قارئة الفنجان

حجم الخط
4

في قريتنا الصغيرة تعيش الحاجة أم معروف، وهي امرأة في أواخر الخمسينيات اكتسبت شهرة واسعة طبقت الآفاق بسبب قدرتها الاستثنائية على استشراف المستقبل ومعرفة ما يخبئه القدر للمرء من أفراح وأتراح.
وأم معروف هذه بارعة جدا وفقا للإشاعات التي تسري في القرية، لدرجة أنّ منزلها أصبح مقصدا لجميع النساء والفتيات ووصل صيتها الى المدينة فأصبحت تؤم دارتها الوفود النسائية من جميع الاتجاهات والمشارب ومن كل المناطق.
أحيانا كثيرة أمرّ قرب بيتها وأرى زحمة السيارات أمام المدخل، فأضحك بسريّ من بلاهة النسوة وصغر عقولهن، وكيف أنهنّ ينتظرنّ ساعات طويلة للحصول على موعد من الحاجة، كما لو أنها طبيبة مشهورة أو عالمة فقيهة، وهي تتغنج بالدلال عليهن وتعطيهن مواعيد مؤجلة لأسابيع وشهور.
أما منزل الحاجة الذي كان بسيطا فقد تغير رويدا رويدا مع مرور الزمن، وبدأ بالامتداد بالطول والعرض، وتمّ بناء عدة غرف جديدة وألصقت بالقديمة، وبعد فترة أضافت الحاجة طابقا جديداَ إلى الطابق الأرضي واشترت سيارة مرسيدس لعائلتها وزوجت ابنها البكر وأسكنته في الطابق العلوي الجديد.
كانت صديقتي المطلقة عزيزة تلحَ عليّ دائما لكي نزور الحاجة أم معروف، وأنا أرفض بشدّة وأقول لها إنها امرأه منافقة دجّالة فلا يعلم الغيب إلا الله، ويجب ألا نصدق هذه الخزعبلات التي ليس لها أي أساس علمي، إلى أنْ جاء يوم كنّا نقوم بزيارة لإحدى الصديقات التي تسكن قرب منزل الحاجة وقالت لي عزيزة بلهفة طاغية: دعينا ندخل عند أم معروف قليلا ماذا سوف نخسر اعتبري الموضوع مجرد تسلية.
وأخذت تلحّ علي بشدّة فقلت لها ممازحة: ماذا تريدين أن تعرفي؟ من الجليّ للجميع أنّ حظك أسود حالك كالقار، ماذا تتوقعين أنها ستخبرك؟ إنك ستلتقين بفارس الأحلام الذي سينتشلك من غياهب القرية ويأخذك إلى قصره لتعيشي معه بسعادة إلى أنْ يأتي هادم اللذات ومفرق الجماعات؟ ألم تكتفِ بتجربتك الأولى الفاشلة مع ابن الجزار؟ انضجي يا فتاة وتوقفي عن هذه الأحلام الساذجة.
فردّت صديقتي مع تنهيدة طويلة: تعلمين أنّ زيجتي الأولى فشلت لأن زوجي كان ضعيف الشخصية ويطيع والديه في كل شيء، دعينا نرى الحاجة لعلها تطمئنني بأن الله سيرسل لي رجلا ينسيني الماضي وآلامه.. فرضخت لرغبتها بعد طول عناء.
ترجلنا من السيارة واجتزنا مدخل المنزل المحاط بالورود والنباتات البرية العطرة، وطرقنا على الباب ففتحت لنا ابنة الحاجة وهي فتاة دلوعة جميلة ترتدي ثيابا ضيقة وطلبت منّا أن ننتظر في الحديقة لأن والدتها في خلوة مع إحدى الزائرات، ويجب عدم مقاطعتها أثناء الاستشارة. اتجهنا إلى الحديقة وجلسنا على إحدى المراجيح بانتظار تفرغ الحاجة لمقابلتنا، وجلسنا نتسامر ونتأمل الحديقة التي يختلط فيها الورد الجوري مع البصل والخيار والبقدونس وأنواع أخرى من الخضراوات الورقية، وفي طرفها توجد عدة دجاجات بلدية لم يعرنّ قدومنا أي اهتمام وتابعنّ أكل الحبّ بكل شهيّة.
بعد ساعة ونصف الساعة ظهرت الحاجة أخيرا، واعتقدنا للوهلة الأولى أنّه حان وقت الفرج، ولكنها قالت معتذرة إنها سوف ترانا بعد قليل وإنّها يجب أنْ تعد طبق المجدرة للغداء سريعا لزوجها (أبو معروف) ثم تعود إلينا، واتّجهت إلى مطبخها وغابت ساعة كاملة وسط الأواني والملاعق والقدور وأنا أغلي من الغيظ وأقول لصديقتي كفانا انتظارا كالحمقى، فلنذهب من هنا وصديقتي ترجوني أن أصبر قليلا.
بعد انتظارطويل؛ ممزوج بالملل الثقيل تنفست الصعداء، بعدما أصبحت الحاجّة جاهزة لاستقبالنا، وطلبت إلينا القدوم إلى مجلسها، ومجلسها هذا هو عبارة عن طاولة حمراء دائرية تحيطها كراسي بلاستيكية حمراء فاقعة ومتوهجة، وعلى الطاولة وضعت الحاجة صندوقا ذهبيا كبير الحجم للصدقات، وأخذت تشرح لنا أنّها تقوم بهذا العمل قربى لله تعالى فقط، واذا أحبّت إحدى النسوة أنْ تتبرع عن طيب خاطر فعليها وضع المال في صندوق الصدقات.
جلست الحاجة التي كانت رائحة البصل المقلي تفوح منها بقوة وطلبت منّا أن نستريح، كانت ترتدي جلبابا كحليا ومنديلا مزركشا ومطرز الأطراف وأخذت تحدق بنا بعينيها الضيقتين وبوجهها الشاحب واستوضحت: ماذا تردن أن تعرفن تحديدا؟ فأخبرتها عزيزة أنّها ترغب بأن تفتح لها الفنجان لكي تعرف الخطوط العامة لمستقبلها فسألتها الحاجة عن اسم والدتها ثم طلبت منها أنْ تقرأ الفاتحة للبركة، أخذت الحاجة فنجانا كبيرا وهي تقرأ المعوذات وفتحته ثم ألقت عليه سبع نظرات… ورمقت صديقتي بقلق بالغ وقالت لها بنبرة محذرة إنها تخشى عليها من الطلاق مرتين متتاليتين، فنظرت إليها صديقتي بذهول وأخبرتها أنها فعلا مطلقة فردّت الحاجة بلهجة واثقة: «ستتزوجين وتتطلقين مجددا وسترزقين بطفلة واحدة». وبينما الحاجة تتكلم أتت ابنتها الدلوعة وقالت لها إنها تريد أن تخرج لشراء بعض الحاجيات من السوق وتحتاج إلى قليل من المال فقامت الحاجة بفتح صندوق الصدقات بكل هدوء وسط دهشتنا العارمة وأخرجت خمسين ألفا واعطتها للابنة وأوصتها ان تشتري معها لحمة للمحشي.
ثم التفتت إلى صديقتي مستفسرة إذا كانت تود معرفة شيء آخر، فأخبرتها أن لديها اختا اسمها هناء تريد ان تعرف ايضاَ ماذا يخبئ لها القدر من أحزان ومسرات فأعادت الحاجة ذات العملية وقالت لها إنّ أختك هناء سيكون لها شأن عظيم كبلقيس وستصبح من الثريات المحظوظات وتكون طوال حياتها مرتاحة كأميرة من الأميرات.
مرّت على هذه الحادثة عدة سنين وافترقنا أنا وعزيزة بسبب ذهابي إلى العاصمة للدراسة الجامعية، حتى انقطعت أخبارها عني و لم أعد لزيارة القرية إلا لماما وانشغلت بحياتي الجديدة وزملائي الجدد ونسيت عزيزة وزيجتها الفاشلة.
ذات يوم توفيت أم علي جارتنا في القرية وبيت أم علي ملاصق لدارنا فكان لا بدّ لي من الذهاب مع أهلي لحضور التشييع والمشاركة في العزاء، فالتقيت بجميع الرفاق القدامى إلا صديقتي عزيزة فسألت عنها مستطلعة أخبارها فقالت لي إحدى الفتيات الملقبة ب :س أن أن القرية: ألم تسمعِ أنّها قد تزوجت منذ سنتين بتاجر أخشاب وسكنت في القرية المجاورة ولكنها تطلقت بعد عدة شهور، لأنه لم يحتمل طباعها المتسلطة، هذه الغبية عوضها الله برجل محترم لم يعر أهمية لزيجتها الأولى ولكنها لا تقّدر النعمة على النقيض من شقيقتها هناء التي تزوجت مهندسا وسافرا معا إلى دبي ويقال إن وضعهما المادي أصبح ممتازا وهي تعيش في نعيم.
لم أصغ إلى بقيّة الحديث وقفت مصدومة وقفزت إلى ذهني من الماضي بسرعة صورة الحاجة أم معروف و كلماتها وصرت غير مصدقة أنّ نبؤتها تحققت بالفعل ولكن كيف حصل ذلك؟ كيف يعقل ؟هل لديها حدس بالمستقبل حقا؟
بعد انقضاء العزاء، خرجت للتجول في أرجاء القرية كما في الماضي الجميل فلمحت عن بعد منزل الحاجة أم معروف، وقد اضافت للبناء طابقا جديدا، ووجدت نفسي من دون تفكير أنزل وأطرق بابها لتفتح لي مجددا الفتاة اللعوب مبتسمة وقد ازدادت دلعا وغنجا وتقول إن عليّ الانتظار قليلا، فالحاجة لديها عدة زائرات!

٭ كاتبة من لبنان

قارئة الفنجان

سلوى دبوق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية