تونس ـ «القدس العربي»: وثيقة قرطاج أصبح لا معنى لها وتم تجاوزها. وثيقة قرطاج دخلت طي التاريخ…«السلم الاجتماعي في خطر». تلك أبرز العناوين التي تختصر مواقف أغلب الأحزاب التونسية المعارضة من التعديل الوزاري الأخير، الذي أحدث هزة في المشهد السياسي التونسي وأعاد مجددا شبح الأزمة بين الحكومة واتحاد الشغل، في تطور أثار مخاوف البعض من عودة الانقسام السياسي في البلاد.
أفاد رئيس حزب الاتحاد الوطني الحر المعارض، سليم الرياحي، في تصريح إعلامي بأن وثيقة قرطاج «أصبحت بلا معنى، وتم تجاوزها»، وفق رأيه، مبينا أنه «تم استعمال اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف لتمرير أجندة سياسية ولدفع الأحزاب السياسية للانخراط في هذه الوثيقة وقد تبين أن هذه العملية صورية وأدت بالبلاد إلى وضع خطير»، على حد قوله. وأوضح أن حزبه كان أول حزب ينسحب من وثيقة قرطاج باعتبار أن «صلاحيتها قد انتهت» مطالبا الاتحاد العام التونسي للشغل بتوضيح موقفه النهائي منها. كما دعا إلى إيجاد حلول حقيقية للأوضاع في البلاد، والخروج برؤية جديدة تشارك في صياغتها جميع الأطراف بما فيها الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية.
طي التاريخ
الحزب الاشتراكي وحزب العمل اعتبرا ان ”وثيقة قرطاج دخلت طي التاريخ بسبب الانحراف الحاصل في اسلوب الحكم، وهيمنة الحزبين الرئيسيين على نظام الحكم وانفرادهما بتقرير مصير البلاد وتخلص الحكومة نهائيا من التزاماتها تجاه الأطراف الموقعة على الوثيقة». وانتقد الحزبان في بيان مشترك أصدراه على خلفية إقالة وزير الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري والحوكمة ما سموه بـ «خضوع الحكومة بصورة صريحة لإملاءات صندوق النقد الدولي» بما ستقدم عليه من إجراءات التساهل في البنوك العمومية والمنشآت العامة وتسريح ما لا يقل عن 10 آلاف موظف عمومي وغلق باب الانتداب. يشار إلى ان الحزب الاشتراكي وحزب العمل الوطني الديمقراطي لم يوقعا على مبادرة رئيس الجمهورية الباجي السبسي المعروفة بوثيقة قرطاج، التي تعلقت بتشكيل حكومة وحدة وطنية، بمساندة المنظمات الوطنية والأحزاب الموقعة على الوثيقة يوم 13 تموز/يوليو 2016.
ودعت حركة الشعب الحكومة إلى الكشف عن أسباب عزم البريكي على الاستقالة وعبّرت في بيان عن استغرابها من الآلية التي اعتمدها رئيس الحكومة في إجراء تعديل وزاري. وأفادت أن الرأي العام الوطني كان ينتظر مراجعة أشمل وأكثر عمقا لتركيبة الحكومة على خلفية ما يواجهها من فشل وتقصير في قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والنقل والمالية.
ودعت الحركة، رئاسة الحكومة إلى مصارحة الرأي العام الوطني بالأسباب الحقيقية التي دفعت وزير الوظيفة العمومية والحوكمة إلى إعلان عزمه على الاستقالة، بدل العودة إلى ممارسات وأساليب أسقطها شعبنا مع سقوط نظام الفساد والاستبداد، وفق ما ورد في البيان. وحذّرت مما قد ينجر عن هذا الإجراء من تداعيات تهدد السلم الاجتماعي خاصة وأن رئاسة الحكومة استهدفت من خلاله أحد أعمدة التوافق التي تشكلت على أساسه. واعتبر الحزب أن رئيس الحكومة يوسف الشاهد أقدم على إجراء تعديل جزئي على فريقه الوزاري دون احترام الأسس التي قامت عليها حكومته، وخاصة وثيقة قرطاج التي حولتها رئاستا الحكومة والجمهورية إلى مجرد إعلان نوايا غير مجدية.
ضرورة التشاور والتنسيق
حالة الاستهجان من التعديل الوزاري لم تقتصر على أحزاب المعارضة بل امتدت أيضا إلى الأحزاب الشريكة في الحكم. فقد عبّر حزب آفاق تونس ـ على لسان رئيسة كتلته في مجلس نواب الشعب ريم محجوب في تصريح إعلامي عن استنكاره. وأشارت محجوب إلى ان التعديل كان من المفترض ان يكون محل استشارة وان لا يبلغ عبيد البريكي بخبر إقالته من وسائل الإعلام معتبرة ان هناك سوء تصرف.
أما موقف حركة النهضة ونداء تونس وهما الحزبان الرئيسيان الحاكمان ضمن إطار سياسة التوافق فقد كانت أقل حدة. فبعد ساعات من إعلان خبر إقالة وزير الوظيفة العمومية عبيد البريكي اجتمع وفدان عن كل من الحركتين وأصدرا بيانا مشتركا حول أهمية التشاور والتنسيق بين حزبي النهضة والنداء ومأسسته من أجل دعم المسار وإنجاحه وتحقيق استحقاقات المرحلة. وأكدا مجددا دعم حكومة الوحدة الوطنية وذلك لحاجة البلاد والمرحلة إلى حكومة قوية، متماسكة ومسندة سياسيا بأوسع قاعدة سياسية ممكنة على أساس وثيقة قرطاج حسب ما ورد في البيان. كما أكد الحزبان الرئيسيان الحاكمان على الدور الهام للاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري في تعزيز الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي والاجتماعي باعتبارهم شركاء استراتيجيين ومساهمين فاعلين في صياغة وثيقة قرطاج وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية. لكن مواقف الحزبين بدت أقل تعنتا وشراسة من أحزاب المعارضة، فقد ذكرا في البيان المشترك ان من «حق رئيس الحكومة اختيار فريقه الحكومي في إطار التشاور والتنسيق مع الأطراف الموقعة على وثيقة قرطاج بما يدعم سياسة التوافق». ودعا أيضا الأطراف الموقعة على وثيقة قرطاج لمقابلة رئيس الجمهورية بصفته راعيا للاتفاقية لتجديد تعهّدها بدعم حكومة الوحدة الوطنية بما يزيد في تعزيز الثقة بنجاح المسار وتحقيق مطالب المرحلة وخاصة منها التنمية. وفي المقابل قال رئيس كتلة نداء تونس سفيان طوبال في تصريح صحافي انه لم تتم استشارة حزب النداء بخصوص التعديل الوزاري الذي أجراه رئيس الحكومة يوسف الشاهد معتبرا ان هذا التعديل من شأنه ان يخل بالتوازن والاستقرار الاجتماعي. في موقف يتجلى فيه بوضوح الانقسام الدائر في صلب حزب نداء تونس نفسه، فكأن هناك موقفين من التعديل لا موقف واحد.
أما حزب المبادرة الوطنية الدستورية أحد الأحزاب الموقعة على وثيقة قرطاج والشريكة في حكومة الوحدة الوطنية، فقد التقى بقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل ممثلة في الأمين العام الجديد نور الدين الطبوبي، وسمير الشفي ومنعم عميرة، وهما الامينان العامان المساعدان في الاتحاد، وتناول اللقاء الأوضاع العامة في البلاد في ظل التعديل الوزاري الأخير وتبادل الوفدان وجهات النظر وقد أدلى محمد الغرياني نائب رئيس الحزب على إثر اللقاء بتصريح لوسائل الإعلام أكد فيه على الدور الوطني الذي يلعبه الاتحاد في هذه المرحلة، مبينا رؤية الحزب إلى التجاذبات التي يشهدها البلد هذه الأيام. وقد رأى البعض في تصريحات الغرياني تضامنا مع الاتحاد في هذا الخلاف مع الحكومة ووقوفا في صفه فيما رآها البعض الآخر مناورة سياسية هدفها الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع الكل بما في ذلك الفريق الحكومي.
وبذلك فإن الأحزاب التونسية قد توزعت على شقين، واحد يصر على أن تصرف الشاهد كان خاطئا لأن التعديل تم دون استشارة الأحزاب الشريكة في الحكم ولأنه تمت تسمية رجل أعمال كوزير للوظيفة العمومية، وشق آخر متحفظ يحاول الإبقاء على شعرة معاوية مع الجميع ويتعامل بمنطق «حتى لا يجوع الذئب ويشتكي الراعي» إرضاء للاتحاد وللحكم.