عُرض على مسرح الهناجر في دار الأوبرا المصرية : «أترك أنفي من فضلك» مهزلة الصراعات الإنسانية وأزمة قبول الآخر

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: «ريكاردو: ما الذي يضحكك؟
روبرتو: أنفك.
ريكاردو: أنفي؟ ماذا في أنفي؟
روبرتو: لقد تبلل بالجعة.
ريكاردو: لا أرى في ذلك ما يضحكك.
روبرتو: تبلل بالجعة لأنه طويل
ريكاردو: لم تبلل الجعة أنفك لأنه قصير… نعم أنفك قصير.. مفلطح ومكسور.
روبرتو: وأنفك أعقف طويل، ضخم لا يقاس، لا نهاية له.
ريكاردو: أنفك عريض شاسع وفسيح مثل القرنبيط.
روبرتو: أنفك طويل مثل يوم جوع.
ريكاردو: أنفك قصير مثل فهمك».
من هذا الموقف العبثي بين صديقين تتولد الأحقاد والحرب التي لا تهدأ، خاصة بعدما يتدخل الآخرون لإشعال الفتنة أكثر، ليصبح العالم أكثر عبثا مماثلا لتفاهة شخوصه. هكذا يأتي نص «قضية أنوف» للكاتبة المكسيكية ماروشا بيلالتا، ليؤكد على هذه المشاحنات الفارغة وكيفية استغلالها من قِبل الدول الكبرى، لتصبح مسألة الأنف الهزلية هي شرارة الصراع ونتائجه في مجتمعات تتحايل على كراهيتها وعنصريتها إلى حين.
النص المكسيكي تحول إلى العرض المصري «أترك أنفي من فضلك»، الذي كتبه وأخرجه إسلام إمام، والذي كان من المُفترض أن يُشير بداية إلى مصدر النص الأصلي، وأن يكتفي بكلمة (إعداد النص) دون (كتابته). العرض أداء .. حسن حرب، رامي الطنباري، نورا نور، حسين جمعة، تامر الكاشف، محمد خالد، رضا طلبة، ومصطفى سعيد. ديكور وإضاءة عمرو عبد الله، استعراضات محمد عبد الصبور، مساعد إخراج خالد عبد الكريم، ومحمد شوقي، مخرج منفذ عمرو حسان، أزياء مروة عودة، رؤيه موسيقية محمد خالد، تصميم عرائس محمد فوزي، أشعار طارق علي، ونحت أقنعة آيات مجدي.

أليس وبلادها العجيبة

يستحضر مُعد النص ومخرجه شخصية «أليس» الشهيرة، لتصبح هي ساردة الحكاية/العرض، والمعلقة على الأحداث، تحادث أليس الجمهور عن طبيعة علاقة الصداقة العميقة بين كل من ريكاردو وروبرتو، وقد أصبحا في العرض «بيسو» و»سيسو». وكيف كل منهما يضحي من أجل الآخر، وأن الصداقة هي القيمة الأعلى في الحياة، لتتحول هذه الصداقة إلى حالة قصوى من العداء، بفضل موقف ساخر، حينما يسخر أحدهما من أنف الآخر الطويل. ومع تدخل الآخرين، وهم يؤججون هذا الصراع مع كل فريق وعائلته، تنقطع الصلة بينهما تماما، حتى أن شخصا يمر بالقرب منهما، كل منهما يطبق عليه اختبار الأنف، هل هو قصير أم طويل، وإلى أي معسكر ينتمي. حكاية أليس هنا لم تؤكد أنه لا سلام أو محبة أو صداقة إلا مع قبول الآخر كما هو، فالإيمان بالاختلاف هو السبيل الوحيد. وبالطبع يتماس العرض مع كل ما هو اجتماعي وسياسي، بداية من الفرد وحتى اعتقادات الدولة ونظامها السياسي، ومن خلال تقنيات العرض أصبح متاحا أكثر أن يتناسب واستقبال الأطفال، رغم اللغة العامية ووصلات السباب الكوميدية (الرَدْح) بين العائلتين، ولكن هل هناك ضرورة لهذه الشخصية في الأحداث؟ أم أنها ملمح مجاني لجذب الأطفال من مُشاهدي العرض؟

المهرجون

ووفقا للفكرة الأصلية للنص المسرحي، تأتي المعالجة لعرض «أترك أنفي من فضلك»، بداية من حذف العديد من الشخصيات، وتسطيح الكثير من الجُمل الحوارية، التي كان همّها الأوحـــــد هو شـد ضحكات الجمهور. ولتفعيل حالة الهزل العامـــة للأحــــداث وعقول الشخصيات، تبدو هذه الشخصيات في ملابس أقرب للمهرجين، ليصــــبح الأمر فــــوق المنطق الطبيعي الظاهر للحياة، رغـــم أنه أكثر واقعــــية في هزليته. كما أن كل فرقة من الموالين لهذه العائلة أو تلك جاء أصحابها في شكل (دُمى) تتحرك، سواء مــن جانبي المسرح، أو تهبط من أعلى، فهي بدورها فاقدة العقل، وتتبع هوى مُحركها أو محرّضها بمعنى أدق. فريق كامل من القطيع معدوم التمييز، ككل جمهور متحيز لفكرة أو فئة أو عقيدة ما، ومن خلالهم يشتعل الصراع أكثر، فصخب الأغبياء دوما له أهمية كبرى في مثل هذه المواقف. وكذلك لا يتم التوافق بين الشخصيات إلا من خلال حفل تنكري، حيث يرتدون أقنعة الحيوانات، ويبدأ كل منهم التعارف من جديد مع الآخر، ولكن بمجرد نزع هذه الأقنعة يبدأ الصراع مرّة أخرى ولا ينتهي.

مأساة الاختلاف

يؤكد العرض أن قـــبول الآخر هو الحـــــل الأمثـــل لأي من الصراعات، ولا يكتفي بالإشارة أو الإيحاء أو الحالة الدرامية، بــــل يصل إلى حد المباشرة، التي تواجه الأطفال بالفعل، بألا تــــرى غيرك مــــن خلال نظرتك أنت، وألا تعتبره عدوك لأنه بالمصادفة يخــتلف عنك في الشكل والملامح، الطول أو اللون، السن أو حتى العاهة.
حاول العرض التواصل مع قطاع كبير من الجمهور العادي، وأن يفلت من السُمعة التي تضرب عروض مسرح الهناجر، من حيث التعالي على الجمهور، أو تقديم أشكال مسرحية تجريبية أو معقدة، إلا أنه بدوره تورّط في حالة كبيرة من التسطيح، رغم المجهود الكبير المبذول في إخراج العرض، وتنوع مفرداته، من رقص وغناء، وتفاعل الدمى مع الشخوص المسرحية، والأداء التمثيلي المتباين والمتوافق إلى حدٍ كبير من الممثلين، خاصة الممثل الذي قام بدور الأخ الأصغر طويل الأنف.

عُرض على مسرح الهناجر في دار الأوبرا المصرية : «أترك أنفي من فضلك» مهزلة الصراعات الإنسانية وأزمة قبول الآخر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية