القاهرة ـ «القدس العربي»: بعد مسلسل أحكام «البراءة للجميع» الذي غلّف قضايا نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك ورموزه، وآخرها براءة مبارك من «قضايا قتل المتظاهرين إبان ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، الصادر مطلع اذار/مارس الجاري، تُطرح التساؤلات من جديد عن نية النظام المصري في الانتقام من رموز الثورة من شباب وقوى سياسية وأحزاب ومنظمات مدنية وإعلاميين وكتّاب ومثقفين.
منذ منتصف 2014 وقبل تقلد الرئيس عبدالفتاح السيسي منصبه، ترددت في الأوساط الإعلامية أصداء ما يعرف بـ«قضية 250 – لسنة 2011 حصر أمن دولة عليا»، وتطال اتهاماتها نشطاء وسياسيين وإعلاميين، وحركات سياسية مثل 6 أبريل وكفاية والاشتراكيين الثوريين، وما تردد من ضمنها ملفات وتسجيلات وشيكات مالية وملفات.
مصادر أكدت لـ«القدس العربي» أن القضية كان وراء تفجيرها قادة عسكريون سابقون، غضبوا من الإساءة للجيش المصري خلال أحداث الثورة، سواء بالتظاهر والهتافات، أو بالتناول الصحافي والتلفزيوني والإذاعي، أو بالتصريحات السياسية.
لكن المصادر أشارت إلى أن رئاسة «السيسي» خشيت من طرح القضية بهذا الشكل في عام 2014، العام الأول للسيسي في الحكم رسميا، عقب عزل محمد مرسي من الرئاسة في 2013، واستبعاد جماعة الإخوان من العمل السياسي وملاحقتهم أمنيا وقضائيا، وذلك لما تضمنته القضية من أسماء رنانة أمثال الدكتور محمد البرادعي، الرئيس الأسبق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومستشار رئيس الجمهورية المؤقت في 2013 عدلي منصور، وكذلك نشطاء وإعلاميين مثل إبراهيم عيسى، ومجدي الجلاد، ولميس الحديدي، ووائل الإبراشي، وباسم يوسف، ويسري فودة، وريم ماجد، وأحمد ماهر، وأحمد دومة، وأسماء محفوظ، ومحمد عادل، وبينهم من هو معروف بموالاته لنظام السيسي.
المصادر أكدت كذلك أن القضية تم تحويل اتهاماتها حرصا على عدم إثارة الرأي العام، من تهمة الإساءة للقوات المسلحة وقياداتها إلى تهم «إثارة الفتن والتحريض على التظاهر والعنف والتخريب والتآمر على مصر خلال أحداث ثورة 25 يناير». وشددت كذلك على أن المرحلة الثالثة من تحول القضية شهدت تفتيتها وتحويلها لقضايا أخرى مفككة، لكل متهم على حدة، في تهم خاصة أخرى.
تعود القضية إلى 5 اذار/مارس 2011، حيث كانت أخبار قيام ضباط مباحث أمن الدولة بفرم مستندات الجهاز، تتصدر كل وسائل الإعلام، ووصل الأمر إلى مشاهدة بعض الأوراق التي تحمل عبارة «سري جدا» في أيادي المواطنين، وفي مساء اليوم نفسه، اقتحم مئات الشباب في المحافظات، قلاع الجهاز الأكثر غموضا ورعبا في مصر.
ويتردد أن رئيس المخابرات المصرية الراحل، اللواء عمر سليمان، قدم أول خيوط القضية. وتوالت التسريبات عن القضية، التي صدر بموجبها قرار بحظر النشر من النائب العام الراحل المستشار هشام بركات، وعلى الفضائيات وعلى ألسنة عدد من الصحافيين، تحاول أن تلقى مزيدا من الغموض على أوراق القضية، التي قيل إنها تضم 12 ألف ورقة و3 آلاف مكالمة هاتفية و4 آلاف فيديو مسجل، وأنها تحوي شهادات هامة لكل من قادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، السابقين والحاليين، وقيادات المخابرات السابقين والحاليين، وضباط هيئة الأمن القومي وقيادات أمن الدولة.
وحسبما تردد عن بعض الأسماء المتورطة في القضية فإنها تشمل، اسراء عبدالفتاح، وأسماء محفوظ، ويسري فودة، وخالد تليمة، وممدوح الوالي، وجورج اسحاق، وأحمد دومة، وزياد العليمي، ونوارة نجم، وأحمد ماهر، وطارق الخولي، ومحمد عادل، ومصطفى النجار، وعمرو حمزاوي، ومنى الشاذلي، ومحمد سليم العوا، وعبدالرحمن القرضاوي، وريم ماجد، ووائل غنيم، وشادي الغزالي، وجميلة إسماعيل، وبثينة كامل.
أخذت القضية منحى آخر بعد أن قدّم رئيس مجلس إدارة نادي الزمالك والموالي للرئيس الأسبق حسني مبارك، المستشار مرتضى منصور بصفته وكيلا عن عبدالرحيم علي، الإعلامي وطيد الصلة بأجهزة الأمن، 55 بلاغا إلى النائب العام المستشار هشام بركات، اتهم فيها الدكتور حازم الببلاوي رئيس الوزراء الأسبق بـ«التستر على عدد من النشطاء السياسيين الذين تم تسريب تسجيلات صوتية لهم تكشف تورطهم في عملية اقتحام مقر أمن الدولة العليا خلال أحداث 25 يناير 2011، والتخابر مع جهات أجنبية والحصول على تمويل أجنبي» وسلّم النيابة نسخة من التسجيلات.
على فترات يستخدم مصطلح «القضية 250» كعصا تهديد للنشطاء والإعلاميين والقوى السياسية، خصوصا مع ذكرى ثورة 25 يناير من كل عام، ومع تصاعد نبرة المعارضة للنظام إثر الأزمات التي تمر بها مصر من أزمة اقتصادية حادة، والتنازل عن جزيرتي صنافير وتيران، وحتى معارضة قانون الجمعيات الأهلية الجديد، المعروض أمام مجلس النواب، إذ وصف رئيس المجلس معارضي القانون الجديد بأن بينهم متهمين بالقضية 250، ما اعتبره البعض تدخلا من السلطة التشريعية في شؤون السلطة القضائية.
الإعلامي مصطفى بكري، الموالي للسلطة، كشف منذ أيام قليلة أن العدّ التنازلي للقضية «250 أمن دولة»، المتهم فيها عدد من السياسين والنشطاء والإعلاميين بالتمويل الأجنبي قد بدأ بالفعل.
وقال بكري خلال برنامجه المذاع على إحدى الفضائيات المصرية الخاصة المعروفة بتوجهها الموالي لنظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، إن قرارات الإحالة جاهزة استعدادًا للمحاكمة وتنتظر الإعلان عنها، وأنها ستكشف العديد من المفاجآت ومنها تقاضي إعلاميين أموالا ضخمة بالدولار الأمريكي، والريال القطري، وبعضهم تعاون مع إسرائيل.
وأشار إلى أن الأسماء والمعلومات التي سيعلن عنها ستحدث زلزالا مدويا، وتكشف الوجوه التي تتاجر بأزمات الوطن وتتكسب على حساب مواجع شعبه، كما تحتوي القضية على مستندات وأدلة وشهود ووثائق عديدة، واعتبرها هي قضية العصر.
إعلامي آخر يدعى حاتم نعمان، طالب في نهايات شباط/فبراير الماضي، بسرعة البت في قضية 250، عبر برنامجه المذاع على إحدى الفضائيات المصرية المغمورة.
ولعل زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي المفاجئة لجهاز الأمن الوطني، الأسبوع الماضي، أحد مؤشرات قرب تحريك القضية من جديد، إذ أنه الجهاز المعني بها في المقام الأول، ويمارس إجراءاته في المراقبة والتسجيل للمكالمات.
في حزيران/يونيو 2015، نشرت إحدى أكبر الصحف المصرية الخاصة حوارا مع القائد السابق في جهاز المخابرات الحربية، اللواء وليد النمر، كشف فيه أن «القضية كبيرة جداً، وتضم أسماء شهيرة وثقيلة، تُحسب على نخبة المجتمع المصري ورموزه، وستصيب الناس بالصدمة، لأن الشعب لم يكن يتوقع أبدا أن تكون هذه الأسماء من ضمن المدانين في تلك القضية، وتأخر القضية ناتج عن أنها متشعبة، وفي كل مرة يحقق أعضاء النيابة مع طرف متهم، يدلي هذا الطرف بأقواله عن أطراف أخرى، فيبدأ استجواب تلك الأطراف مرة أخرى، وتنضم أسماء جديدة إلى ملف القضية، وتشمل الاتهامات تمويل وخيانة وتخابر، وكل الأجهزة الأمنية تتعاون في القضية»، مشيرا إلى أن أسماء المتهمين تتضمن إعلاميين وسياسيين ورجال اقتصاد ونشطاء، وعناصر أجنبية بينهم منتمون لحركة حماس وإيران.
ولا يستبعد العديد من النشطاء والمعارضين لنظام الرئيس عبدالفتاح السيسي، أن يزج بهم في قضايا مثل «250» خصوصا بعد الحكم ببراءة مبارك وغالبية رموز نظامه، من جميع التهم المتعلقة بقتل متظاهري 25 يناير 2011، والفساد والتربح واستغلال النفوذ، كأحد أشكال الانتقام من الثورة ورموزها.
مؤمن الكامل