بدون الخبز لا يحيا الإنسان

في أماكن متعددة في محافظاتٍ متفرقة، في الإسكندرية والمنيا وكفر الشيخ والجيزة وغيرها، انطلقت يومي الاثنين والثلاثاء مظاهراتٌ غاضبة احتجاجاً على تخفيض حصة الخبز المصرح بها للمخابز، التي يستفيد منها من لا تتوفر لديهم بطاقات التموين الذكية.
وقد قام هؤلاء المتظاهرون بقطع شريط القطار في الإسكندرية ورشقوا النظام وقوات الأمن بهتافاتٍ شديدة البلاغة على إيجازها، مثل «مش لاقيين ناكل» و»نحن ميتون ميتون»، أي أنهم لا يهابون بطش الأمن وليس لديهم ما يخسرونه، فهم بين مطرقة الموت جوعاً وسندان الموت قتلاً على يد هذه القوات، وهي هتافاتٌ كالرصاص تماماً إلى قلب النظام لو تعلمون أولو تدبرتم قليلاً.
كثيرون اكتفوا بالسخرية من وزير التموين و/ أو الشماتة فيه، إذ خرج علينا ظهراً منتفخاً معتداً واثقاً ليؤكد أنه لا تراجع عن هذه القرارات، ولم يكن منه إلا أن تراجع مساءً خوفاً وتحت الضغط، ولأن الذاكرة الحكومية (وربما الجمعية) عندنا قصيرة الأجل، فيتم التعامل مع هذه الأزمات كمطباتٍ على الطريق، تُنسى متى تجاوزناها أو تراب نخفيه كنساً تحت بساط النسيان، وعلى ذلك ففي رأيي لم تلق هذه الانتفاضة المصغرة ما تستحقه من التحليل، واكتفى البعض في ما طالعته من مقالاتٍ بشرح كيفية عمل منظومة الخبز، وكيف يمكن أن يستفيد من ثغراتها أصحاب المخابز الجشعون، والنعي على الحكومة طريقة تعاملها مع الأزمات المتكررة، التي تتسم بالتخبط والعشوائية والجموح، بما يؤدي إلى مثل ذلك السخط ومظاهر الاحتجاج، والأمر كذلك بالفعل، إلا أنني أعتقد أن الأهم والأولى في هذه المظاهرات هو ما تتيحه لنا كثغرةٍ للنفاذ إلى الخلل الهيكلي العميق والرئيس في بنية النظام وقاعدته من التوازنات الاجتماعية،
لذا فإنني أعتبر عدم التناول بالتحليل عدة نقاطٍ فاصلة في هذه الانتفاضة المصغرة، تقصيراً مخلاً من كل من يزعم الاهتمام بالشأن العام، والمصري خصوصاً.
يحتاج النظام، أي نظامٍ، إلى درجةٍ ما من القبول من قطاعاتٍ واسعة للاستمرار، وقد يكون ذلك القبول ناتجاً عن الرضا بمنجزاتٍ تحققت على الأرض، أو مكاسب اجتماعية أو فرصٍ مستقبلية، واقعاً أو وهماً، كما كانت الحال مع عبد الناصر، أو التعود الذي خلقته قرونٌ من الركود أو اليأس من ذلك الإصلاح، أو الرضوخ والتسليم خوفاً مما هو أسوأ أو الفوضى «مصير سوريا والعراق».
بالطبع تتداخل عوامل شتى في خلق هذه الحالة مثل الميراث الفكري الذي تستغله وتطوعه الطبقات الحاكمة والمستفيدة (ويلحق بها الإعلام ) ودرجة تطور المجتمع وتاريخه الاجتماعي الخ، إلا أن دوراً فاصلاً تلعبه أجهزة العنف والبطش التي يحتكرها النظام، خاصةً في دولنا السعيدة في هذه البقعة الأهدأ في العالم؛ والشاهد أن النظام المصري، وقد تبددت آمال وأوهام التحسن، مع نكوص الدولة وتنصلها عن دورها ومسؤولياتٍ اجتماعية كانت قد تعهدت بها في الحقبة الناصرية، لم يجد ملاذاً عن زيادة وتوسيع ذلك التدخل الأمني في شؤون البلد، حتى وصلنا إلى ما كنا عليه عشية 25 يناير، والآن حيث تغولت تلك المؤسسة الأمنية ذات القوة المفرطة والثقافة المحدودة أو شبه المنعدمة.
لقد استثمر السيسي ونظامه في حالة الخوف وانعدام الأمان عقب ثورة يناير، خاصةً مع أزمات الكهرباء والوقود (وكلها أمورٌ تحوم الشبهات حول دورهما فيها، ولا أراهما بعيدين عنها بأي حالٍ من الأحوال )، وقد صعد إلى السلطة على موجةٍ سيق الناس إليها وتحالفت فيها أطيافٌ شتى ذات تنافرٍ اجتماعي بين، ما بين محاسيب عصر مبارك وقططه المتخمة المترهلة إلى من هم «على باب الله»، إلى كارهي «الأسلمة» إلى آخره. في ذلك الحين، حرص السيسي ونظامه على أن يبدوا أكثر مرونةً واستجابةً وتفهماً لمطالب الناس واحتياجاتهم الأساسية، وأعني بذلك الجمهور الأوسع الذي لا يملك، والذي كان من المفترض أن تنصفه ثورة يناير بالمعنى الواسع، ببعض العبارات من عينة أنهم «نور عينينا» الخ، ورؤي في ركاكتها بساطةً واقتراباً من الجمهور.
وحدها الأيام بما أسفر عنه النظام من انحيازٍ سافرٍ للنيوليبرالية واتباعه، وصفة الصندوق الدولي وحزمة توصياته، التي كان آخرها تحرير سعر الصرف والتضخم، وحدها تلك السياسات فضحت هشاشة ذلك التحالف الذي حمل السيسي إلى السلطة، ولا منطقيته، والأهم أنه بات واضحاً أن السيسي ونظام مستفيديه، اتخذا من الجمهور الواسع مطيةً للعودة إلى السلطة بغرضٍ مزعوم هو استعادة الاستقرار.
لقد كان تحالفاً واهياً وغير طبيعي من الأساس، إلا أن الأهم، والقيمة الرئيسية لمظاهرات الخبز الأخيرة، أنها فضحت أيضاً كم هي واهية تلك القاعدة الشعبية المفترضة المزعومة، أو سمها ما شئت، التي يتصور السيسي وأنصاره أنهم يستقرون عليها – تكفي شرارةٌ لإشعالها، وهي عفوية تماماً ومنتشرة جغرافياً بشكلٍ مدهش كاف للرد على كل المشككين في إمكانية حراكٍ شعبي أو ثورة أخرى، ولا يستطيع النظام إلقاء اللائمة على الناشطين أو الإخوان أو الشيوعيين أو غيرهم، فالعقوبات على أي عملٍ سياسي مغلظة، ومن يتنفس أو يهم بحك رأسه يجد نفسه في السجن أو»مختفياً قسرياً، تلك انتفاضة عفوية تماماً.
يبدو أن النظام المصري يهوى، بل يعشق، اختراع العجلة في كل خطوة، فهو لا يتعلم وأطلق كذبة «المؤامرة» وصدقها، كما نسي الدرس الرئيسي: لا تستطيع أن تحصل على ما تريد، حكماً وانصياعاً كان أو خدمة دون مقابل لفترة طويلة. لقد أعطى عبد الناصر مقابلاً ما، بغض النظر عن اختلافاتنا. السيسي ونظامه يريدان أن يأخذا كل ما يريدان ليس دون مقابل فحسب، بل وسحب ما كان في أيدي الناس أيضاً، ويسمى ذلك سرقةً، وفي بعض الأحيان اغتصاباً.
بالطبع لا يتم الكلام دون الإشارة لكون تلك الانتفاضة، ككثيرٍ مما سبقها وما سيأتي، تؤكد الدور الحاسم، والمفتقد لتنظيمٍ حقيقي يستطيع أن يقود ويوجه ويخطو ويتخطى بالمطالب الاقتصادية إلى الفضاء السياسي والاجتماعي، الذي يستطيع التغيير فعلاً، وهو ما يستغله النظام دائماً لإحباط تلك الإرهاصات وبوادر التغيير.
وتبقى كلمة أخيرة للمتحذلقين والمتفلسفين والمتعالين الخ على انتفاض الناس بسبب الخبز. عن نفسي، أراه أكثر منطقيةً من خروجهم بسبب نقص الجاتوه أو الكافيار مثلاً ، ويبدو أننا هنا أيضاً لدينا من يريد أن يبهر العالم ويعيد تأصيل الأولويات البشرية.
«ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمةٍ تخرج من فم الله» صارت من كلمات المسيح وحكمه الشهيرة، وعلى عادة الطبقات الحاكمة في مصادرة كل ما كان فكراً متطوراً وتحررياً في زمانه وتطويعه لصالحها في ألعاب القرصنة الفكرية، اختزلت لـ»ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان» للشرود بعيداً عن المطالب والاستحقاقات المعيشية واليومية – كما حدث مع ماركس بعد ذلك بحوالي ألفي سنة حين حورت واختزلت «الدين تنهيدة الكائن المقموع، وقلب عالم بلا قلب، والروح في أوضاعٍ بلا روح. إنه أفيون الناس»، بمعنى المسكن لآلامهم إلى «الدين أفيون الشعوب» ليعني المغيب للعقل.
بالطبع كلمة المسيح جميلة وعذبة وقد يتفق معها الكثيرون بهذا القدر أو ذاك، خاصةً في صيغتها المختزلة، إلا أن الأكثر تأكيداً من الناحية العلمية هو أن الإنسان لا يحيا بدون الخبز والطعام، ذلك الدرس وعاه واستوعبه النظام عقب انتفاضة الخبز في 77، لكن يبدو أنه حتى هذه الدروس البسيطة والأولية لا يستطيع النظام في مرحلته السيسية تذكرها واستيعابها.
مستمراً في نهجه وانحيازاته، لن تكون هذه آخر الانتفاضات. السؤال هو أين ومتى وهل ستوجد تنظيمات مستعدة للالتحام والقيادة والتوجيه؟
كاتب مصري

بدون الخبز لا يحيا الإنسان

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية