جائزة دموع الجمهور

حجم الخط
0

في كلمته الختامية أمام لجنة التحكيم في مسابقة محبوب العرب «آرب ايدول» قال المتسابق اليمني عمار محمد، للسياسيين: «تعبنا. كفانا حروبا، وتشريدا، والله تعبنا، البيوت تخربت، والمدن تهدمت. أقول للسياسيين كفاية».
نسي حماسه للفوز باللقب، وعدد الأصوات التي يحصيها الكمبيوتر في آخر لحظة، ولم يتذكر إلا الدمار الذي حاق ببلده اليمن. الأرض التي يتصارع فوقها السياسيون بحثًا عن بسط نفوذهم، وتمول الحرب فيها الدول الشقيقة والصديقة، والإسلامية. ولم يكن الأكثر عجبا في المشهد صورة معجبيه التي تنقل في بث مباشر من جدة وليس من اليمن، فالأعاجيب كثيرة في زمننا هذا. الناس في واد والحكومات في واد آخر.
شاب طموح في بداية حياته قرر أن يكون سفيرا لأهله الذين فُرضت عليهم الحرب ليدفعوا فواتير أطماع وحسابات دول أخرى، وهم يعرفون تماما أنه عندما تنتهي الحرب بعد أن يموت الشباب وتترمل الصبايا ويتيتم الأبناء وتنتحب الثكالى وتدك البيوت وتتغير ملامح المدن وتضيع آثار الماضي العريق، لن يتذكر أي من الذين بدأوها تضحيات الناس، وربما لن يتذكروا السبب، فالأسباب كثيرة وتتغير، والناس يتغيرون، وعدو اليوم يصبح صديق الغد.
الدموع في عيون الجمهور كانت أكبر من الجائزة. لقد استفاد المطرب الشاب من تجربة مايكل مور المؤلف والمخرج والناشط السياسي الأمريكي، الذي انتهز فرصة حصوله على جائزة الأوسكار عام 2002 ليقول لجورج بوش الابن عار عليك عار عليك، ويتهمه بشن حرب على العراق من أجل أن يقلل من سعر غالون البنزين في الولايات الأمريكية سنتا واحدا. مايكل مور قدم فيلما يقول ببساطة إن الحرب على افغانستان كانت ذريعة لشن حرب ظالمة على العراق بدافع الحصول على البترول، ومساعدة شركات النفط والسلاح التي يرتبط بها هو وبوش الأب.
قصة تبني الفنان المثقف قضايا وطنه خاصة في حفلات الأوسكار التي يراها ملايين المشاهدين، قصة قديمة بلغت ذروتها في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وكان من أشهرها رفض الفنان مارلون براندو حضور حفل توزيع جائزة الأوسكار وارساله الممثلة ساشين فيدز لتقرأ رسالته التي قال فيها «ممتن جدا لهذه الجائزة السخية لكنني لن أستطيع قبولها بسبب المعاملة السيئة للهنود الحمر في مجال صناعة الأفلام». ودعم بهذا الموقف الهنود المحاصرين في ذاك الوقت في قرية جنوب ولاية داكوتا من قبل القوات الأمريكية. لم يكن هذا هو انحيازه الوحيد فقد انحاز إلى حركة الحقوق المدنية الأمريكية الافريقية.
في حفل الأوسكار أيضا وأثناء استلامها للجائزة عام 1978 قالت فانيسا ردغريف ردا على الحملة العنيفة ضدها من المتطرفين الصهاينة «زملائي الأعزاء أشكركم لأنكم تمسكتم بصمودكم العظيم والبطولي ضد الفاشية والظلم، وأعاهدكم بأنني سأواصل محاربة معاداة السامية والفاشية». كانت فانيسا قد قدمت فيلما وثائقيا تلفزيونيا بعنوان «الفلسطيني» عام 1977 دافعت فيه عن القضية الفلسطينية.
العديد من الفنانين، والرياضيين حققوا مكاسب هائلة، بتبنيهم القضايا الإنسانية، وعلى رأسها الحرب في فيتنام، ومنهم بالطبع محمد علي كلاي بطل العالم في الملاكمة الذي فضل تجريده من لقبه العالمي وايقافه عن اللعب ثلاث سنوات على أن يشارك في الحرب وقال «لا يمكنني خوض حرب تقضي على حياة الآخرين» راح من جرده من اللقب، وبقي محمد علي كلاي الأسطورة، واستعاد لقبه مرة أخرى وأصبح ملء السمع والبصر في العالم كله.
تعلم عمار محمد العزكي من هؤلاء فكسب القلوب. ربما تصل رسالته للساسة فيخشعون. صحيح أنك يا عمار يا صاحب الصوت المميز، لم تفز بالجائزة في المسابقة والبرنامج، لكنك كنت بالفعل محبوب العرب وبطل قضيتك العادلة، وستبقى في ذاكرة الناس للأبد وستلزمك مبادئك بالاجتهاد حتى تحافظ على ما خططت له في مسيرتك الأولى.

جائزة دموع الجمهور

هالة البدري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية