مصطفى العبادي الذي ترك لهم مكتبة الإسكندرية

حجم الخط
3

في مقابلة معه أجريت عام 2011 لم يجد مصطفى العبادي ما يفاضل به زمن الملكية في مصر عن زمن ما بعدها، إلا القرار الذي اتخذه ناظر مدرسة الرمل الثانوية بطرد شريف ذو الفقار، شقيق الملكة فريدة، لأنه دخل إلى فناء المدرسة بسيارته الخاصة.
«تخيل لو جرت حادثة مثل هذه في أيام حسني مبارك؟» تساءل العبادي، بعد إزاحة الأخير عن رئاسته على الأغلب. كان ذلك في معرض عودة العبادي إلى تأكيد ما كان المبادر إليه، ابتداء من عام 1972، وهو إعادة إحياء مكتبة الإسكندرية بعد قرون كثيرة على تدميرها وهدمها. أما من كان ناكرا عليه ذلك الحق في هذه الجوله، فهو أحمد فتحي سرور الذي، في ما سبق أيضا، كان رئيس مجلس الشعب.
قال سرور أنه هو صاحب فكرة بعث المكتبة، وذاك لأنه كان وقتذاك وزيرا للتعليم، وكل ما يعود إلى أعمال الوزارة يجب أن يحظى برعاية الوزير، ثم بموافقته وتوقيعه.
تلك كانت جولة، في جولة سبقت لزم العبادي الصمت، حين كتب أحد الصحافيين الكبار أنه، في سعيه لإعادة إحياء المكتبة، «كان يقرأ أفكار سوزان مبارك». «وقد ضحكتُ كثيرا يومها»، قال، سائلا كيف وأين كان ممكنا له أن يقرأ تلك الأفكار منذ عام 1972، أيام لم تكن سوزان مبارك رئيسة أولى. كانت مكتبة الإسكندرية مشروع حياته، منذ ما قبل أن دارت فكرتها في خاطر رئيس الجمهورية أنور السادات في 1974. أما ما أثار تلك الخاطرة في رأسه فهو سؤال الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون للسادات أثناء زيارتهما الإسكندرية: أين كانت مكتبة الإسكندرية، ولم يجد من بين المصريين المواكبين في تلك الزيارة من يعرف أو من يستطيع أن يخمّن مكانها. وقد طلب من العبادي إثر ذلك أن يعد دراسة عن المكتبة في تاريخها القديم. كان أستاذا في جامعة الإسكندرية آنذاك، وبخلاف الدراسات التاريخية والأركيولوجية المتركزة كليا على الدراسات الفرعونية، كان هو مختصا بالتاريخ اليوناني – الروماني.
في 1988 وضع حسني مبارك حجر الأساس للشروع في بناء ما كان يعرف تاريخيا بـمكتبة الاسكندرية. كان مصطفى العبادي يتابع يوما بيوم التفاصيل المتعلّقة بذلك المشروع التاريخي الذي تولّت تمويله والإشراف على العمل فيه منظمة اليونسكو، وهيئات أخرى دولية، وتولت تنفيذه شركة سنوهيتا النرويجية بميزانية 220 مليون دولار. في كل مرحلة من مراحل ذلك المشروع، بدءا من إقناع الهيئات المشرفة والممولة مرورا باختيار المكان الذي ستقام عليه المكتبة، وكذلك بهندستها الداخلية وبنائها الخارجي إلخ، كان مصطفى العبادي هناك. وهو، بعد الانتهاء من بنائها، أهدى إليها مخطوطة عن جوستنيانوس كان يملكها وتعود إلى القرن السادس عشر، لتكون أول ما يوضع على رفوف المكتبة، قبل أن يعقب المخطوطة بستة آلاف كتاب، هي مجموع ما في مكتبته ومكتبة زوجته أستاذة الأدب الإنكليزي في جامعة الإسكندرية ذاتها. كما أنه، في أوقات تبعت، قام بحملات جمع أموال لشراء مئات المصنفات التي تعود إلى بدايات المسيحية.
ما سعت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى قوله في مقال عن العبادي نشر في 28 شباط/ فبراير الماضي يتعلّق باستحواذ السلطات على كل إنجاز ونسبته إلى رجالها، ومن ثم إبعاد من قاموا بأقصى جهودهم لإنجازه. في يوم افتتاح المكتبة، الذي حضره ملوك ورؤساء من العالم، لم يُشاهَد العبادي في الحفل. لم يُدْعَ، حسبما نقلت الصحيفة، كما لم تأت صحيفة واحدة آنذاك على ذكر اسمه. منى حجاج، إحدى تلميذاته ورئيسة قسم الآثار اليونانية والرومانية في جامعة الإسكندرية قالت إن ذلك الإنجاز «تحوّل إلى أن يكون إنجاز الرؤساء، الذين يقصّون الشريط، ويقفون في مقدمة المنصّة المشرفة على الافتتاح».
كان يظنّ العبادي أن الفكرة المبدعة المتعلّقة بالثقافة والتاريخ يمكن أن تُستثنى مما يكتب في لوحات التأسيس التي تلصق حاملة اسم الرئيس أو الملك أو السلطان. في أحاديثه ومقابلاته لم يكن يفوّت ذكر الديمقراطية التي كأنها ضيّعت زمنها، فكانت هناك، في زمن ما قبل شيوع فكرتها عندنا، أقوى مما هي الآن، في الزمن الذي لا تغفل الدساتير والقوانين عن ذكرها. دليله على ذلك تذكّره لوقوف طه حسين أمام الحشد الذي كان قدم لافتتاح جامعة الإسكندرية في 1942. كان الملك فاروق حاضرا آنذاك. صحيح أنه كان في مقدّم الصفوف، لكنه كان مستمعا ومصغيا. وانصرف في نهاية الحفل مع المنصرفين تاركا أمر الجامعة لأهلها.
وأنا أقرأ مقابلة العبادي التي جرت في حزيران/يونيو 2011 استوقفني ذكره للحظة من أطلق عليه عميد الأدب العربي، ليس فقط لتبيانها ما اختلف بين الزمنين، بل للشعور بالحيف إزاء تلك المقارنة بينه وبين طه حسين الذي لم يستطع أولئك الجدد إطفاء ذكره.
في 13 فبرايرالماضي توفيّ مصطفى العبادي إثر قصور في عمل القلب. المقال في «نيويورك تايمز» تأخر 15 يوما عن مواكبة الوفاة، أما هنا، في الإعلام العربي، فمرّت المناسبة من دون تعليق ولا خبر يفيد.

٭ روائي لبناني

مصطفى العبادي الذي ترك لهم مكتبة الإسكندرية

حسن داوود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية