حياة مليئة بالغياب

حجم الخط
0

حياة مليئة بالغياب

زياد عدوانحياة مليئة بالغيابلا أعرف متي غاب محمد الماغوط عن حياتنا. ربما بدأ غيابه عندما قرر الاعتكاف في منزله مع كآبته، أو بدأ عندما تهكم الآخرون علي مزاج الشاعر، أو قد تكون بداية رحيله عندما توقفنا عن قراءته، وعن شراء كتبه و تشجيع أصدقائنا علي قراءته.من أين للماغوط هذا الرحيل كله؟هل بدأ رحيله عندما رحلت زوجته سنية صالح؟ في الآونة الأخيرة جرت العادة أن يتحدث الجميع ممن يهتمون بالشعر والمسرح، عن مزاج الماغوط واعتكافه وانتقاد الجوائز التي تمنح لاسمه دون أن يتطرق أحدهم للحديث عن نتاجه الشعري والمسرحي. بات الماغوط متداولاً في الجلسات والسهرات أكثر وأكثر كلما ازدادت أحاديثه الصحفية وجوائزه. واستمر الأمر بهذه الصورة، الماغوط يزداد مزاجية وجوائز واعتكافا، وتزداد المراهقة الساخرة والمستنكرة لوجوده ليعوما علي المشهد الشعري والمسرحي وعالم الجوائز في سورية. والتصقت تهم لها علاقة بالتنفيس وموالاة السلطة بمسرح الماغوط، وأصبح هذا المسرح أسير التصنيفات التي كانت تفرز ولا تزال تفرز المسرح إلي مسرح جاد من جهة ومسرح غير جاد أو هزلي أو تجاري أو … أو … أو.، فأضاع هذا التصنيف الفرصة لرؤية مسرحيات الماغوط بطريقة جادة أو علي الأقل الاستمرار بمحاولة مسرحية بدأها الماغوط وتعتمد البساطة والأنماط المسرحية، وانعدمت الدراسات الجادة عن مسرحه، وتجربته مع دريد لحام وكأن شأنها أقل من أن يدرس. وازداد الأمر سوءاً مع تهمة التنفيس وتشويه المسرح السياسي. وحتي أن المعهد المسرحي في دمشق تجاهل هذه التجربة كما تجاهل العديد من التجارب المسرحية علي قلتها، ولم تستطع أن تتناول مسرح أي كاتب بموضوعية بعيداً عن السجالات التي تدور حول مزاجيته، والآراء الشخصية عنه. لا بد من الإضافة هنا أن تجربة الماغوط المسرحية كانت أسيرة الهم السياسي والهم العام كما هو حال المسرح السوري في الستينات والسبعينات. هذا الاتجاه السياسي للمسرح هو أحد الاتجاهات التي يمكن للمسرح أن يخوض بها ولكنها كانت الموضة المسرحية وقتها. وبالطريقة نفسها التي فرضت فيها السياسة والسياسيون أنفسهم علي كل المنازل والأحاديث والمشاعر السورية عبر تحريمها، فرضت السياسة نفسها علي المسرح. ومضي المسرح إلي الانتقاد والصراخ ومضي الشعر إلي الانكفاء والاكتئاب. فأصبح معني الشعر سوداوياً ومعني المسرح هو الثورة. لا أريد من كلامي هنا أن أفضل بساطة تجربة الماغوط المسرحية علي التجارب الأخري، ولكن لا بد من القول إن إلغاء مسرحه من المشهد المسرحي السوري (الشاب) هو أبعد ما يكون عن المسرح بصلة. ولا يمكن تجاهل البساطة والأنماط في المسرح لمجرد أن الرؤية المسرحية المنقوصة في دمشق والتي تتمتع بأربعة مسارح فقط لم ترد أن تقبل به كنوع من أنواع المسرح. والمفارقة أن من ينتقد الشمولية وإلغاء الآخر علي المستويين السياسي والاجتماعي بصخب مستمر هو نفسه الذي يلغي مسرح الماغوط من مناهجنا ومن ثقافتنا، كونه أبعد ما يكون عن رأيه بالمسرح وبالمسرح السياسي. من المخجل الآن أن أقول إن غيابه الأخير سيكون السبب لعودتي لقراءته ومشاهدته مرة أخري، ولكن هذا ما حصل… رحيل محمد الماغوط السابق والبطيء باعتكافه وكآبته لم يوقظ فضولي لأعرف هذا الشخص المعتكف في بيته والذي ينتقده من حولي، وبقيت مكاني أتعرف علي الماغوط عبر الأحاديث التي تدور حولي عندما أعود إلي سورية دون قراءته. كم من المخجل لشاب من عمري يدرس المسرح أن يعرف عن حيثيات ثراء الفاسدين في سورية أكثر مما أعرف مسرح الماغوط وشعره. من أين للماغوط هذا الرحيل كله؟ومن أين يأتي الغياب بهذه القدسية كلها، وكيف لي أن أعتذر لشخص بهذا الرحيل؟هناك الكثير من الأسباب التي منعتني عن قراءة الماغوط جدياً، ولم يكن هو أحدها، بل كانت غالبيتها متعلقة بما يدور حول الماغوط، ولهذا أعتذر لكل المحاولات المسرحية السورية.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية