تونس ـ «القدس العربي»: أشارت استطلاعات للرأي أجرتها مؤسسة تونسية مختصة في سبر الآراء إلى أن ثلثي التونسيين يعتقدون أن بلادهم تسير في الطريق الخطأ. وقد عبرت هذه النتائج حقيقة عن ما يشعر به السواد الأعظم من التونسيين من إحباط ويأس شديدين نظرا لأسباب عديدة. فغلاء المعيشة عاد ليطفو مجددا على الساحة بعد الرفع المفاجئ في أسعار بعض المنتوجات الفلاحية، والبطالة في ازدياد بعد أن عجزت حكومات ما بعد «الثورة» عن تحقيق معدلات نمو معتبرة. والأفق السياسي لمرحلة ما بعد توافق الشيخين يبدو غامضا ولا يمكن التنبؤ به حتى من أشد العارفين بالساحة السياسية التونسية.
فالبعض يتحدث عن إمكانية ترشيح رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي لنفسه في الانتخابات الرئاسية المقبلة، والبعض الآخر يذهب بعيدا ويؤكد على أن الباجي قائد السبسي قد يترشح لخلافة نفسه في 2019 لو أطال الله في عمره، رغم تقدمه في السن. وهناك أطراف تضع فرضية أن يكون يوسف الشاهد، رئيس الحكومة الحالي المنتمي إلى حركة نداء تونس، وزياد العذاري وزير التجارة المنتمي إلى حركة النهضة، رجلا المرحلة المقبلة.
التزام بوثيقة قرطاج
في الأثناء يواصل الاتحاد العام التونسي للشغل إضراباته في عدد من القطاعات غير مبال بما قد يصيب الاقتصاد من شلل نتيجة لهذه التحركات. وهي اضرابات تواصلت رغم مشاركة وزيرين محسوبين على الاتحاد في حكومة الوحدة الوطنية ورغم إمضاء المنظمة الشغيلة على وثيقة قرطاج التي تمت بإشراف ودفع من رئاسة الجمهورية.
لقد توقعت أطراف عديدة أن يجنح الاتحاد إلى السلم، وأن يعقد هدنة اجتماعية مع الحكومة وذلك بعد توقيعه على وثيقة قرطاج. لكن شيئا من ذلك لم يحصل وتواصلت الاضرابات المطلبية وسياسة لي الذراع مع الحكومة حتى شعر الناس بالملل من هذا المسلسل المطلبي القطاعي الذي قد لا يعرف نهاية.
ولعل ما زاد الطين بلة في علاقة القصبة (مقر رئاسة الحكومة) بساحة محمد علي (مقر اتحاد الشغل) هي عملية إقالة وزير الوظيفة العمومية عبيد البريكي وتعيين شخصية من منظمة الأعراف مكانه. ولولا تراجع الغرياني عن القبول بهذه الحقيبة لكانت الأمور أخذت منحى آخر ولــســارت الأمور باتجاه التصعيد.
لكن يبدو أن الاتحاديين قد «ثابوا إلى رشدهم» بعد أن أعلنت المركزية النقابية التونسية تمسكها بوثيقة قرطاج ومساندتها لحكومة الوحدة الوطنية. ويبدو أن السبب في هذه «الرصانة» من قبل الاتحاد العمالي هو تراجع خليل الغرياني، القادم من منظمة أصحاب الأعمال، عن القبول بحقيبة الوظيفة العمومية والحوكمة أو الإصلاح الإداري كما كانت تسمى في السابق.
رأس جلول
لكن النقابات التعليمية المنضوية تحت مظلة اتحاد الشغل لا يبدو أنها ستتراجع عن مطلب إقالة وزير التربية ناجي جلول. فالأمور سائرة نحو التصعيد رغم أن جلول يحظى بثقة ودعم رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، وبالتالي فإن من المتوقع ان تشهد البلاد مزيدا من الاضرابات في قطاعي التعليم الأساسي والثانوي، وهو ما سيعود بالمضرة على التلاميذ، أهم ضحايا هذه المعركة الشرسة بين الاتحاد ووزير التربية.
فمنذ 14 كانون الثاني/يناير 2011، تاريخ الإطاحة بالنظام السابق، والدروس تشهد انقطاعات متكررة في المدارس والمعاهد الثانوية العمومية بسبب اضرابات الأساتذة والمعلمين وهو ما عاد بالمضرة على التلاميذ ودفع بالعديد من الأولياء إلى هجرة التعليم العمومي نحو الخاص. هي الفوضى الخلاقة في «أبهى تجلياتها» تلك التي تطال قطاع التعليم أو هي معركة لكسر العظم بين النقابات والسلطة التنفيذية، يريد أن يثبت فيها كل طرف ذاته، وضحيتها هم تلاميذ تونس وأجيالها المستقبلية.
والحقيقة أن جلول ليس أول وزير يتمسك الاتحاد بالإطاحة به، فقد سبق وأن تمت إقالة وزير الصحة العمومية سعيد العايدي المنتمي إلى حركة نداء تونس بعد ضغوط مارستها المنظمة الشغيلة. فقد حاول هذا الوزير الحد من هيمنة النقابات داخل المؤسسات الصحية لكنه فشل فشلا ذريعا خصوصا بعد أن حركوا ضده ملفا لا ناقة ولا جمل له فيه، وهو ملف اللوالب القلبية منتهية الصلاحية، والذي توقف الخوض فيه مباشرة بعد إزاحة العايدي عن وزارة الصحة.
فهل أصبح قدرا على الوزراء وممثلي السلطة التنفيذية مسايرة النقابيين والأحزاب الكبرى على غرار النداء والنهضة للاحتفاظ بمناصبهم؟ وإلى متى ستشهد البلاد هذه الهيمنة للنقابات العمالية التي تعطل سير مرافق الدولة، على غرار ما يحصل في وزارة الخارجية حيث باتت النقابات تتصدى فيها للتعيينات الدبلوماسية من خارج الوزارة في سفارات ومنظمات تتطلب تعيين سياسيين لا موظفين سامين في نهاية مسيرتهم همهم قضاء سنتين خــارج الـــديار للتـمتع بحــق تــوريد سيــارة أجنبية معفاة من الضرائب أو ما يسمى «الإف سي آر» حسب القوانين التونسية؟
انتقادات واسعة
ويتعرض رئيس الحكومة يوسف الشاهد إلى انتقادات واسعة بعد أن عدل منصب وزير الوظيفة العمومية والحوكمة، وقرر إلحاق هياكلها برئاسة حكومته. ويرى المعارضون أن سبب الإلغاء هو الهروب من المواجهة مع الاتحاد العام التونسي للشغل بشأن شــاغــل هــذا المنصب بعد أن اعتذر عنه «الليبرالي» خليل الغرياني المنحدر من منظمة الأعراف.
في المقابل ترى أطراف أخرى أن ما حصل هو مناورة سياسية من الشاهد الهدف منها إبعاد هذا المنصب من دائرة الضوء ومن التجاذبات السياسية ثم تعيين مستشار برتبة وزير ملحق برئاسة الحكومة يتولى هذه المهمة. وعادة لا تحظى تعيينات المستشارين بالاهتمام الإعلامي والسياسي الذي تحظى به تعيينات الوزراء، وبالتالي فإن رئيس الحكومة سيجد هامشا من التحرك بحرية أكبر لتعيين شاغل المنصب بعيدا عن ضغوط الاتحاد والأحزاب السياسية.
كما طالت الانتقادات رئيس الحكومة بعد إقالة كاتب الدولة للتجارة فيصل الحفيان من منصبه دون سبب مقنع ودون تقديم مبررات. ويرى المنتقدون أن المتسبب في هذه الإقالة هي حركة النهضة، إذ يبدو أن وزيرها للتجارة زياد العذاري لا ينسجم مع كاتب الدولة في الوزارة نفسها التي يبدو أنها من الوزارات التي تحبذ الحركة أن تضع يدها عليها باعتبارها من مفاتيح الاقتصاد التونسي.
ويشار إلى أن التعديل الوزاري الأخير شمل أيضا وزارة الشؤون الدينية التي عين على رأسها القاضي أحمد عظوم، وذلك بعد أن بقيت هذه الوزارة دون وزير وأشرف عليها وزير العدل غازي الجريبي بالتوازي مع وزارته، بعد إقالة عبد الجليل بن سالم منذ أشهر بسبب ما تم اعتباره يومها «عدم احترامه لضوابط العمل الحكومي وتصريحات مست بمبادئ وثوابت الدبلوماسية التونسية». والحقيقة أن الوزير المقال صرح خلال جلسة استماع له في لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية في البرلمان، بما مفاده أن «المدرسة الوهابية هي سبب الصراع وما يشهده العالم الإسلامي من تشدد وإرهاب»، وهو ما اعتبره البعض إساءة للعلاقات التونسية السعودية وتمت الإقالة على أساسها.
الأمن مستتب
ولعل اللافت في الوضع التونسي أن الأمن مستتب منذ مدة والأجهزة الأمنية تقوم بواجباتها على أكمل وجه بعد أن تم تكبيلها بالتعليمات زمن الترويكا. ويشعر التونسيون حقا بأن مؤسستهم الأمنية التي عرفوها على الدوام قوية وناجعة قد عادت إلى سيرتها الأولى، وينطبق الأمر على العسكريين في المناطق الحدودية الذين يبلون البلاء الحسن في تعقب وملاحقة الإرهابيين والقضاء عليهم.
لكن بعض المنظمات الحقوقية المحلية والدولية تتحدث في المقابل عن عودة للتعذيب في مراكز الأمن وأماكن الاعتقال والسجون، وإن كان هذا التعذيب ليس سياسة ممنهجة وإنما هي ممارسات فردية. وبالتالي وجب البحث عن معادلة تتم بمقتضاها محاربة الإرهاب والضرب على أيدي المتورطين فيه بقبضة من حديد دون استهداف الحقوق والحريات وهي معادلة جد صعبة خاصة وأنه يصعب انتزاع الاعترافات من المتورطين في الإرهاب للتبليغ عن متورطين آخرين وخلايا نائمة وأخرى تعد لأعمال تخريبية بـ«الطرق السلمية».
ويخشى كثير من التونسيين أن يتراجع أداء المؤسسة الأمنية بعد استقالة المدير العام للأمن الوطني السابق عبد الرحمن الحاج علي، لكن شيئا من ذلك لم يحصل وأداء المؤسسة الأمنية يسير من حين إلى أحسن. وهو ما انعكس إيجابيا على الحجوزات السياحية لهذا الموسم الذي بدأ الإعداد له مبكرا وذلك بالرغم من التقرير البريطاني الذي تحدث عن تقصير أمني تونسي في عملية سوسة الإرهابية التي راح ضحيتها سياح بريطانيون قبل سنتين.
روعة قاسم