حساب الربح والخسارة الذي تجريه «حماس غزة» لنفسها، كي تقرر إذا ما، ولكن بالاساس متى، الخروج إلى معركة أخرى ضد إسرائيل، هو أيضا «السبيل المرسوم» الذي تدرسه محافل التقدير في البلاد بسبع عيون، في محاولة لفهم نوايا العدو و «للدخول إلى رأسه».
السؤال ماذا ستربح حماس وماذا ستخسره من مواجهة أخرى مع إسرائيل هو ـ نظريا على الاقل ـ هو السؤال الاساس، الذي يفترض أن يساعد الاستخبارات في التقدير السليم لمستوى احتمالية معركة اخرى في الجنوب وبالاساس توقيتها.
عندما يصف رئيس شعبة الاستخبارات «أمان»، اللواء هيرتسي هليفي، أزمة اقتصادية شديدة في قطاع غزة، فهو يقصد عمليا القول ان ساعة الرمل تنفد؛ وأننا نقترب من اللحظة التي يكون فيها من شأن «حماس غزة» ان تقول لنفسها ان الوضع الاقتصادي في القطاع سيء جدا لدرجة أنه لم يعد لها ما تخسره.
غير أنه بالمقابل، توجد معطيات معاكسة كفيلة بأن تفيد بأنه لا يزال لحماس مع ذلك ما تخسره: الدول المانحة التي تعهدت بعد الجرف الصامد بأن تحول إلى غزة نحو 4 مليار دولار، كي تعيد بنائها، حولت حتى الان نحو خُمس المبلغ فقط. بعضها تطلب من حماس أدلة وضمانات على أن هذه الاموال لن تستخدم إلا لاعادة البناء المدني، وليس لتنمية ذاتية للسلاح او لبناء الخنادق والانفاق. واذا بادرت حماس الان إلى جولة اخرى، فهي تخاطر بفقدان الاحتمال، أو على الاقل التأجيل الكبير، بتلقي هذه الأموال.
وها هما متغيران معاكسان آخران، كل واحد منهما يمكنه أن يؤدي بحماس إلى سلوك آخر: فجهاز الامن فكر، قبل بضعة اشهر فقط، في العودة للسماح للعمال من غزة بالعمل ونيل الرزق في إسرائيل والحصول هنا على أجر يومي يفوق ضعفي وثلاثة اضعاف الاجر الذي يكسبونه في غزة. وتحدث وزير الدفاع ليبرمان عن ذلك علانية. فمعدل البطالة في غزة بلغ منذ الان 58 في المئة، وعدد حالات الانتحار هناك على هذه الخلفية ارتفع جدا في السنتين الاخيرتين. إسرائيل، كما هو معروف، تنقل إلى القطاع ايضا تموينا جاريا من الغذاء، المواد الاستهلاكية البيتية، الادوية، الوقود، بل وحتى قليلا من مواد البناء. والمواجهة الان ستقطع لفترة غير معروفة التوريد الإسرائيلي وربما أيضا المصري إلى غزة، وبالتأكيد ستؤجل لزمن غير معروف القرار الذي لا يزال يوجد على جدول الاعمال ـ السماح للعمال من غزة العودة للعمل في إسرائيل.
من الجهة الاخرى ـ تلتقي صورة الواقع المحتملة هذه قيادة جديدة، ذات مزايا متطرفة، يقف على رأسها يحيى السنوار، من كبار الذراع العسكري لحماس سابقا. وإلى جانبه، في «المكتب السياسي» الجديد للمنظمة، يوجد الان على الاقل خمسة أعضاء آخرين يتماثلون مع الذراع العسكري للمنظمة (كتائب عز الدين القسام) اثنان منهم محرران في صفقة شاليط قضيا فترات حبس في السجن الإسرائيلي. والتوجه الطبيعي لمركز القوة الجديد هذا في «المكتب السياسي» يميل إلى التطرف والمواجهة.
إن أحد الاعتبارات التي من شأنها ان تدفع قيادة حماس الجديدة إلى المواجهة هو مدى صلاحية الانفاق الهجومية المجتازة للحدود ـ نحو 15 في عددها حسب المنشورات الاخيرة ـ والتي لا تزال في يد حماس بعد الجرف الصامد. كلما مر الوقت وساد الهدوء، يمكن لإسرائيل أن تتقدم بارتياح وبلا عراقيل في المشروع الهندسي والتكنولوجي المضاد للانفاق في حدود القطاع.
من زاوية نظر حماس، فإن هذه الانفاق، كأدوات هجومية ضد إسرائيل، تعيش على «زمن مستقطع»؛ وهي حقيقة من شأنها أن تشجع حماس على استخدامها قبل أن تجعلها إسرائيل غير قابلة للاستخدام قبل القتال، او تنجح في خلق آليات تجعل استخدامها صعبا.
للميدان قوانين خاصة به
«لاعبان» آخران، كل واحد منهما يمكنه أن يؤثر على حماس بشكل مختلف، هما وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان من جهة وداعش من جهة اخرى: بخلاف موشيه بوغي يعلون، سلفه في المنصب، فإن وزير الدفاع الحالي حذر حماس من انه إذا فتحت معركة اخرى في غزة، فستحرص إسرائيل على إلا تبقى في نهايتها لتحكم في القطاع.
أما انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة فيمنح إسرائيل ظاهرا حبلا أطول مما في الماضي، كي تحقق هدف اسقاط حكم حماس في غزة. وفي حماس واعون لذلك، ولكن للميدان توجد، غير مرة، قوانين خاصة به.
أحد «اللاعبين» الذين من شأنهم أن يفاقموا الوضع هو داعش، او في صورته الغزية ـ رجال المنظمات والجماعات السلفية، من مؤيدي تنظيم الدولة الإسلامية في غزة وفي سيناء. حالتان من اطلاق الكاتيوشا من سيناء إلى الاراضي الإسرائيلية في شباط/فبراير الماضي ـ واحدة إلى ايلات واخرى إلى النقب ـ هما من فعل هذه المنظمات، وكذا أيضا اطلاق الصواريخ باتجاه شاعر هنيغف.
ترى إسرائيل في حماس مسؤولة عن كل اطلاق للنار من القطاع، وقواعد اللعب المتشددة في عهد وزير الدفاع ليبرمان أدت إلى رد ناري «غير متوازن» على نار الكاتيوشا من المنظمات السلفية، وإلى اصابات مباشرة اكثر لاهداف حماس على طول خط الجدار.
وصعد الرد الإسرائيلي الشديد لفظيا على الاقل التهديد الحماسي. فقد أعلن قادة المنظمة علنا بأنهم لن يحتووا بعد اليوم «المعادلة الجديدة» لليبرمان، واذا ما قصفوا مرة اخرى ـ فسيردون بشدة. فهل التسلق على «شجرة عالية» كهذه ملزم حيال الجمهور الفلسطيني؟
من زاوية نظر متشائمة ـ ومحافل التقدير ملزمون بأن يأخذوا في الحسبان الامكانية الاسوأ وعرضها امام اصحاب القرار ـ فإن بعضا من العوامل التي جرت إسرائيل وحماس إلى المواجهة في تموز 2014 موجودة هنا مرة اخرى، وانضمت اليها الان عوامل خطر اخرى.
ان ضائقة السكان في غزة، عشية الجرف الصامد، هي أحد الامثلة التي ذكرها تقرير المراقب الاسبوع الماضي، وليس صدفة أن رئيس «امان» هيرتسي هليفي يتحدث الان بالذات عن ضائقة مشابهة.
إن الوضع الاقتصادي في غزة في حالة سيئة للغاية. فقبل سنتين توقعت الامم المتحدة بأنه حتى العام 2020 لن تكون في غزة مياه ملائمة للشرب. فالخزانات الجوفية في غزة استنفدت نفسها في أعقاب النهل الزائد. ومنشأة التحلية الوحيدة لا تزود إلا نحو 10 في المئة من استهلاك المياه في القطاع، واسعار المياه ترتفع. الاغنياء يدفعون مالا طائلا على المياه المحلاة، ولكن معظم الجمهور يستهلك مياها ذات درجة ملوحة أعلى لاهداف ليست الشرب، كالغسيل، النظافة والاغتسال.
كما ان توريد الكهرباء إلى غزة يتعثر، رغم المساعدة الإسرائيلية والمصرية. فالبيوت في قطاع غزة لا تتلقى الكهرباء إلا لسبع ساعات بالمتوسط في اليوم.
واذا لم يكن هذا بكاف ـ فالبطالة ايضا في القطاع تتصاعد وتقترب من 60 في المئة؛ نحو ثلث سكان القطاع لا يرتبطون بشبكة المجاري. وقنوات المجاري ضيقة ومفتوحة، وجور الامتصاص، ترفع مستوى الاصابة بالامراض النابعة من التلوث. وفي شواطيء السباحة في عسقلان يمكن غير مرة رؤية بواقي المجاري والمياه العادة التي حملتها التيارات البحرية من شواطيء غزة شمالا. ويمكن كما أسلفنا ان يضاف إلى ذلك التأخيرات والتجميدات لاموال «الدول المانحة»، ومواد البناء التي تنقل إلى غزة بالتقنين، واذا بكم تتلقون مفجرا آخر في برميل البارود الذي يسمى غزة.
منطق مقلوب
كيف يؤثر كل هذا على حماس؟ صحيح أن المنطق يستوجب توجيه كل مساعدة وميزانيات اعادة البناء في صالح السكان، ولكن «منطق» «حماس غزة»، ليس بالضرورة المنطق السائد. فحماس تستثمر الكثير من الاموال ووسائل المساعدة في اعادة بناء قوتها العسكرية. من زاوية نظر المنظمة ـ ينبغي تنفيذ الواجب الديني لفكرة المقاومة، حتى لو لم يكن احتمال النصر في اطار هذه المقاومة، عاليا.
صحيح أن السنتين والنصف الاخيرة كانت هي الاهدأ في العقد الأخير ـ 45 صاروخا فقط اطلق من القطاع، ومنها 4 فقط سقطت في مناطق مأهولة. غير أن هذا الهدوء تستغله حماس كي تستعيد قسما على الاقل مما فقدته في الرصاص المصبوب
أما الانفاق الهجومية، كما تعرفنا فقط، فلا تزال هنا. فالمواد الخام التي هي ضرورية لاعادة البناء المدني، وجهت لانتاج وسائل قتالية واعادة بناء شبكة الانفاق. فقد سيطرت حماس على المواد الخام هذه ـ من اسمنت، حديد وخشب ـ حتى قبل أن تصل إلى اهدافها المدنية، وفي بعض الحالات صادرت أو اشترت هذه المواد من المواطنين.
في جنازة عصام عمر سعيد القطناني، نشيط حماس الذي قتل في انهيار نفق في الشجاعية، خطب خليل الحية، عضو المكتب السياسي لحماس، وقال ان نشطاء كتائب عز الدين القسام سيواصلون حفر الانفاق ليل نهار، لان الانفاق هي «السلاح الافضل الذي سيهزم إسرائيل».
كان لدى حماس عشية حملة الجرف الصامد نحو 11 الف صاروخ، معظمها لمسافات قصيرة والقليل منها لمسافات بعيدة (حتى 160كيلو متر). في نهاية الحملة بقي لدى حماس نحو ثلث كمية الصواريخ، بعد أن اطلقت نحو 4 الاف منها إلى إسرائيل، وفقدت جزءا آخر في الهجمات الإسرائيلية.
ويقول خبراء «مركز معلومات الاستخبارات والإرهاب» ان حماس تعطي الان اهمية عالية لزيادة مخزون الصواريخ ومخزون قذائف الهاون لديها وتشدد على السلاح الصاروخي للمدى القصير. وبالتوازي، تدرب حماس قوات خاصة لنقل الحرب إلى الاراضي الإسرائيلية على نحو مفاجيء سواء من خلال الانفاق الهجومية أم من خلال «الكوماندو البحري»؛ التسلل بلدات إسرائيلية لتنفيذ عمليات واختطاف إسرائيليين لغرض استخدامهم كـ «اوراق مساومة». بعد «الجرف الصامد»، كثفت حماس ووسعت تواجدها على طول الحدود مع إسرائيل وبنت سلسلة من الاستحكامات المتقدمة على مسافة بضع مئات من الامتار عن الجدار الامني. وإلى جانب الاستحكامات بنيت ايضا أبراج رقابة، وبجوار الجدار الامني شق طريق.
وإلى جانب ذلك تحاول حماس كل الوقت تطوير مسارات بديلة لغرض تهريب الوسائل القتالية، العتاد العسكري والمواد الخام. وقد تضررت التهريبات عبر شبه جزيرة سيناء بشدة بعد أن عمد المصريون إلى سد هذه القناة، دمروا الانفاق واغلقوا معبر رفح. والبديل الان هو التهريبات من إسرائيل، في ظل استغلال معبر البضائع المدنية عبر المعابر وكذا استخدام المسار البحري، بين القطاع وبين سيناء، من خلال الصيادين المحليين.
كما أن التعاون بين فرع داعش في سيناء وكتائب عز الدين القسام يساعد حماس. ففي السنتين الاخيرتين، بينما تقاتل حماس ضد المنظمات السلفية في القطاع، ساعدت داعش سيناء في انتاج وسائل قتالية ومعالجة الجرحى، بينما داعش سيناء ساعد حماس في تهريب وسائل قتالية إلى غزة يأتي بها من ليبيا ومن السودان.
حماس، حسب التقديرات في الجيش الإسرائيلي لم تستعد الوسائل والقدرات التي كانت في حوزتها قبل حملة الجرف الصامد. ويقدر رجال «مركز معلومات الاستخبارات والإرهاب» بالتالي فإنه في المواجهة القادمة ـ ستحاول حماس قبل كل شيء ضرب كل البلدات والاهداف العسكرية المجاورة للحدود. فقدرتها للوصول إلى مسافة أبعد تضررت وتقلصت بقدر كبير، وان لم تكن فقدتها تماما.
لكل هذا ينبغي أن يضاف كما اسفلنا التركيبة الجديدة لقيادة حماس. فقد انتخب للمكتب السياسي في القطاع 15 عضوا. وعلى رأس المكتب السياسي يقف كما هو معروف يحيى السنوار، من مؤسسي الذراع العسكري للمنظمة، الذي أنقذته صفقة شاليط من أربعة مؤبدات.
لقد كان السنوار مشاركا في تخطيط سلسلة من العمليات التي قتل فيها إسرائيليون، وكذا في قتل فلسطينيين كثيرين. نائبه، خليل الحية، كان أيضا عضوا في المكتب السياسي السابق لحماس. ابنه قتل في 2008 في جنوب القطاع حين حاول تنفيذ اطلاق صواريخ كاتيوشا على إسرائيل، وزوجته وثلاثة ابناؤه قتلوا بنار مدفعية الجيش الإسرائيلي في اثناء الجرف الصامد.
وبخلاف السنوار، الذي يقل من التصريحات، فإن الحية يدعو بين الحين والاخر إلى تشديد الإرهاب ضد إسرائيل، ومؤخرا دعا إسرائيل إلى الاستعداد لضربة جدية. فقد هدد بأن حماس «ستضرب من كل صوب، من الارض، من داخل الانفاق، من قلب البحر ومن السماء». وفي مناسبة اخرى اوضح الحية بأن «حماس ستواصل العمل على اختطاف جنود إسرائيليين بهدف استبدالهم بسجناء فلسطينيين محبوسين في إسرائيل».
وبين الاعضاء الاخرين في المكتب السياسي الجديد لحماس يوجد محمود الزهار، الذي شغل منصب «وزير الخارجية» في حكومة حماس برئاسة اسماعيل هنية. وقد دعا الزهار في الماضي إلى تحويل الإرهاب الشعبي إلى انتفاضة عسكرية؛ روحي مشتهى، محرر آخر من صفقة شاليط كان حكم سبعة مؤبدات على قتل عملاء مع إسرائيل؛ مروان عيسى، المسؤول السابق عن وحدة العمليات الخاصة في حماس؛ وسامح السراج، الذي كان هو أيضا في المكتب السياسي السابق لحماس ودعا «إلى تأهيل جيل يحمل علم الإسلام ويحرر فلسطين من دنس الاحتلال».
«هذر زائد»
أبدى مراقب الدولة في تقريره الاخير ملاحظة على السلوك الحربي في الجرف الصامد إذ لم يُعن بما يكفي «بتعطيل» سياسي للالغام التي زرعت في الطريق إلى تلك الحرب. بعض من عناصر القنبلة الموقوتة في حينه تحوم الان مرة اخرى في الفضاء، ويوجد غيرها. هذه المرة توجد عدة اقتراحات على جدول الاعمال، ولكنها لا تبدو ذات احتمال للتحقق في المستقبل القريب.
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مثلا يتحدث عن صيغة «التجريد مقابل الاعمار»، والتي ترفضها حماس، فيما اقترح الوزير إسرائيل كاتس اقامة ميناء في غزة.
مصر، التي هي لاعبة اخرى تؤثر على ما يجري في القطاع، تبدي في الاشهر الاخيرة مراعاة أكبر بقليل وتتخذ بوادر طيبة تجاه حكم حماس في غزة. فقد خففت قليلا من شروط الاغلاق على القطاع وتسمح بعبور مزيد من البضائع إلى هناك. والسؤال إلى أين تتجه حماس وهل الربيع المقترب سيفاجئنا بجولة دموية اخرى ـ هو سؤال ليس له جواب واحد.
لقد تحدث الوزيران يوآف غالنت ونفتالي بينيت قبل بضعة اسابيع عن امكانية أن يقع في الربيع القريب تصعيد في الجنوب. ووصف وزير الدفاع افيغدور ليبرمان اقوالهما بأنها «هذر زائد ليس له أي صلة بالواقع على الارض». مهما يكن من امر فللجنوب قوانينه ومنطقة. يخيل أن الحملات الخمسة التي بادر اليها الجيش الإسرائيلي في القطاع في العقد الماضي اثبتت ذلك.
إسرائيل اليوم 10/3/2017