تونس ـ «القدس العربي»: في الوقت الذي تشهد فيه الأنشطة الثقافية التي تشرف عليها وزارة الثقافة التونسية ضآلة في العدد وتهافتا في المضمون واختلالات في التنظيم، لعلّ من مظاهرها استقالة آمال موسى مديرة الدورة 53 لمهرجان قرطاج الدولي، بسبب ما سمّته وصايةَ وزير الثقافة محمد زين العابدين على المهرجان عبر سعيه إلى تهميش دورِها والضغط عليها من خلال الوصاية والعنف الرمزي وتجنيد بعض مستشاريه لتمرير إملاءاته، إضافة إلى كثرة انتقادات المثقفين لعملية انتقاء الأعمال المرشحة في القائمة القصيرة لجائزة الشعر في الدورة الحالية لمعرض الكتاب في تونس ومطالبتهم باستقالة مديره،
تحرص بعض المؤسّسات الجامعية بمدن الدّاخل التونسي على خلق فرص لتنشيط الفعل الثقافي بفاعلية إنجازية عالية، رغم شُحّ الموارد المالية على غرار مبادرة مدرسة الدكتوراه في كلية آداب عاصمة الأغالبة القيروان، حيث انطلقت يوم الثلاثاء 7 آذار/مارس الجاري أشغال ندوة علمية بعنوان «النص والسياق» أشرف على تنظيمها الأساتذة رضا بن حميد وسمير السحيمي ومحمد طاع الله ومنية عبيد، بدعم من رئاسة الجامعة وعمادة الكلية. وقد شاركت فيها نخبة من الباحثين العرب من تونس والجزائر والمغرب ومصر ولبنان. وتستمر أشغال هذه الندوة على امتداد ثلاثة أيام متضمنة ثماني جلسات فيها أكثر من خمسين مداخلة تتخللها مناقشات من قبل جمهور من طلبة المرحلة الثالثة ومثقفي مدينة القيروان وبحضور جَمْع من الإعلاميين.
بعد افتتاح الندوة بكلمة عميد الكلية، حدد رضا بن حميد مدير مدرسة الدكتوراه محاوِر هذا اللقاء الفكري بتأكيد ما للنص من علاقة حميمة بسياقاته على المستويات المفاهيمية والبلاغية واللسانية والإشارية، التي تسهم جميعها في إنتاجه، مع التشديد على ما لمثل هذه الندوات العلمية من دور في عَضْدِ الدرس الجامعي وتحفيز الطلبة لأنْ يستفيدوا من تواصلهم المباشر مع الباحثين العرب. بعد ذلك أُعطيت الكلمةُ للمشاركين فألقى المغر محمد خطابي مداخلة ناقش فيها مسألة الفاعلية النصية في توليد السياق وتجدُّده منطلقا في ذلك من قصيدة كعب بن زهير في مدح الرسول، ومستعرضا الحيثيات المُنتجة لهذه القصيدة التي أسهمت في خلق دينامية شعرية كبرى أنتجت قصائد معارِضة لها على مستوى الفصيح والعامي وانتشرت في العالَم الإسلامي عبر سيرورته التاريخية وامتداداته الجغرافية. وختم الباحث مداخلته بأسئلة متصلة بأهمية معرفة الشروط المنتجة للنص في تبيّن عمليتيْ تلقيه وتأويله.
أما المصري حسين حمودة فعالج في ورقته العلمية تحولات السياق ودوره في اختبار حدود النوع الأدبي ممثِّلا لذلك بمجموعة من المتون النصية العربية والأجنبية التي كانت تخترق حدودَها الأجناسيةَ بسبب تغيّر سياقات إنتاجها. ومن جهتها أبرزت الباحثة التونسية منجية عرفة منسية طبيعة السياق المذهبي في علاقته بالنص العلمي مستشهدة على ذلك بمجموعة من المواقف والحالات التي جعلت النص العلمي يخضع للسياقات المذهبية السائدة.
وتطرّق التونسي الطاهر بن يحيى في الجلسة الثانية من الندوة إلى تأكيد إكراه المقام في بناء بلاغة الخطاب السياسي العربي القديم، ذاكرا مجموعة من الخطب المنبرية التي كان الخطيبُ يُكيّف فيها مضمونَ خطبته لاعتبارات سياقية فرضتها مستجدات الواقع السياسي آنذاك، إذ كان ينتقل من الإشادة بالشيء إلى التشهير به أو العكس، مختلقًا ما يناسب من المسوّغات البلاغية لتبرير تناقضه ذاك. أما المغربي عبدالكبير علاوي فانصب جهدُ مداخلته على إبراز دور المقام في الكشف عن المعنى في الخطاب الإشهاري، مُركِّزا على طبيعته الأيقونية في تأثيرها على مختلف حواس المتلقي، لاسيما في الترويج للسلع الاستهلاكية، متوقفا عند جدلية الإظهار والإخفاء التي تعتمدها بلاغة الخطاب الإشهاري. وانتبه الباحث التونسي رمضان العوري إلى تجليات السياق في الخطاب المسرحي ورهاناته الاجتماعية والسياسية والجمالية من حيث تجسُّدِها، سواء في النص أو على الركح، بل إن النص الواحد، على حدّ رأي الباحث، قد يغيّر أحيانا من رهاناته بسبب اختلاف سياق عرضه وموقف مًخرجه من واقعه. وتمحورت مداخلة عبدالرحمن تمارة حول إنتاج التأويل بالسياق لدى النقاد القدامى مركزا على المشروع البلاغي عند عبدالقاهر الجرجاني. وخُتمت الجلسةُ العلمية الثانية بمداخلة عبدالدائم السلامي التي بحث فيها مكوِّنات شخصية النص الأدبي عبر مجموعة من الفرضيات والأسئلة المتصلة بهُوية النص وعلاقته بجنسه الفني. وذهب السلامي إلى القول بأن كلّ شيء هو سياق، بل إن السياق إنما هو حكاية النص وهو يتخلّق ويستشري بين القُراء، وهو إذْ يساهم في إنتاج النص فإنه كثيرا ما يتعرض لانتهاك من قِبَل النص ذاته في إطار جدلية مستمرّة هي جوهر تطوّر الكتابة الإبداعية وتخليقها لمنظومة قيم جديدة مناسبة لحاجات معيش الناس.