يوميات من بغداد

حجم الخط
1

بغداد 5 شباط/فبراير 2017
أتمشى في حي «الكرادة – داخل» مع صديق عزيز. نعبر الشارع بقرب مول الهادي الذي فجر السنة الماضية. مات في الانفجار أكثر من 500 عراقي. أشم رائحة الموت. يسطع الهلال خلف بناية المول المحروقة. ماذا أتمنى لكِ يا بغداد وانتِ كنخلة باسقة محملة ببلحٍ طيب المذاق؟ أراك ِتحترقين. آه يا وجعي عَلَيْكِ.

بغداد 8 شباط/فبراير 2017
يُصَيِحُ علي سائق التاكسي بحرارة وينظر إلي في المرآة «ست صباحنا ورد إنْ شاء الله» أرد : إنْ شاء الله ،
أي وردِ أيها الطيب وشوارعُ بغداد تملأها النفايات؟
يسَبِح السائق بأسماء الله.
أشعر كأنني أجلس في مسرح سريالي متنقل، تتراوح المشاهد بين رعب ودهشة. انبهار واستغراب، فرح وحزن، موسيقى هابطة واُخرى عذبة، سكون وضوضاء.
أصل إلى الدائرة الحكومية قبل الموظف المسؤول عن معاملتي وأنتظر في مكتبه. يطل علي بابتسامة مفتعلة، تجلب له زميلته كوب شاي بالحليب ساخن وتسأله هل يرغب بأكل الجبن أم القيمر. يمد يده في جيبه ويعطيها بيضة من جيب جاكيته البني ويقول لها مللنا من الجبن والقيمر اليوم الفطور بيض. كان بودي أن أسأله هل البيضة مسلوقة أم نية وكيف حملها إذا كانت نية دون أن تنكسر. تستلم زميلته بالعمل البيضة. تضحك وتقول «ليش ما جبت بيضتين أستاذ؟»
تماطَلَ الأستاذ بمساعدتي وليس لدي خيار سوى الانتظار. وجوه متعبة في قاعة الانتظار وأنا الوحيدة غير المحجبة.
بل أيام حضرت عزاء إحدى القريبات. تربعت على الأرض في دائرة تضم أكثر من ثلاثين امرأة وكنت الوحيدة غير المحجبة بينهن. تجلس بجانبي إحدى السيدات تسألني عن صلة القرابة لقريبتي، أخبرها. بدأت محاضرة عن الدين والحجاب وضرورته لكبار السن مثلي وكيف سأعاقب بعد الموت. كيف أفهمها بأني لا أشعر بكبر سني.
تضيف هل تعلمين بأنَ كبيرات السن مثلك إذا لم يلبسن الحجاب وتوافيهن المنية يمتن كفاسقات. لم أرد عليها فمزاجي كان سيئا بشكل غير معقول ولو رددت لضربت رأسها أو رأسي بالحائط. عن أي فسق تتحدث هذه السيدة والعراق يحكمه فَاسِقُون وقتلة ومجرمون؟ رددت بسري أغنية ليه خلتني أحبك. أبتسم وأتساءل هل أغني هذه الأغنية لبغداد أم للذي أحَبَهُ قلبي؟
أتعبني الانتظار من مكتب إلى آخر. أواجه بالاستهتار بالوقت وبالبشر. أية أمة كنّا وأية أمة أصبحنا؟ محزن ما آل إليه الوضع. تسألني إحدى الموظفات عن السويد وكيف هي حياتي هناك. أجيبها بأن قدمي لم تطأ أرض السويد. لا تصدقني، وتضيف بأنني أشبه القادمين من السويد.
أترك الدائرة. أجلس على دكة رصيف متآكلة خلف الدائرة في مكان منعزل. أجهش بالبكاء. لم تفقد شمس بغداد دفأها، زقزقة عصافير بغداد الفرحة بدفء الشتاء والتي تستحم ببركة صغيرة في حديقة جدباء وشمسه الدافئة ومكالمة تلفونية من صديق بغدادي أصيل تحسن مزاجي. أردد دوام الحال من المحال يا بغداد. لم يدم الظلم سابقا ولن يدوم الآن. الفـرح آتٍ لا محالة.

كاتبة عراقية

يوميات من بغداد

نسرين ملك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية