تونس ـ «القدس العربي»: وضعت الأحزاب والمنظمات الاجتماعية التونسية منذ نحو سنة ميثاقا أطلقت عليه اسم «وثيقة قرطاج»، تضمن من بين ما تضمن من أهداف، تشكيل «حكومة وحدة وطنية». وحدَد ستة محاور لكي تكون عناوين رئيسية لعمل الحكومة، وهي الانتصار في الحرب على الإرهاب وتسريع نسق التنمية ومكافحة الفساد والسيطرة على التوازنات المالية المُختلة ومتابعة تنفيذ السياسات الاجتماعية وإرساء سياسة خاصة بالمدن والجماعات المحلية واستكمال تركيز المؤسسات. واعتبر المُوقعون على الوثيقة أنها تُحدد «أولويات الحكومة المقبلة» (الحالية). لكن علاج المشاكل الاجتماعية والاقتصادية ميدانيا كان أكبر من العناوين التي صاغها المُتحاورون في ضاحية قرطاج. وفي مقدمة تلك الأولويات إيجاد حلول لإنقاذ صناديق الضمان الاجتماعي المُفلسة، والتي بلغ عجزها نحو 500 مليون دولار، ما يُضطر الدولة إلى ضخ نحو 250 مليون دولار في شرايينها سنويا، كي تؤمن صرف معاشات المتقاعدين وإسداء الخدمات الطبية والصحية للمضمونين الاجتماعيين.
كذلك تُجابه المصارف العمومية الثلاثة خسائر كبيرة نتيجة تضخم عدد العاملين فيها، وتونس من البلدان النادرة التي تُدير حكوماتها ثلاثة مصارف وتضخ فيها أموالا طائلة لسد العجز في موازناتها. وكانت المؤسسات العمومية على عهد الرئيس الأسبق بن علي مكاتب تشغيل لأنصار الحزب الحاكم، ما أدى إلى إثقال كاهلها بحجم رواتب يفوق طاقة احتمالها. ومن الحلول التي لا مفر منها التخلي للقطاع الخاص عن قسم من رأس مال تلك المصارف. إلا أن النقابات مُعترضة على خطط الاصلاح في قطاعي الضمان الاجتماعي والمصارف لأن إعادة هيكلة المصارف ستؤدي إلى الاستغناء عن عدد من موظفيها. كما أن مُعالجة أزمة الصناديق ستكون بتأخير سن الإحالة على المعاش، إلى جانب إجراءات أخرى. وملف الاصلاح هذا ظل عالقا منذ ما قبل الثورة، لأن الحكومات السابقة خشيت من مُضاعفاته الاجتماعية والسياسية، فتركت الحبل على الغارب، مُكتفية بمعاودة رسملة المصارف العاجزة. كما أن حكومات ما بعد الثورة انشغلت بإعادة الأمن والاستقرار فأرجأت بدورها اتخاذ قرارات جوهرية في هذا الشأن.
من هنا تأتي أهمية وثيقة قرطاج المرجعية كونها ليست إعلانات مبادئ وحسب، وإنما هي آلية لمجابهة المعضلات الكبرى التي خلفتها عقود من الاستبداد وما فرَخهُ من فساد وتمييز بين المناطق. وبالنظر إلى أن غالبية حركات الاحتجاج في السنوات الأخيرة التي اندلعت في محافظات الظل، التي لم تنعم بالقدر الكافي من التنمية بعد الاستقلال، فإنها تحتاج في المستقبل إلى خطط خاصة لتطوير البنى التحتية وإقامة مشاريع منتجة تستوعب طالبي العمل من الخريجين العاطلين. وينص البند 12 من الدستور على أن «الدولة تسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة والتوازن بين الجهات، استنادا على مؤشرات التنمية واعتمادا على مبدأ التمييز الايجابي» بين المناطق. ويمكن القول إن هذا التحدي يضع الحكومة الحالية على المحك، لا سيما أن متوسط نسبة البطالة، على سبيل المثال، بلغ في مناطق الجنوب الغربي أكثر من 26 في المئة، فيما المتوسط الوطني أكثر من 15 في المئة بقليل، طبقا لأرقام معهد الإحصاء الحكومي. وفي السياق نفسه تزيد نسب الفقر في المناطق الداخلية أربعة أضعاف عن مستوياتها في المحافظات الساحلية، طبقا لتقارير صندوق النقد الدولي. وفي الوسط الغربي، الذي يشهد من وقت إلى آخر موجات احتجاج غير منظمة، يتجاوز متوسط الفقر 30 في المئة من السكان. ويتطلب هذا الوضع بلورة رؤية لا تكتفي بالخطط التنموية العادية، وإنما تصوغ مشروعا كبيرا يستوعب مئات الآلاف من الخريجين العاطلين ويمنح الأمل لسكان المناطق المُهمشة، التي يُستدرج كثيرٌ من أبنائها للانخراط في الجماعات الإرهابية والحركات المتشددة بشكل عام. وإلى جانب الملاحقات الأمنية لعناصر تلك الجماعات، فإن أمضى سلاح لمحاصرة الإرهاب هو التنمية ومزيد من التنمية.