ما أسرع ما ينسى البشر بعد رحيلهم عن هذه الدنيا حتى كأنهم ما كانوا. لهذا كان من المطمئن أن نقرأ لعدد من الصحافيين والمثقفين العرب مقالات بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيل الصحافي جوزيف سماحة. أكثر ما كتب عنه كان بقلم أصدقاء له وزملاء عملوا معه وخبروا قدراته الاستثنائية في الإشراف التحريري واقتراح زوايا المعالجات الصحافية غير المتوقعة. وكان القليل مما كتب بقلم صحافيين لم يعرفوه شخصيا ولكنهم عرفوه كاتبا لأنهم كانوا من قرائه المواظبين أو المعجبين. وقد كنت شخصيا من هؤلاء. يكفي أن أرى زاوية ممهورة باسمه حتى أباشر القراءة على الفور. فقد كان جوزيف سماحة أستاذا في فن المقالة الصحافية، وخصوصا في كتابة العمود الوجيز. ثم إن القاعدة التي نشأت عليها هي أن القراءة المنتظمة في صفحات الرأي والتعليق ليست من أثر العنوان بل إنها من أثر التوقيع. أي أننا لا نقرأ بسبب الموضوع بل بفضل الكاتب: نقرأ لأسماء محددة اعترافا بجودة ما تكتب.
وإذا كان الاحتفاء بذكرى جوزيف سماحة يجيز التأسي بأن الوفاء لم ينقطع من هذه الدنيا، فإن ما لاحظته بالمقابل هو أن كثيرا من الأسماء التي كانت لامعة في عالم الكتابة الصحافية الراقية قد طواها النسيان بعد سنوات فقط من رحيل أصحابها. وهكذا لم نعد نسمع شيئا عن أحمد بهاء الدين، على سبيل المثال، رغم أنه كان ملء السمع والبصر زمنا صحافيا مديدا. وهكذا كلما ذكرت الكاتب الصحافي والناقد الأدبي علي شلش أجد نفسي مضطرا لأن أشرح لسامعيّ من هو. بل إني لاحظت أن كثيرا من الإعلاميين نسوا غسان تويني، حتى لا أقول إن منهم من لا يعرف قيمته كاتبا صحافيا ذا رأي حصيف. هذا بينما كان كبار الصحافيين الفرنسيين يحترمونه، حتى أن جان لاكوتير قد ألف معه كتابا حواريا. وإذا كان ميشال شيحا معروفا لدى اللبنانيين بحكم الدور السياسي والاقتصادي الذي اضطلع به في العقود الأولى من القرن العشرين، فإن ميشال شيحا الكاتب الصحافي (بالفرنسية) لم يعد مذكورا إلا لدى أوساط محدودة، رغم أن مقالاته التي كانت تنشر كل يوم أحد في الأربعينيات والخمسينيات، والتي جمعت في كتاب بعنوان “ترتيل كنسي: أقوال أحدية”، تدل على براعة في فن المقالة والخاطرة.
وقد كان بيتر جنكينز من أبرز كتاب الرأي البريطانيين حتى أوائل التسعينيات في صحف الغارديان، وصنداي تايمز والاندبندنت. ولكنك لا تكاد تظفر الآن بمن يذكره. أما المظلمة الكبرى، في رأيي، فهي النسيان التام الذي يلف ذكرى المعلق الصحافي الفذ هيوغو يانغ الذي كان من أكثر كتاب الرأي السياسي نفوذا في بريطانيا، حيث كان الساسة يحرصون على قراءة مقاله الأسبوعي في الغارديان. وقد كنت مواظبا على قراءته، كما حظيت بشرف لقائه في بيته في منطقة هامبستد اللندنية عام 1997. وحسنا فعلت دار بنغوين عندما نشرت أوراقه التي كان يدون فيها ملاحظاته ومحاضر لقاءاته مع الساسة البريطانيين من عام 1969 حتى وفاته عام 2003. توثيق منهجي، وتحرّ للدقة وبناء للرأي السياسي على أساس المعرفة الممحّصة.
وقد صارت هذه العادة المهنية سجية وطبعا لدى هيوغو يانغ إلى حد أن رئيس تحرير الغارديان السابق آلان راسبريدجر يروي أنه بعيد فوز حزب العمال بالانتخابات عام 1997 دعي هو وهيوغو يانغ لشرب الشاي مع توني بلير في حديقة 10 داوننغ ستريت. وقد دام اللقاء حوالي ساعة ونصف، غير أنه لم يكن متاحا لهيوغو يانغ، من الناحية البروتوكولية، أن يمسك القلم والورق ليدون فحوى الحديث. ومع ذلك، فإن محضر اللقاء الذي بعثه لراسبريدجر بعد يومين بالبريد قد كان شاملا ودقيقا.
كان هيوغو يانغ أبلغ الكتاب الصحافيين البريطانيين المناهضين لغزو العراق وأقواهم حجة. ولم يكن بلير ليهتم بآراء معارضيه بعد أن حسم أمره. ولكنه كان حريصا على الحفاظ على احترام هيوغو يانغ. ولهذا بعث له بلير رسالة شخصية مكتوبة بخط اليد، وهو على فراش المرض، يشرح له فيها موقفه المؤيد لرغبة بوش العدوانية. كان ذلك قبل أسبوعين فقط من وفاة يانغ.
يقول راسبريدجر إن مقالات يانغ كانت كجبال الثلج. يرى منها القراء “ذؤابة مشمسة بفعل صفاء الحجاج والاستدلال”، ولكن تحتها أطنانا من جهد البحث والتوثيق والتدقيق. فهل من يذكر يانغ الآن حتى في بلده بريطانيا؟ إنه من الذين نسيتهم الدنيا وأهلها حتى كأنهم ما كانوا.
٭ كاتب تونسي
مالك التريكي