع الذي تعيشه، بما في ذلك نقدها للأفكار والرؤى التي تصوغ هذا الواقع، بداية من نقد الوعي الجمعي في القرى والبوادي، وليس انتهاءً بنقد الفلسفة. لكن، ميزة هذا التمرّد الأساسية أنّه لا يرتكز إلى وعي ذي بُعْد واحد يؤطره ويدفعه باتجاه وحيد، أو سياق إيديولوجي محدد. وما الاتكاء على مقولات الأدباء والفلاسفة أمثال دي ساد وألبير كامو وفريدريك نيتشه، سوى مقترحات تظل تشغل وعي السارد، ليبقى اختبارها أو تجريبها في هدم الواقع وتغييره، المعيار لمشروعية ما تنتجه من معرفة أو حراك، وفقاً لرغبة السارد وعلى طريقته.
يأخذ الروائي ـ السارد من الفرنسيَين دي ساد، وكامو مشروعية هدم القديم، ولو بالعنف، تمهيداً لبناء الجديد. ومن الألماني نيتشه مشروعية الإنسان المتفوق والبطل الذي يحمل على عاتقه مهمة تغييرعالمه وتحريره من عواقب الهزيمة والجهل والتخلف. وتأتي أهمية لفت الانتباه إلى هذا الأخذ المعرفي كون السارد هو من يصّرح به، للإحالة إلى مجهود الروائي السردي، المتمثل في بناء الرواية وحكيها بعد أن منح قارئها بعض مفاتيحها الرؤيوية، أو لأقل الفكرية لمن يتشاكل عليه التمييز بين الرؤيا والرؤية.
ــ٣ ــ
يحيل معنى الرؤيا معجمياً إلى الحلم، واصطلاحياً إلى شيء باهت وبالٍ في الحداثة العربية، ولاسيما الشعرية منها، الأساطير مثلاً، أو الوعي الكلّي الشيوعي ـ ولا أقول الماركسي لكيلا يعمّم الرأي على نتاج كارل ماركس الفلسفي – مثلاً، حيث الإنسانية منتصرة سلفاً، إما بانبعاث قدري كما هو الحال في الأساطير، وإما بالحتمية التاريخية كما هو الحال في الوعي الشيوعي. وما حكاية الاثنين، مهما كان جنسها قصيدة أو رواية، سوى تأكيد لهذا الانتصار أو التبشير به، بلا «رؤية» لأسباب الهزيمة، ولكيفية تجاوزها. ومعنى الرؤية ـ كما هو معلوم – من الرأي وما يدلّ عليه من معرفة وحاكمة نقدية.
بعد استذكار ذلك، لا أجد مخاطرة نقدية في القول إنّ الروائي خليل النعيمي يبني روايته على الرؤيا، وقد نفى عنها مصطلحها الحداثي الآنف شرحه، لتأخذ مفهوماً جديداً هو أقرب إلى السيريالية، حيث يختلط في عمله الحلم واليقظة، الواقع والخيال، السيرة الذاتية وما يمكن أن تتبناه من سِيَر أخرى، عايشها أو سمع بها أو هي تصلح لتدخل في نسيج سيرته. ومعرفة ذلك ضروري لكسر التماهي مع السارد من جهة، ولتمايز عمله كجنس روائي موضوعي، وليس مجرّد كتابة مذكرات شخصية من جهة أخرى. ويستوجب شرح ذلك من قبلي: أولاً لفهم بناء رواية «الرجل الذي يأكل نفسه» ومقولاتها الجمالية والمعرفية. ثانياً لفهم ريادة هذه الرواية المابعد حداثية بانفتاح «الرؤيا» فيها على الأجناس الأدبية الرائدة وطرقها وأساليبها. لكن هذا الشرح لـ«الرؤيا» في رواية خليل النعيمي قد لا يمنحها ميزة مضافة سوى كونها شكلاً مستعاراً ومتلاعباً به، بحيث يبدو الحلم واقعاً، والواقع مستغرباً، أو أقرب إلى الجنون المرضي، لولا أنّ القول بأنّ هذه الرؤيا ما هي سوى استعارة من استعارات الرؤية البلاغية، وهو ما سوف يحرّرها من ثباتها الدلالي الحداثي، ويطلقها في احتمالات التأويل المابعد حداثي، ويمنحها مشروعية فنية في السرد الروائي لا يسوغها الواقع، عادة.
هكذا يتخلى السارد عن كلّ شيء ساهم في فشله، وبدّد طاقته، لكنه ما أن يعود إلى البيت، ويرى والده جاثماً كما كان، حتى تتفاقم حالته، ويزداد السوء في نفسه، لاسيما وأنّ والده لم يتغيّر، وبقي على بهورته وادعاءاته الكاذبة بعزة النفس، رغم العطالة المزمنة عنده. وربما لأنّ السارد لم يعد راضياً عن شيء، ومستاء من الوضع الذي هو فيه، قام بإحراق البيت الذي كان يأويهما. واجتمع الناس مذعورين. والسارد يبدو سعيداً. هكذا سيتخلص من كل شيء: من البيت، ومن ماضيه الذي لم يبقَ منه إلا أبوه الذي شارك بحمية في إطفاء الحريق الذي سيلتهمه، بعد قليل، حينما «جعل» قدمه تزلّ وهو يناوله سطل الماء. وغادر السارد بيته غير آسفٍ، وغير مستجيب لمن يصيح عليه: « أطفئ النار، بيتك يحترق، أبوك فيه».
عبثية التفكير وما يصدر عنه من أفعال غير فعّالة في الواقع، هو ما يجعل الذات تأكل نفسها، من خلال تبديد طاقتها في ما لا يمكن تصنيعه أو إنتاجه، كأن يحاول السارد صياغة الوعي الرافض للهزيمة أو المتمرد على الاستسلام لها، على أسبابها، وعلى نتائجها، لكن الوعي الزائف لكيفية ذلك هو ما جعله يفعل ما يفعله. وربما معاينته لنتائج هذا الزيف بعد أن أفرغ طاقته المتمردّة على النحو الذي حصل في سيارات الموتى، ما جعله أكثر اتزاناً في محاكمة حياته الشخصية، وبدء التفكير جدياً بالحصول على عمل يمكن من خلاله توفير بعض المال لإعانة ما تبقى من عائلته.
لا أدري لماذا منع الرقيب السوري طبع هذه الرواية وتداولها، منذ أكثر من نصف قرن، ولم يضحك مثل ضحكي، من ردّة فعل الحلاق حين تبوَّل السارد عليه؟ ولم أورد هذه الملاحظة هنا، لأسباب تقنية، وإنما ذكرتها لأدلّل على الروح المرحة التي يتمتع بها خليل النعيمي، نتيجة أفقه الواسع الذي لا يحيطه سوى السيرياليون الكبار – طرافة سلفادور دالي أو بابلو بيكاسو مثلاً. لكن الفعل التمردي الذي قام به الراوي عَبْر «السرد العاري» لا يمكن رصده إلا من خلال الأحلام، وإذْ أوْدتْ به الرواية في سياقها المنطقي الواقعي، إلى أن يدخل مشفى الأمراض العقلية، نتيجة «سرد معطوب»، فقد يصبح واضحاً، ربما، أنّ الوعي السيريالي للعالم مرتكز على التمرد والخسارة.
ألهذا، يجد الراوي نفسه، بعد ذلك، يمشي بتصميم في شوارع المدينة/ دمشق على وقع خطوات جديدة؟ وأكثر من ذلك حين نظر في وجوه الناس لم ير ذلك الخزي واللؤم، ولا تلك الخسة والخضوع. سمات أخرى احتلت قسماتهم: عنف، شراسة، قسوة، وشعر بقشعريرة حادة تعتريه، كأنّ جلده صغر إلى نصفه، وراح يتابع سيره، وهو يصفّر لحناً حزيناً كان يصفّره في طفولته.
إنْ كان طرح مثل هذه الأفكارعلى واقع ما قبل حداثي، ومحاورتها، يجعل من الرواية ضرورة معرفية لنهوض العرب واستقرارهم، الآن وهنا، كما يردّد كثير من النقاد والكتاب، فإنّ بناءها الجمالي الذي كانت مقاربته من أهم مقاصد هذه القراءة، هو غير مسبوق وإبداعي على نقيض ما هو شائع في أدب ما بعد الحداثة من اقتباسات، غالباً ما تصل إلى حدّ السرقات.
٭ شاعر وناقد سوري
نديم الوزه