ينبغي أن لا يتعلق الأمر باحتواء الجدل ولا الحرص على المساس بـ«الاستثمار» أو «بإرضاء» أي مجموعة سكانية او نخبوية بقدر ما ينبغي ان يعزز ثقافة المواطنة بصورة أولية وأساسية أو «بالمبدأ القانوني والأخلاقي».
أتحدث هنا حصريا ومرة أخرى عن جدل الأرقام الوطنية والمكونات الإجتماعية في الأردن وبصورة تفصيلية عن موضة انحسرت مؤخرا بغطاء وقرار سياسي محترم بعنوان «وقف سحب الأرقام الوطنية».
بنفس الحماس الذي رافقنا وغيرنا ونحن ننتقد وبقسوة كل إجراءات العبث بقيود المواطنين المدنية وجنسياتهم ووثائقهم نرفع القبعات ونصفق للتقاليد القانونية والدستورية التي تعلي من شأن النص القانون وتنطوي على احترام جنسية الأردني عندما يحصل عليها او يرثها بمعزل تام عن تلك الاجتهادات البيروقراطية المعلبة او الاعتبارات السياسية التي لا تمثل الأردنيين قيادة وشعبا ولا تشبههم خلافا لأنها لا تنتمي لتقاليد الدول المتحضرة وتتكرس فقط ضمن عائلة العزل والاقصاء.
أنا شخصيا عانيت من سلسلة لا متناهية من الاتهامات والتصنيفات المعلبة بسبب إهتمامي وفي عدة مواسم بالحرص على احترام السلطات لجنسية الأردني والدعوة لوقف كل مظاهر العبث بوثائقه وبطاقاته وقيوده المدنية.
وليس سرا في السياق ان مناخ الاستثمار والتنمية الاقتصادية في المملكة تأثر سلبا بتلك الإجتهادات البيروقراطية التي لا تمنح الأولوية لحقوق المواطن الدستورية وتؤدي لتطفيش الأردنيين الذين يديرون محفظة عملاقة ماليا في دول الخارج بسبب تبديل البطاقات وفوبيا الجنسيات. كنا دوما نقول ونؤمن بانه لا مستقبل لبلدنا ما دام الجهاز البيروقراطي يستطيع وبجرة قلم حرمان اي أردني من جنسيته وحقوقه الدستورية وبدون تبرير او مسوغ لا أخلاقي ولا قانوني ولا وطني وبموجب «تعليمات سرية» تنمو كالخيار المهرمن في الظل والظلام ولا يعرفها البرلمان ولا تعرض على الجمهور.
وليس سرا ان رئيس البرلمان عاطف طراونة مثلا أخفق في إحضار نحو 2000 رجل اعمال ومقاول كبير من بلد واحد هو السعودية بسبب الإصرار البيروقراطي على عدم توفير ضمانات لوثائقهم وإقاماتهم في البلاد.
بعض الأوضاع هنا تغيرت وبعض «العقليات» في الإدارة بدأت تدرك ما حذر منه كثيرون في السياق بعدما أظهرت مكونات إجتماعية حرصا شديدا وتراكميا على النظام والدولة والاستقرار والأمن ورفضت المشاركة بكل زفة الربيع العربي وفي عدة مراحل حساسة.
لسنوات عديدة شوهت وأساءت قرارات سحب الجنسيات السمعة والمصالح عندما استهدفت أوفياء من الأردنيين بعضهم يسعى في مناكبها في الخارج ويحول دولارات تستفيد منها خزينة الدولة وبعضهم الآخر يقيم كالرمح في خاصرة العدو والإحتلال الإسرائيلي.
لسنوات كان الجدل حول هذا الموضوع من الوزن الذي لا معنى له والمجاني واقرب لصيغة ابرهة الأشرم «عندما يجدع المرء انفه بيديه» حيث مستويات بيروقراطية يتسلى بعض رموزها بالتمييز بين المواطنين وتهديد حقوقهم الدستورية تحت ذرائع وحجج واهية لا تنتمي للعقل ولا تحافظ على الأردن ولا تؤدي لتحرير فلسطين.
نعم وبوضوح لابد من الإشادة وبنفس الحماس بتلك المساحات البيضاء التي تظهر في الإدارة الأردنية اليوم مخلصة وهي تحاول وقف جدل الجنسيات لأغراض مصلحة البلاد والعباد.
عندما يطلع المراقب على الكتاب الأخير لوزيرالداخلية غالب الزعبي والموجه ردا على استفسار تقدم به عضو مجلس النواب محمد ظهراوي لا يملك المراقب إلا الانحناء للصيغة الدستورية التي يتحدث بها وزير داخلية من وزن هذا الرجل الذي يحظى باحترام الجميع.
يرسم كتاب الوزير الزعبي الحدود جيدا وبروح مسؤولة ويحافظ على ثوابت القانون عندما يقول بوضوح بان الدولة الأردنية قررت احترام مؤسساتها عندما حصرت سحب الرقم الوطني وإعادته بمجلس الوزراء صاحب الولاية العامة، الأمر الذي يحرم ضمنيا موظفين من الدرجات الدنيا بعضهم يفرط بالحماسة الوطنية وقلة منهم يتاجرون بالجنسيات من اتخاذ قرارات بحجم سحب الجنسية من عوائل بأكملها على ان تكون الجهة المانحة والحاجبة للرقم الوطني والجنسية هي جهة مسؤولة دستوريا ويمكن الطعن بقراراتها لدى القضاء.
نقولها بصراحة وبوضوح..هذا هو الشكل الذي نريد نحن الأردنيين ان تكون دولتنا عليه..وهذه هي الصيغة التي نتصور انها الأقرب لدولة القانون والمؤسسات حيث يسحب القيد المدني بقرار معلن يمكن تفسيره ويتاح للضحية مراجعة القضاء وبالتالي استعادة حقه عند حصول خطأ في القرار الإداري.
نحترم ما يفعله وزير داخلية المملكة الأردنية الهاشمية بهذا الخصوص ونحترم المعيار القانوني المرجعي الذي قررته حكومة الرئيس هاني الملقي بهذا الخصوص.
ونأمل ان يكمل صاحب القرار المرجعي فضله الذي يحتاجه مستقبل الأردن بتثبيت هذه المعايير القانونية الأخلاقية وبوضع مسطرة تشمل جميع المعنيين بالقيود المدنية وبطاقات الجسور حتى لا يعبث من يتاجر سياسيا وإعلاميا بقصة سحب الجنسية أو من يبالغ ويفرط في الحديث عنها.
نأمل ان يكتمل الفضل بقرار وغطاء سياسي لا لبس فيه يمأسس ويقونن كل ملف بطاقات الجسور وجهاز المتابعة والتفتيش ومسألة الرقم الوطني والجنسية وبصورة قطعية ونهائية لا رجعة فيها.
طبعا ـ وهنا ننصح بعد الشكر ـ لن يحصل ذلك بدون إتخاذ قرار سياسي جريء لا علاقة له إلا بالاعتبارات الوطنية الأردنية العليا يعلن ونهائيا ليس فقط «تجميد» بل إلغاء ووفاة «التعليمات السرية» المقررة كملحقات بقرار فك الارتباط الإداري والقانوني بالضفة الغربية حيث نعمل جميعا أردنيين وفلسطينيين بالضوء بعيدا عن العتمة بالتوازي مع مأسسة عمليات التصويب الجريئة التي تعيد لكل من ظلم او قهرت جنسيته حقه.
٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»
بسام البدارين