ثمة خصوصية للشأن المصري سرعان ما تجعل تحولاته المعقدة وغير المتوقعة غالبا، محل اهتمام اعلامي وسياسي كوني، بالنظر الى معطيات جيوسياسية وثقافية جعلت هذا البلد مصدر الهام اساسي في هذا الجزء من العالم، خلال الاربعة الاف عام الماضية، وهو واقع من غير المحتمل ان يتغير في المستقبل المنظور.
وربما يستفيد بعض المصريين من هذه الحقيقة في كبح حساسيتهم التقليدية تجاه تدخل الاخرين في شؤونهم، الا ان تكاثر ‘الخبراء الجدد’ في الشأن المصري مؤخرا، خاصة على الفضائيات، اوضح افتقار بعضهم للحساسية الثقافية والسياسية، بل والانسانية في تناولهم للتطورات الاخيرة في هذا المشهد المعقد، وكذلك جهلهم او تجاهلهم لحقائق وعناصر اساسية في تلك التطورات، بالاضافة الى تعمدهم عدم احترام ارادة اغلب المصريين انتصارا لمصالح ضيقة او اجندات ايديولوجية او سياسية او اعلامية.
تبدو قراءة موضوعية للمشهد السياسي المصري الحالي مستحيلة، دونما الاستعانة بالاطر الاجتماعية والاقتصادية، والاهم الثقافية، لما شهده من تطورات، خاصة في الثلاثين من حزيران/ يونيو، الذي يعتبره البعض ‘بداية للازمة’، بينما كان في الحقيقة نتيجة منطقية وطبيعية لما سبقه من مقدمات. وكنا توقعنا ان يكون ذلك اليوم حاسما في هذا المنحنى من تاريخ مصر، وان الحسم فيه سيكون للشارع وربما الجيش او كليهما معا، وهو ما حصل بالفعل. وعلى الرغم من هذا فان حجم ما حدث في ذلك اليوم بقي مفاجأة كاملة، وربما صدمة لكل الاطراف، بمن في ذلك من شاركوا فيه وصنعوه. وكشاهد عيان على ذلك اليوم اراني لست مضطرا للدخول في الجدل العقيم حول المسميات او ارقام المشاركين بالمظاهرات، وهي التي تراوحت بين مئة وثلاثين الفا حسب تقدير الرئيس السابق، ونحو نصف مليون حسب قيادات اخوانية، وعدة ملايين حسب متحالفين مع الجماعة، و17 مليونا او 33 مليونا، حسب تقديرات منسوبة للجيش وموقع غوغل ايرث والقوى الثورية.
واذكر انني عندما نزلت عند الساعة الخامسة مساء في ذلك اليوم، وهو الموعد الشعبي المتفق عليه لبدء المظاهرات، لم يكن لدي ادنى شك اننا امام ثورة شعبية تاريخية بكل المقاييس. اما السبب فليس ما كان يحدث في محيط الاتحادية او ميدان التحرير، حيث الكاميرات والاضواء، ولكن في الشوارع والاحياء والمناطق الشعبية والعشوائية، من ‘تسونامي’ بشري، جعل الحركة احيانا بأي وسيلة نقل، بما في ذلك السير على الاقدام، اما متعذرة او مستحيلة. كان يكفي ان تخرج من بيتك او تمشي في اي شارع بالقاهرة في العديد من المناطق لتكون جزءا من ذلك التسونامي.
اما في المحافظات الريفية، فما اعرفه مباشرة ان قريتنا الواقعة في قلب الدلتا، تماما عند منتصف الطريق الزراعي بين القاهرة والاسكندرية، التي لم تشهد مظاهرة منذ احتشد اهلها للسلام على جمال عبد الناصر اثناء مروره بالقطار عليها قبل ستين عاما، قد خرجت في مظاهرة كبيرة تسببت في قطع الطريق الزراعي حتى منتصف الليل، على الرغم من انها كانت انتخبت جماعة الاخوان في كافة الانتخابات، التي جرت خلال العامين الماضيين، وكان هذا من دون شك حال كثير من قرى مصر التي يبلغ عددها نحو خمسة الاف قرية. وكانت هذه المشاركة من اهل الريف خاصة في الصعيد، حيث المعقل التقليدي للجماعة، مؤشرا مهما بل وفارقا على حدوث زلزال في الخارطة السياسية المصرية.
ان الصانع الحقيقي لثورة الثلاثين من يونيو هو ما يسمى في مصر بـ’حزب الكنبة’ اي المواطنين غير المسيسين المكتفين غالبا بالجلوس في بيوتهم لمتابعة ما يحدث من دون المشاركة فيه، وهو الحزب الوحيد الذي يننتمي اليه عشرات الملايين من المصريين، ولا يجادل من يملك معرفة بسيطة بالشأن المصري انه يمثل الاغلبية الساحقة في هذا البلد، بينما لا يزيد المنتمون لكافة التيارات والقوى السياسية مجتمعين عن خمسة في المئة على افضل تقدير. ‘احنا حزب الكنبة’ هذا بالتحديد ما قالته لي سيدة محجبة بالقرب من الاتحادية، مساء ذلك اليوم عندما رأتني اصور تلك الحشود الهائلة هناك، وهو ما قاله الاف من الطاعنين في السن، عندما اكتفوا بالجلوس امام بيوتهم او التلويح بالاعلام من شرفاتهم، وهو ما قالته ميادين الفقراء التي لا تهتم بها الفضائيات، مثل حدائق القبة والمطرية وباب الشعرية والسيدة زينب، وغيرها.
ومن حسن الحظ ان توثيق مثل هذه الاحداث المحورية اصبح متاحا للكثيرين، ولن يستطيع احد ان يمحوها، سواء من ذاكرة التاريخ او وجدان الشعب. اما كيف حدث هذا، فلقد بدأت ارهاصات الثلاثين من يونيو في الظهور قبل شهور من بزوغ فجره، والغريب ان بعض القيادات في جماعة الاخوان كانت تصر على انه سيكون ‘مجرد مظاهرات عادية تنتهي بحلول الظلام’. اما الاغرب ان بعضهم مازال ينكره حتى الان ويعتبره مجرد شغل ‘فوتوشوب’، ولم يظهر من بينهم من يدعو الى مراجعة ونقد ذاتي، ويقدم الاعتذار الى من خرجوا في ذلك اليوم حتى اذا كانوا (فقط) عدة ملايين او حتى نصف مليون.
اما الزعم بأن من شاركوا في الثلاثين من يونيو ليسوا الا ‘مسيحيين’ كما اكد لي شاب اخواني من المعتصمين بالقرب من جامعة القاهرة، فيفضح ‘غسيل الدماغ’ الذي تعرض له مع زملائه، وهو زعم يحوي بعدا طائفيا مرفوضا، يعتبر ان التظاهر من حق المصريين المسلمين فقط.
ولقد رأيت بالفعل مصــــريين مسيحيين، كما رأيت مصريين مسلمين بالمظاهرات، الا ان الواقع هو انه حتى اذا كان المسيحيون قد خرجوا عن بكرة ابيهم، وهذا غير واقعي، لما شكلوا ربع اعداد المتظاهرين.
اما القول ان من صنع الثورة هم ‘الفلول’ فيثير السخرية، حيث انه لو كان للرئيس المخلوع حسني مبارك كل هؤلاء المؤيدين لما اصبح مخلوعا اصلا. وهذا لا يتعارض مع ان شخصيات فلولية معروفة في الاعلام وغيره ركبت الموجة، وحاولت الاستفادة منها، وهذا ايضا امر طبيعي في ساحة تمور بالصراعات السياسية والتدخلات الاقليمية والدوليـــة، والسؤال هو هل سيسمح من قاموا بالثورة لاولــــئك بالبقاء في ركبها.
وعلى اي حال ان انكار وطنية الثلاثين من يونيو وثوريته، بدلا من التوقف عند اسبابه وجذوره وبالتالي امكانية التعامل مع اثاره، يوجه اهانة لجماهير الشعب التي انطلقت بشكل عفوي من كل حدب وصوب لتصنعه، والاهم لن يمنع ذلك ‘التسونامي’ من اكمال مسيرته. ان هذا الانكار نفسه من قبل نظام الاخوان كان ساهم في خلق ‘التسونامي’، وهو الذي يمكن ان يشكل عاملا حاسما في كتابة مشهد نهاية نرجو الا يكون دمويا. اما ‘توابع هذا التسونامي’ فلها حديث اخر.
‘ كاتب مصري