التعديل الوزاري في تونس وإملاءات صندوق النقد الدولي

ما زال الجدل محتدما في تونس بشأن التعديل الوزاري المفاجئ الذي أقدم عليه رئيس الحكومة يوسف الشاهد دون استشارة أحزاب الائتلاف الحاكم والمنظمات الوطنية الموقعة على وثيقة قرطاج. ويتعلق الأمر في الأساس بإقالة عبيد البريكي الوزير المكلف بالوظيفة العمومية والأمين العام المساعد الأسبق للاتحاد العام التونسي للشغل والرغبة في تعويضه بخليل الغرياني عضو المكتب التنفيذي للاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية الذي رفض في النهاية تولي الحقيبة.
لقد تم التفكير في تم تغيير وزير «منحدر» من منظمة نقابية عمالية، الاتحاد العام التونسي للشغل، بوزير من منظمة أصحاب الأعمال، أو بعبارة أخرى استبدال وزير يساري عمالي بآخر ليبرالي يميني. فالغرياني رجل أعمال، وهو الأبرز في منظمة «الأعراف» بعد رئيستها وداد بوشماوي، أي أنه في الأساس ابن القطاع الخاص والمشاريع الحرة ولا علاقة له بالوظيفة العمومية والإدارة التونسية. كما شمل التعديل الجزئي إبعاد وزير دولة من وزارة التجارة مع سد شغور في وزارة الشؤون الدينية بعد أن تمت إقالة الوزير السابق على خلفية تصريحات معادية للفكر الوهابي والمملكة العربية السعودية.

نحو الخوصصة

ويرى البعض في توجه الشاهد نحو منظمة «الأعراف» من خلال التفكير في تعيين وزير من مكتبها التنفيذي، واستفزازه للمركزية النقابية بإقالة البريكي، مؤشرا على نهج جديد مغرق في الليبرالية سينتهجه رئيس الحكومة في مقبل الأشهر تنفيذا لإملاءات صندوق النقد الدولي الذي وضع يده على الاقتصاد التونسي، خاصة وأن التصنيف الائتماني السيادي لتونس، وفقا لوكالات التصنيف العالمية، في تراجع، ما يجعل البلاد تفقد ثقة المؤسسات المالية الكبرى وجعل الأخيرة تكثف من شروطها لدعم الاقتصاد التونسي المنهك الذي «يترنح» بعد أن فقد توازنه منذ سنة 2011.
ولعل في بيان الاتحاد العام التونسي للشغل الصادر مباشرة بعد التعديل الوزاري ما يدعم هذا الرأي، فقد اعتبر هذا التعديل الذي لم يتم تنفيذا لرغبة جامحة للتفريط في المرفق العمومي تلبية لتوصيات صندوق النقد الدولي، وطالب بمراجعة تعيين رجل الأعمال خليل الغرياني. كما اعتبرت المركزية النقابية الأمر محاولة لإبعاد الرأي العام الوطني عن الاهتمام بما يُدبّر من إجراءات «لا اجتماعية» و «لا شعبية» على حد تعبيرها، تزمع الحكومة القيام بها، مثل الخوصصة في البنوك العموميّة وشركة الخطوط الجوية التونسية والخدمات الحيوية في قطاعات المياه والكهرباء والصحّة والتعليم وغيرها.
ولعل ما يدعم هذا الرأي أيضا ما جاء على لسان الشاهد نفسه في حديث أدلى به لإحدى القنوات الخاصة اعتبر فيه أن الدولة ليست في حاجة إلى ثلاثة بنوك عمومية، ويقصد في هذا الإطار بنك الإسكان والبنك الوطني الفلاحي والشركة التونسية للبنك. ورأى أن هذه البنوك هي التي تعطل الاستثمار في الجهات الداخلية دون أن يوضح كيف يتم هذا التعطيل، وبالتالي فمن المرجح أن يتم السماح قريبا للقطاع الخاص لتدبر أمر هذه البنوك كما ما حصل لبنك الجنوب في عهد بن علي.

مسؤولية مشتركة

ويرى كثير من المحللين أن الاتحاد العام التونسي للشغل يتحمل بدوره المسؤولية لو تمت خوصصة مؤسسات عمومية، ولا يمكن في هذا الإطار تحميل المسؤولية للحكومة دون سواها. فكثرة الإضرابات التي عرفتها تونس منذ سنة 2011 بدفع من الاتحاد العام التونسي للشغل، ساهمت في إضعاف عدد من المؤسسات العمومية التي أصبحت مردوديتها ضعيفة ولم تعد أرقام معاملاتها تشجع الدولة على الاحتفاظ بها.
ومن بين المؤسسات المتضررة من هيمنة النقابات، شركة الخطوط الجوية التونسية، الناقلة الوطنية، ففي هذه الشركة بات من الصعب في وقت ما تتبع ومعاقبة بعض العمال المتورطين في سرقة حقائب مسافرين وذلك خشية غضب الاتحاد. فقد شبه البعض سطوة النقابيين اليوم داخل المؤسسات العمومية بالنفوذ الواسع الذي كان لمن انتموا في الماضي إلى الشعب المهنية الحزبية خلال العهد السابق.
فحتى التعليم العمومي لم يسلم من مطلبية النقابات العمالية المنضوية تحت مظلة الاتحاد العام التونسي للشغل، وبات التلاميذ ضحية لصراعات النقابات الخاصة بالتعليم الأساسي والثانوي مع وزير التربية ناجي جلول. وفاقمت هذه الاضرابات المتتالية من هجرة أبناء الشرائح الميسورة ومتوسطي الدخل إلى التعليم الخاص وهي هجرة بدأت منذ العهد السابق بسبب «إصلاحات» كانت دون المستوى أضرت بقطاع التعليم.

تسريح العمال

وبعيدا عن عنتريات المعارضة التونسية، لا تبدو أمام البلد خيارات أخرى غير الاستجابة لمطالب صندوق النقد الدولي خاصة وأن الأطراف التي تعارض هذا «الرضوخ» ساهمت في إضعاف وإنهاك الاقتصاد التونسي. بعضها من خلال المبالغة «الثورجية» الزائفة بإثارة حالة من الفوضى الخلاقة خلال السنوات الماضية، وبعضها كان في الحكم وساهم في تسهيل وضع صندوق النقد الدولي يده على تونس، وحين أصبح في المعارضة بعد 2014 بات ينتقد رضوخ الحكومات لإملاءات الصندوق. كما أن من بين هؤلاء أطراف سياسية تقدم حلولا هلامية لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع، قدم مثيلا لها أحد رؤساء حكومات اليونان من أبناء التيار الشيوعي لكنه سرعان ما اصطدم بالواقع المرير عند ممارسته للحكم فعاد ورضخ للإملاءات.
ولعل أشد ما يخشاه التونسيون هو عمليات تسريح العمال والموظفين التي تصاحب عادة أي خوصصة للمؤسسات العمومية خاصة مع البطالة المتفاقمة التي تعاني منها البلاد ولم تنجح معدلات التنمية الضعيفة في الحد منها. فالقطاع الخاص يبحث عادة عن الربح من خلال ضغط النفقات وضمان مداخيل إضافية ولا يقيم وزنا للمسائل الاجتماعية، في حين أن القطاع العمومي يحرص على التشغيل وتأمين الرعاية للعمال والموظفين. وبالتالي فإن على الحكومة التونسية، وفي حال أجبرت على خوصصة بعض المؤسسات العمومية، استجابة لشروط مؤسسات مالية دولية وضعتها مقابل منح قروض للدولة هي في حاجة إليها لتمويل مشاريع ولدفع عجلة التنمية، أن تفكر جديا في مسألة تسريح العمال والموظفين وأن تجد لها الحلول اللازمة وتفرض شروطها في هذا الإطار على الراغبين في اقتناء هذه المؤسسات. كما في إمكانها أن تبيع أسهما في بعض المؤسسات دون أن تضحي بها بالكامل وتبقى هي صاحبة القرار من خلال امتلاك غالبية الأسهم.

دهاء نقابي

وتخشى أطراف عديدة من انسحاب الاتحاد العام التونسي للشغل من «وثيقة قرطاج» وما قد ينجر عن ذلك من تصعيد مع الحكومة من خلال تكثيف الاضرابات المضرة بالاقتصاد. والحقيقة أن الاتحاد أكد عند تشكيل حكومة الوحدة الوطنية ان عبيد البريكي ومحمد الطرابلسي لا يمثلانه وأنه ليس شريكا في الحكومة بالرغم من أن كلا الرجلين هما من القيادات السابقة فيه.
فالمركزية النقابية، حسب أصحاب هذا الرأي، تعاملت بدهاء، أي غنمت التواجد في الحكم مقابل عدم الالتزام بالهدنة الاجتماعية وعدم الكف مؤقتا عن هذا الكم الهائل من الاضرابات. وما دامت الاضرابات لم تتوقف، في رأيهم، سواء أكان البريكي في الحكومة أم خارجها فمن الأفضل إقالته وترك رئيس الحكومة يمارس صلاحياته.

التعديل الوزاري في تونس وإملاءات صندوق النقد الدولي

ماجد البرهومي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية