مع كل هذا الكم الهائل من جنرالات الفضاء المصري، من إعلاميين ومقدمي برامج حوار من رتبة واعظين وطنيين ومستويات المخبرين السريين من أبواق السلطة والبروباغندا، إلا أن وجود إعلام حقيقي ومحترم لا يزال حقيقة، ووجود صحافي إعلامي تلفزيوني يحترم نفسه وتاريخه وعائلته واقعي أيضا، بل وإن إعلاميا واحدا من هذا النوع قادر على أن ينافس عشر برامج بفضائياتها مجتمعة في الحضور والرسوخ في الوجدان بمهنية واهتمام.
مرة أخرى، يدهشني الإعلامي المصري معتز الدمرداش، وهو يدير برنامجه الحواري «تسعون دقيقة» برباطة جأش وبلا انفعال، بل أنه في مقدمة حلقته الأخيرة،التي تحدثت عن الأزمة بين البرلمان والصحافة أكد أن حوار الحلقة جزء من رأب الصدع لا لإثارة الفتنة أكثر… وهذا لعمري دور الإعلام، الذي انقرض منذ بدأت فضائيات العرب باستنساخ «أسواق عكاظ» ومعاركها اللفظية وهجائياتها المقذعة.
في الحلقة، التي تابعتها، وكان الضيوف فيها صحافي عضو نقابة، والآخر كان نائبا في البرلمان… حاول النائب «وهو خير صورة تعكس واقع مصر السياسي الآن»، الدفاع شخصيا وباستماتة عجيبة عن رئيس مجلس الشعب المصري، الذي هاجم جريدة «الأهرام» وإدارتها، كما رفع باسم المؤسسة البرلمانية قضية ضد الصحافي المصري المثير للجدل ابراهيم عيسى، على خلفية مقال سخر فيه من البرلمان.
الصحافي كان حذرا أول الحلقة في طروحاته النقدية، ولا ألومه في ظل قمع حريات قد يفضي إلى الحبس ومجلس شعب تخلى عن دوره في تمثيل الناس إلى قمعهم، لكن الصحافي أطلق العنان لشجاعته في النصف الثاني من الحلقة بعد ملاحظته تلك الإدارة الشجاعة والهادئة والجريئة من الدمرداش وهجومه المهذب والشرس في الوقت نفسه على موقف البرلمان المصري.
لم تكن هناك شتائم، ولا سباب، ولا صياح انفعالي على طريقة صراع الديكة، بل حوار ثري ورفيع المستوى لم يخل من التشويق والكوميديا من خلال حجج البرلماني المسكين، الذي أخذ وقته تماما بطرح كل طروحاته التي كشفت عقلية وذهنية التفكير في النخبة التي تحكم مصر.
الفضائية الألمانية وفخ الإعادة
كتبنا مرة أن ما يميز قناة «دوتشة فيله» الألمانية بقسمها العربي، هو تلك البرامج الوثائقية والتسجيلية التي تنتجها أو تبثها على فضائها، ولكن يبدو أن القناة الألمانية أخذت الموضوع على مأخذ المبالغة والغلو، إلى درجة أنني قبل شهر كنت أتابع فيلما تسجيليا على القناة يتحدث عن أطول رحلة باص بين المحيطين الأطلسي والهادي في أمريكا اللاتينية، من البرازيل إلى البيرو، والتسجيلي كان ذكيا ومشوقا، ترافق فيه رحلة الباص وركابه العاديين جدا في رحلة طويلة جدا، مع ما يتخللها من محطات توقف وساعات نوم وأحداث مشوقة، وأماكن جغرافية جميلة.
وطوال شهر، صارت القناة تعيد بث الفيلم نفسه في أوقات مختلفة من اليوم، وصادف أني أنشغل بالكمبيوتر وقد نسيت تغيير القناة مثلا، ليضطر عقلي الباطن وأنا منشغل بالكتابة أن يعيش الرحلة بكل تفاصيلها أكثر من مرة، إلى درجة أني وصلت بعد شهر من الإعادات مرحلة أجدني فيها أشعر بألفة وحميمية مع ركاب الباص وأغلبهم من البيرو، صرت أحس أنهم عائلتي ومرات أفكر فعليا بالبحث عن حساباتهم الفيسبوكية لإضافتهم إلى خانة العائلة الواحدة وقد تشربت حياتهم في الباص لمدة شهر.
لقد رافقت كمشاهد مغلوب على أمره، الباص ثلاثين يوما مكررة في رحلته بين المحيطين، وأعتقد جازما اني قادر على قيادة السيارة في ذات الطريق مغمض العينين.
الأسبوع الماضي، بثت القناة أيضا تسجيليا وثائقيا مبهرا عن حياة الأسطوري غابرييل غارسيا ماركيز، وأخشى أن تتكرر الحالة في إعادة الفيلم ذاته لفترة من الزمن حتى نصل إلى كتاب يكتبه ماركيز نفسه من قبره بعنوان «مائة عام من الإعادة».
حملة إعلامية للترفيه في السعودية
بصراحة، أدرك حجم صعوبة الإعلام السعودي «المحلي والفضائي المقنع» وهو يحاول التأثير على رأيه العام المحلي في عملية تغيير قناعات قديمة وراسخة نشأت عليها الدولة السعودية أساسا، وها هي اليوم تصطدم بواقع الحاضر، الذي لا يمكن القفز فوقه بالغيبيات والكتب القديمة.
في بيئة متشددة، يكون الترفيه مثلا فيها ضربا من الكبائر، فإن هضم القرار السعودي الأخير بهيئة رسمية للترفيه في المملكة، يحتاج إلى إسناد إعلامي مهما تذاكى في طروحاته فإنه في مهمة شاقة جدا.. فهو الإعلام ذاته الذي كان يبث فتاوى الشيوخ السلفيين بكراهية الترفيه إن لم يكن تحريمه!
وها هو اليوم على قناة العربية (التي سمعت أنها بيعت للمؤسسة السعودية للأبحاث والنشر)، من خلال برنامج «توجيهي» اسمه «مرايا»، يحاول فيه تمرير مصطلح ترفيه كجزء من التاريخ السعودي، ويعرض كل ما أمكن له من تسجيلات نادرة لألعاب شد الحبل بل وتسجيل للقطات قصيرة فيها الملك عبدالعزيز يتابع مباراة كرة قدم محلية.
ما يحدث، هو تحديدا معضلتنا الثقافية في تحريك الراسخ «لا الراكد» من المفاهيم التي أخذناها مسلمات، مع اعتقادنا الأزلي الدائم والضرورة بأننا الأفضل والأميز على هذا الكوكب، دون التحرك ولو خطوات نحو واقع الكوكب نفسه.
بصراحة، قد يكون خطاب «العربية» في توضيح معنى الترفيه، مفهوما في توجهه لمجتمع مغلق لن يصمد أمام موجات المعرفة الدافقة كثيرا، لكن الخطاب للمشاهد العربي يصبح مهزلة وهو يعيش الترفيه في واقعه الدموي كل يوم بيومه.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة