من الأوصاف التي أسبِغَتْ في إسرائيل على أوَّل لقاءٍ جمع نتنياهو بترامب قبل أيام قليلة ما جاء على لسان وزير العلاقات الإقليميَّة في حكومة نتنياهو «تْسَاحِي هَنِجْبي» حيث وصفها بقمَّة تحقيق الأحلام.
يحضرني في الذَّاكرة وفي السِّياق المتَّصِل بتصريحات هنجبي ذات التَّفخيم المَسْرَحَيّ هذه المرَّة، تلك الأقوال التي كان أرئيل شارون قد أطلقها أمام مركز الليكود في غضون السَّاعات الأولى بعد إعلان فوزه على إيهود بارك في انتخابات نهاية عام 2000، تلك الانتخابات التي جرت على خلفية فشل مؤتمر كامب ديفيد واندلاع أحداث الانتفاضة الثانية.
كنتُ أُتابع وأشاهد – وكما الكثيرين بطبيعة الحال – وسائل الإعلام الإسرائيليَّة الَّتي كانت تواكِب في بثّ حيّ ومباشر نقل وقائع إلقاء خطاب النَّصر من قبل أرئيل شارون في مركز حزب الليكود في تل أبيب. تأخَّرَ أرئيل شارون بعض الوقت عن موعده لدخول مقر مركز الحزب وذلك في البهو الخارجي للمقر، وكانت هناك موجة من الصَّخب والاحتجاج بين أعضاء مركز الحزب على تأخُّره، وقد وُوجِهَ بها شارون لدى دخـوله، وما أنْ دخل واعتلى منصَّة الخطاب حتَّى طـالب الجميـع بالهـدوء، وبـدأ بالقـولِ مَزْهُـوَّاً:
إنَّكم تحتَجُّون وتسألون عن سبب تأخُّري عن الإسراع في إلقاء الخطاب في وقته المحدد، وإليكم السَّبب؛ لقد كان على خطِّ هاتفي ولدى اعتزامي الدُّخول إليكم الرَّئيس الأمريكي صديقي جورج دبليو بوش، وقد طالبني بأنْ أنقل إليكم تهانيه الحارَّة، وقد قال لي:
«هل تذكر يا صديقي إريك عندما قَدِمتُ لزيارتك في إسرائيل وكنتُ أنا وقتها حاكم ولاية تكساس وكنتَ أنتَ مجرَّدَ عضو كنيست في المعارضة، وقد طِرْنا حينئذ معا بطائرة هيلوكوبتر في سماء القدس ويهودا والسَّامرة (الضِّفة الغربية)، وقد قُلْتُ لك ونحن في الطَّائرة: هل سيأتي اليوم يا صديقي « إريك « الذي تصبح فيه أنت رئيس وزراء إسرائيل وأنا أصبح فيه رئيس الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة؟ وها قد جاءَ هذا اليوم وتحقق الحُلُم!! «.
وقد رأينا ورأى الجميع فيما بعد وخلال سنوات تولِّي كلٍّ من الصَّديقين مواقعهم تجلِّيات ذلك الحلم الذي تحققَ فوق هضاب الضِّفة الغربية والقدس وفي طول المنطقة وعرضها ابتداءً من أفغانستان ومروراً بالعراق وليس انتهاءً بسوريا، في حلقةٍ متَّصلة متناغمة بين أحلامِ كلا الرَّجلين وما يُمثِّلانِ من رؤى.
وفي سياق الأمل بتحقق مسلسل الأحلام المشتركة بين سياسيي إسرائيل والولايات المتَّحدة – وإنْ كانت تجليَّات ونتائج تحقيق تلك الأحلام لا تبدو وتَتضَحُ على الدَّوام بشكل دراماتيكيّ فوريّ – ها هو الوزير الإسرائيلي عن الليكود تساحي هنجبي يصف القمَّة بين الرَّئيس الأمريكي دونالد ترامب وبين رئيس حكومته بقمَّة تحقيق الأحلام، أو أنَّها ستكون كذلك بالنَّتائج التي ستتمخَّض عنها فيما بعد، وذلك عشيَّة توجُّه الأخير إلى واشنطن في يوم الثُّلاثاء الماضي. وقد جاءَت تصريحات هنجبي تلك في سياق دفاعه عن رئيس حكومته في مواجهة الانتقادات التي وجهها له وزراء ينتمون إلى حزب البيت اليهودي – الذي له وزراء في الحكومة وعلى رأسهم الوزيرة إييلِتْ شاكيد الأكثر تطرُّفاً بين وزراء الحكومة بطبيعة الحال إلى جانب الوزير نفتالي بينِتْ– وقد جاءَتْ انتقادات وزراء البيت اليهودي على خلفيَّةِ أقوال أدلى بها نتنياهو لدى لقائه بأعضاء حزب الليكود قبل مغادرته البلاد حول ضرورة الإدراك بأن تُراعي إسرائيل في محادثاتها مع واشنطن ما تُمليه ضرورات الموقف الدبلوماسي المعلن للإدارة الأمريكيَّة بما في يخص التعامل مع طبيعة وجهات النَّظر الدَّولية المختلفة حيال سياسة حكومته الاستيطانيَّة في أراضي الضِّفة الغربية والقدس بشكل خاص، وحيال تحقيق مفهوم رؤية حل الدَّولتين الَّذي طالما تحدَّثت عنه الإدارات الأمريكيَّة السَّابقة. ولقد كان تساحي هنجبي، وعلى ما يبدو، يعني ما يقول عندما حاول عرض الأمر بكلِّ هذا التَّفخيم المسرحي لأوَّلِ لقاءٍ يجمع نتنياهو بترامب.
بعد القمَّة وما رشح عنها من أقوال وتصريحات في المؤتمر الصحافي المشترك بين نتنياهو و ترامب والَّتي تناولت بشكل أساسي رؤية جديدة مُبْتَكَرة مُفْعَمة بالمراوغة وعدم الوضوح والخواء لمفهوم حل الدَّولتين واستبداله واقعيَّاً بمناقشة مفهوم حلِّ الدَّولة الواحدة – اليهوديَّة الخالصة بطبيعة الحال كما فهمها ويفهمها أصلاً وزراء حكومة نتنياهو – انضَمَّ أولئك الوزراء بمن فيهم شاكيد ونفتالي بينِتْ إلى الإشادة بنتائج القمَّة، وإلى تفخيم ذلك اللقاء مسرَحِيَّاً، وبادروا في تصريحاتٍ مُفعمةٍ بالثِّقة إلى التَّبشير بنهاية ما وصفوه بعصر الأحلام والأوهام بدولتين لشعبين، مُتَوَقِّعين أنْ يتمَّ تشييع ملهاة مفهوم حل الدَّولتين بجنازة أمريكيَّة إسرائيليَّة مُشتركة – يُدْعى إليها الجمع الدَّولي والإقليمي والعربي قريباً – إلى مثواه الأخير ودفْنه تحت أساسات آلاف الوحدات الاستيطانيَّة الَّتي يعتزمون بناءَها في عهد ترامب وفي مُقَدِمِ نهاية عصر الأوهام بموقِف أمريكيّ حاسِم من الاستيطان لطالما توسَّله العرب والفلسطينيون واجترُّوا حياله مختَلف مفردات وعبارات الدُّبلوماسيَّة والأمل والرَّجاء والاستجداء والعَتَبْ على الصَّديق الأمريكي والتَّذكير الدَّائم بتعهُّدات كلينتون وبرؤى بوش وأوباما، وبمساعي أساطين وروَّاد الدُّبلوماسيَّة الأمريكيَّة اللَّامعين ورحلاتهم المكُّوكيَّة على طريق الشَّرق الأوسط ابتداءً بهنري كيسنجر ومروراً بجيمس بيكر وليس انتهاءً بهيلاري كلنتون وجون كيري، واستمرار التَّذاكي والتَّحايل على الذَّات وعلى الواقع بأحلام وأوهام لا تجد لها أيَّ صَدىً حقيقي على جدران مبنى الكابيتول في واشنطن لدى انعقاد قمم ترسيخ وتوثيق عُرى التَّحالف والتَّعاون الإسرائيلي الأمريكي، كما توصف في العادة إسرائيليَّاً وأمريكيَّاً بما فيها القمَّة الأخيرة بين نتنياهو وترامب، تلك القمم الَّتي يجري الإعداد لها بعناية مع كلِّ إطلالَة وبزوغ لنَجْم جديد على مسرحِ المكتب البيضاوي في مبنى الكابيتول في واشنطن بما يُشبِه البروتوكول الثَّابت المصاحب لبداية فترة تنصيب الرَّئيس الجديد في الولايات المتَّحدة منذ عهد دافيد بن غوريون والرَّئيس آيزنهاور نهاية الأربعينيَّات من القرن الماضي حيث بدأتْ قصَّة الأحـلام المشـتركة وليس انتهاء بترامب ونتنياهو فـي الرُّبـع الأول من القـرن الحـادي والعشـرين.
كاتب فلسطيني
رائد دحبور