لماذا ضحكت ميركل في مصر وكشرت في تونس؟

حجم الخط
14

من تونس التي وصلتها قادمة من مصر في أعقاب زيارة للمحروسة دامت يومين، ألقت المستشارة الألمانية انغيلا ميركل واحدة من مواعظها المعروفة حول استبداد الباب العالي، وعبّرت عن قلقها وانزعاجها الشديدين من أن حرية الصحافة والتعبير «لم تحترم بشكل كامل في تركيا».
ورأت ايضا أن تذكر في سياق الرد على إعلامي سألها في قصر قرطاج عن قرار منع تجمعات مؤيدة لاردوغان في ألمانيا أنه بالإمكان «ان ننتقد تركيا في قمع الحريات». وعند ذلك الحد توقف كلامها المباح عن حال الحريات في الاناضول ولم تخض بعده في المزيد من التفاصيل، مفضلة ترك المجال للمتابعين والمهتمين حتى يخمنوا بانفسهم شكل تلك الانتقادات المطلوبة للحاكم المطلق اردوغان، ويعرفوا ما الذي كانت تقصده أو تعنيه من وراء قصة قمع الحريات، ودوس حرية الصحافة في تركيا، التي باتت تتردد في وسائل الاعلام الالمانية مثل اسطوانة مشروخة؟ ولماذا صارت تلك القيم والمعاني الان فقط بنظرها ثمينة ومهمة في اسطنبول، ورخيصة ومبتذلة بالمقابل في الدولة التي قدمت منها إلى تونس، أي مصر. ولحسن حظها لم يجرؤ احد من الصحافيين على احراجها وسؤالها عن حال حقوق الانسان والصحافة والحريات في بلد الاهرامات، وحال ربيعها العربي الذي صار نكتة تستحق ضحك الجنرال السيسي. لكن وعلى فرض أن موقفها الناري من تركيا كان مجرد رد عابر على سؤال عفوي لصحافي ألماني حضر مؤتمرها الصحافي في قصر قرطاج، فلماذا لم تشن المستشارة هجومها الضاري على الاتراك من القاهرة، التي يقف نظامها في الصف الرافض والمعادي لهم بشدة؟ هل خشيت أن يستفيد السيسي من تلك الهجومات لو انها تمت بحضوره وتوقعت انها قد تقوي شوكته ونفوذه، وتجمل بعض الشيء صورته الملطخة والمهزوزة؟ وهل أرادت في مقابل ذلك وبشكل ما أن تنبه مضيفيها التونسيين من عواقب التفكير باستنساخ اردوغان آخر وخطر اقترابهم من النموذج التركي، الذي بات يحرج الاوروبيين ويستفزهم؟ إن زبدة ما انتهت اليه جولتها في العاصمتين العربيتين تكفي لفهم جزء من حالة النفاق التي تستشري في ديمقراطيات الغرب، وتجعلها شديدة الضعف والهوان أمام لغة الصفقات والمصالح التي لا تعلو عليها لا قيم ولا اخلاق ولا مبادئ.
لقد كان الاختيار أن تبدأ الجولة من مصر وتكون تونس هي محطتها الأخيرة، بعد أن اعتذر الجزائريون عن استقبال الضيفة الألمانية. وفيما استغرق برنامج المباحثات واللقاءات في القاهرة يومين كاملين، كان نصيب تونس فقط ساعات قليلة ومحدودة من نهار الجمعة الماضي. ومن الواضح أن بضاعة السيسي كانت أكثر اغراء وجذبا للالمان، وكما قال إعلامي مصري في برنامج «من ماسبيرو» الذي تذيعه القناة الرسمية المصرية، وهو يفاخر بما رآه إنجازا واختراقا دبلوماسيا كبيرا فان «من كان يختلف معنا، اي مع نظام السيسي، فهو يرضخ الان».
وبنظرة سريعة إلى قيمة المشاريع والصفقات التي عقدها الالمان في زيارتهم للقاهرة، والوعود والأمنيات العظيمة التي امتلات بها جيوب التونسيين خلال نصف اليوم الذي قضته ميركل بينهم، نعرف أن دعم المانيا للربيع العربي وللديمقراطيات الناشئة لم يكن صكا مفتوحا على بياض، أو دليلا على انها مستعدة لان تضحي أو تساوم على مصالحها الاقتصادية والمالية في المنطقة . فبعد اكثر من ثلاث سنوات على انقلاب العسكر الذي وصفته المانيا حينها بانه» فشل كبير للديمقراطية» طالبة «عودة مصر في اسرع وقت ممكن إلى النظام الدستوري»، صار مستقبل شركة سيمنس وشقيقاتها أهم لها من مستقبل الانتقال الديمقراطي والحريات ومصير التسعين مليون مصري، الذين يعيش سوادهم الاعظم تحت وطأة الفقر والفساد والاستبداد. لقد اتاحت البراغماتية للالمان أن يدوسوا على ضمائرهم ويقفزوا فوق كل الموانع الاخلاقية والسياسية التي كانت تحول دون تنقل مستشارتهم إلى مصر للقاء جنرال اطاح بأول رئيس مصري منتخب.
ومن المؤكد انهم لن يسألوا ميركل إن كانت بحثت مع السيسي مسألة انتهاكات حقوق الانسان في مصر بقدر ما سيسألونها بشدة وصرامة عن المكاسب الاقتصادية والامنية التي حققتها في تنقلها إلى القاهرة. فما يهمهم ويشغلهم بالاساس من وراء كل ما يدور خارج بلدهم من محارق ومعارك هو الاسواق، وقد لا يعنيهم كثيرا إن كانت تحكم بقبضة من مخمل أو تمسك بيد من حديد، أو أن يكون على رأسها حاكم عسكري مستبد، أو رئيس مدني منتخب ومستنير ما دام باستطاعته أن يضمن للشركات والمصالح الالمانية موطأ قدم راسخ وثابت، ونصيبا مقبولا ومعقولا من كعكة الاستثمارات. وما يقودهم ويوجه بوصلتهم هو شرههم لاكتساح أكثر ما يمكن من الاسواق، وتحصيل اكبر قدر من اليوروات حتى لو كانت ملوثة بالدماء والالام.
وما يهتمون له بعد ذلك هو تأمين بلدهم وحدودهم جيدا مما صاروا يطلقون عليه تأسيا بباقي دول اوروبا هجمة «الاسلام الراديكالي» عليهم. واخر ما قد يفكرون به هو إن كان من المناسب أن تؤول السلطة يوما في الضفة الجنوبية للمتوسط لعسكري يعرف كيف يمسك الامور جيدا داخل بلاده، مثلما هو الحال في مصر، بل قد ينزعجون بالمقابل من دوشة البرلمانات وتعدد الائتلافات والاراء والمواقف داخلها، اذا مست مصالحهم أو تعطلت لبعض الوقت، مثلما حصل في تونس.
إنهم يريدون رجالا اقوياء يستطيعون الحسم بسرعة ويمكن التفاهم معهم بعيدا عن المناقشات المطاطة التي يتوزع فيها القرار على اكثر من طرف وموقع، وهذا ما لمحت له المستشارة في تونس، حين قالت في خطابها بالبرلمان التونسي «إن الاتحاد الاوروبي يريد التعامل معكم، لكن في إطار حكومة قوية». ولأجل ذلك بادرت هي بطرق باب الرجل الذي رأته قويا الان في تونس، حتى يجد لها الحل لمشكل الف وخمسمئة مهاجر تونسي غير شرعي باتوا يؤرقون المانيا ويقضون مضاجعها. لقد قالتها امام قائد السبسي واعادتها امام النواب، إما أن يرحل أولئك التونسيون طوعا، وساعتها سيمنحون مكافآت سخية، أو أن يبعدوا ويطردوا بالقوة إن لزم الامر. فلم تعد برلين مستعدة لتحمل بقائهم فيها، وهي بحاجة للتخلص السريع منهم بعد أن صار وجودهم على ارضها يعني لها أن هناك احتمالا ولو محدودا أن تتكرر حادثة الدهس.هل يعني ذلك أن الالمان سيساومون الديمقراطية التي طالما رددوا انهم يدعمونها بلا تحفظ؟ إن اتفاق ميركل مع قائد السبسي على ترحيل المهاجرين غير الشرعيين قد يصب في النهاية في صالح المستشارة التي تهاوت شعبيتها بعد حادثة برلين، ويدعم موقفها امام خصومها في انتخابات سبتمبر المقبل، مثلما أن زيارتها للسيسي ستقوي سلطته ونفوذه في الداخل وتثبت للمصريين أن العواصم الغربية لم تعد تنصت لشيء اخر عدا صوت المصالح. وبين المستفيدين الكبيرين يخسر الكثيرون في البلدين اشياء قد لا توجد في المواعظ المقبلة للمستشارة وهي حرياتهم وكرامتهم وحقوقهم.
كاتب وصحافي من تونس

لماذا ضحكت ميركل في مصر وكشرت في تونس؟

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية