براءة مبارك رغم أنف الجميع

حجم الخط
3

في الأيام الأولى لعزل الدكتاتور كان هناك شبه اتفاق بين المواطنين والنخبة على ان مصير مبارك يراوح بين الإعدام أو السجن المؤبد. لم يكن هناك من يتخيل حكماً مخففاً على الرجل الذي أهدر مستقبل أجيال متعاقبة وظل ممسكاً بمقاليد المؤسسات كافة بين يديه، لذا ظل الهاجس الأكبر الذي ينتاب النظام في الشهور الأولى بعد ثورة يناير هو الخوف من اندلاع ثورة شعبية تالية حال حصول الدكتاتور على البراءة. لأجل ذلك سعت الدولة العميقة لتفعيل سيناريو يستهدف في المقام الأول تجفيف منابع الغضب في صدور المصريين تجاه تركة مبارك من الظلم ومن ثم تهيئة المناخ العام في نهاية الأمر لتقبل حصوله على صك البراءة.
جرى تعميم شعار «مهرجان» البراءة لجميع رموز حكم الدكتاتور في الوقت الذي تتابعت فيه فيما بعد أحكام الإعدام لرموز جماعة الإخوان المسلمين وعلى رأسهم الرئيس المنتخب محمد مرسي والمرشد العام محمد بديع. وحرصت الدولة العميقة على ان تدرب الناس لتقبل إعادة تدوير نظام مبارك وتصديره باعتباره قوة خير حفظت البلاد من براثن الفوضى والتفكك بينما وجهت المؤسسة الإعلامية مكائدها نحو كل ما هو ثوري وداع لمحاكمات عادلة لرموز النظام السابق والقصاص للشهداء واسترداد ثروات البلاد ممن نهبوها لتنال منه وتشوهه كي لا يكون في الأفق من قوة خير تسعى لحفظ البلاد سوى «تركة» مبارك التي تناسلت في المؤسسات كافة العسكرية والأمنية والقضائية بل والدينية أيضاً. وفي إطار تهيئة المصريين لقبول أي صدمة تمهد الأرض لبراءة مبارك، شهدنا صدور أحكام متعاقبة بالبراءة لمعظم رموز السلطة التي كانت تحكم البلاد لتعود بسلام لبيوتها كما لو كانت في مهمة رسمية كللت بالنجاح.
وقد سبق لمحكمة النقض أن قبلت نقض حكم سابق قضى ببراءة مبارك من ذات التهمة، وقررت أن تنظر بنفسها القضية كي تبرأ ساحتها أمام التاريخ ولتصل للحقيقة التي سعت الأجهزة لاخفائها في القضية، بعد حكم أول قضى عليه بالسجن المؤبد، وتم نقضه، والمحكمة لا يمكن أن تقضي بغير ما بين أيديها من مستندات وأدلة وشهادات شهود وإجراءات. ومما لا خلاف عليه ان الذين برأوا مبارك ليسوا حراس العدالة، بل الأجهزة التي تورطت في المذبحة ودولة الإعلام الرسمي التي سعت لتضليل الجماهير ووصل الأمر ببعض عناصره لحد اتهام الإخوان بقتل المتظاهرين على الرغم من ان المحاكم قضت بسجن قيادات أمنية بعد أن تعمدت إتلاف وثائق وتسجيلات تكشف عن التنسيق بين قيادات الداخلية وبين الرئاسة أيام الثورة والتي كانت تحتوي على الأوامر والتوجيهات بإطلاق النار على المتظاهرين.

حب في الزنزانة

ومن تجليات حكم البراءة الأخير لمبارك انه عزز من مصداقية فرية راجت منذ فجر الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير حيث كرس الحكم لفكرة ان الثورة مؤامرة جرى الاعداد لها وتنفيذها لإسقاط الدولة في فلك من الفوضى. فإذا كان مبارك ورموزه حصلوا على البراءة فالثورة عليه خيانة للدولة، بل لعل الأمر يتطور مستقبلاً لحد ان يطالب بتعويضه وأسرته ونظامه عما لحق به من ظلم وتشويه وهو الأمر الذي بدأ يتردد على استحياء بين أنصار الخلوع فور الحكم الأخير.
لا خلاف على ان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يبدي في العلن على «الأقل» احترامه لثورة الخامس والعشرين من يناير وانتقد مبارك في العلن في غير موضع متهما اياه وأعوانه بالسبب في ما لحق مصر من خراب، غير ان حكومة السيسي تعمل في العلن لصالح المخلوع ونظامه بل ان الاتهامات تلحق بالرئيس من وراء بعض «يتامى مبارك» ومن بينهم إعلاميون وحقوقيون ورموز في المؤسسة الأمنية والعسكرية. وأشارت معلومات شبه موثقة ان الصلة لم تنقطع بين مبارك ورموز في السلطة حتى بعد ان بات يحمل رقم سجين، حيث الولاء وأواصر المحبة ظلت ممتدة. ومن اللافت ان الحكم الأخير أكد الاستبداد وتكميم الأفواه الذي تمارسه السلطة، وهو الأمر الذي كشفته بعض عبارات محامي المخلوع فريد الديب الذي قال: الرئيس الأسبق لم يقتل المتظاهرين بل كان رحيماً بهم ووفر فرص التظاهر الآمن للثوار في ميدان التحرير في بدايات ثورة يناير. وتابع الديب مخاطباً المحكمة: لو تظاهر شخصان في الوقت الحالي لقبض عليهما. بالتأكيد ما ذكره الديب بشأن الحرية في زمن السيسي حقيقة لا يمكن ان يعارضها حتى أنصار السلطة الراهنة كما انها قد ترفع من اسهم مبارك على الأقل بين أنصاره، لكنها لا يمكن بالطبع ان تغير من حقائق على الأرض أبرزها ان آلاف المتظاهرين قتلوا في زمن الفرعون المستبد وقيدت القضية ضد مجهول حتى شهادات الأحياء الموثقة لم يؤخذ بها وهو الأمر الذي يعزز من فرضية ان القصاص للضحايا لن يحدث إلا حال ان تتمكن الثورة من ان تحكم لتحقق المبادئ التاريخية العادلة التي لأجلها ثار المصريون على نظام مبارك الفاسد والذي بات مطلق السراح وهو ونجلاه يحاطون بمزيد من الحفاوة أينما ظهروا.

براءة مبارك رغم أنف الجميع

حسام عبد البصير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية