القاهرة ـ «القدس العربي»: مر القضاء المصري في السنوات العشر الأخيرة بمراحل عدة تتعلق باستقلاليته ومدى قربه أو بعده من النظام الحاكم.
ففي عام 2005 وعقب الانتخابات التشريعية، وكشف العديد من القضاة محاولة النظام الحاكم لتزوير الانتخابات، وتعرض عدد منهم للاعتداء من قبل الشرطة، في الدوائر الساخنة، بدأ يتشكل ما يسمى بتيار استقلال القضاة، الذي دخل في مواجهة مع الشرطة بشكل خاص والنظام السياسي بشكل عام، وأعلن القضاة اعتصامهم في مقر ناديهم المجاور لمقر نقابة الصحافيين، ليتحول شارع عبد الخالق ثروت إلى قبلة للراغبين في تغيير النظام.
وتحول مقر نادي القضاة في القاهرة، إلى قبلة لأعضاء حركة كفاية «لا للتمديد …لا للتوريث»، وشباب من أجل التغيير والحركات السياسية المطالبة بالتغيير.
وكانت مصر شهدت على مراحل محاولات نحو تحقيق الاستقلال للقضاء كان آخرها صدور القانون رقم 142 لسنة 2006 بتعديل بعض أحكام قانون السلطة القضائية الصادر بالقانون رقم 46 لسنة 1972 بحيث أصبح للقضاء والنيابة العامة موازنة مستقلة. فأصبح مجلس القضاء الأعلى، بالاتفاق مع وزير المالية، يعد مشروع الموازنة ويتولى مجلس القضاء الأعلى تنفيذ هذه الميزانية فور اعتماد الموازنة العامة للدولة، ويباشر مجلس القضاء الأعلى السلطات المخولة لوزير المالية في القوانين واللوائح بشأن تنفيذ موازنة القضاء والنيابة العامة في حدود الاعتماد المدرجة لها، كما يباشر رئيس المجلس السلطات المخولة لوزير التنمية الإدارية ولرئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، كما يعد مجلس القضاء الأعلى الحساب الختامي لموازنة القضاء والنيابة العامة في المواعيد المقررة، ثم يحيله رئيس المجلس إلى وزير المالية لإدراجه ضمن الحساب الختامي للموازنة العامة للدولة. وتم إعمال أثر هذا التعديل اعتباراً من موازنة عام 2008.
تعرض رموز استقلال القضاء للتنكيل
ومثل رموز استقلال القضاة ومنهم المستشار زكريا عبد العزيز، رئيس النادي الأسبق، والمستشار محمود الخضيري عضو مجلس الشعب المنحل، والمستشار هشام البسطويسي المرشح السابق لرئاسة الجمهورية، والمستشار محمود مكي وزير العدل الأسبق في عهد الإخوان رموزا وطنية التف حولهم الشارع المصري بحثا عن التغيير. إلا أن بعض هذه الرموز فقدت هذا الامتياز، في فترة حكم الإخوان، بعد موافقتها على قرار الرئيس الأسبق محمد مرسي القاضي بإقالة النائب العام عبد المجيد محمود، وتعيين المستشار طلعت عبد الله نائبا عاما جديدا كما أصدر إعلانا دستوريا جديدا عزز بموجبه صلاحياته، ومنح نفسه حق تعيين النائب العام من بين أعضاء السلطة القضائية لمدة 4 سنوات تبدأ من تاريخ شغل المنصب وألا يقل سنه عن 40 عاما ويسري هذا النص على من يشغل المنصب الحالي بأثر فوري.
وهو القرار الذي أثار غضبة شعبية واسعة بين صفوف أعضاء الهيئات النيابية، والقضاة بشكل خاص وبين المصريين بشكل عام، وكان سببا في اندلاع مظاهرات واسعة في أنحاء مصر تطالب مرسي بالتراجع عن إعلانه الدستوري امتدت حتى الإطاحة بالإخوان من حكم مصر.
وبعد وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكم، تعرض عدد من رموز استقلال القضاء للتنكيل، حيث أحيل المستشار زكريا عبد العزيز إلى المعاش، ضمن حلقة من سلسلة طويلة تستهدف رموز تيار استقلال القضاء الذي تصاعد دوره خلال حكم حسني مبارك، إضافة إلى استخدام مزاعم واهية واتهامات مشكوك بها مثل الاشتغال بالسياسة واقتحام مقر مباحث أمن الدولة عقب ثورة 25 كانون الثاني/يناير.
وكان مجلس التأديب والصلاحية في محكمة استئناف القاهرة، قضى في 7 أذار/مارس 2016 بإحالة المستشار زكريا عبد العزيز للمعاش، في الدعوى المقامة ضده من اللجنة القانونية للدفاع عن القضاة بزعم اتهامه باقتحام وحرق مبنى أمن الدولة في اذار/مارس 2011، والاشتغال بالسياسة.
يذكر أن وزير العدل السابق محفوظ صابر، أمر في 25 أذار/مارس 2015 بإحالة عبد العزيز، رئيس نادي القضاة الأسبق وأحد رموز تيار استقلال القضاة، لمجلس الصلاحية والتأديب، على خلفية المذكرة التي أعدها قاضي التحقيق في البلاغ رقم 2036 لسنة 2014، بزعم اقتحام عبد العزيز، مقر أمن الدولة أثناء محاصرته من قبل المتظاهرين عقب ثورة 25 يناير، على الرغم من تأكيد المستشار عبد العزيز أن وجوده كان لحماية مبنى أمن الدولة من آلاف الشباب الذين سبق أن نكل بهم هذا الجهاز الذي استخدمه مبارك لقمع معارضيه وحماية نظامه. ورغم الطلبات المتكررة لعبد العزيز في سماع شهود النفي أو مشاهدة الفيديوهات التي توضح فتح مقر مباحث أمن الدولة من الداخلية، صدر القرار بحقه، ليضاف للعديد من القضاة الذين استبعدوا أو أوقفوا عن العمل بزعم اشتغالهم بالسياسة، في حين تغاضت هذه الإجراءات عن العديد من القضاة المنـــســوب لهم بالــصــوت والصــورة حديثهم في السياسة وتبنيهم لآراء واضحة وصريحة ضد الثورة تكشف عن انحيازهم السياسي الواضح.
أول وقفة احتجاجية للقضاة
يذكر أن المستشار زكريا عبد العزيز هو رئيس محكمة الاستئناف وترأس نادي القضاة لدورتين كاملتين منذ حزيران/يونيو 2001، حتى شباط/فبراير 2009، وشهد النادي خلالها طفرة كبيرة، ولعب خلال تلك الفترة دورا في التصدي لمحاولات نظام مبارك في السيطرة على مؤسسة القضاء.
وشارك عبد العزيز في أول وقفة احتجاجية للقضاة في مصر تنديداً بإحالة المستشارين هشام البسطويسي وأحمد مكي للتأديب بعد كشفهما ما شاب انتخابات 2005 من تزوير.
وقالت «الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان» إن استقلال القضاء أمر يهم كل مواطن مصري وأي مهموم بسيادة القانون وإقرار العدل، وضرورة الفصل بين السلطات كان أحد مطالب المواطنين في ثورة 25 يناير».
كما ألقت قوات أمن الاسكندرية القبض على المستشار الخضيري في منطقة سموحة، وكانت نيابة وسط القاهرة أصدرت قرارا بضبط وإحضار الخضيري لاتهامه بالاشتراك مع عدد من قيادات الإخوان بالتحريض على تعذيب المحامي أسامة كمال في ميدان التحرير، عقب اتهامه بأنه ضابط في أمن الدولة، وذلك أثناء أحداث ثورة 25 يناير، وصدر ضد الخضيري حكم بالسجن 3 سنوات في الواقعة.
وقالت المحكمة في حيثيات حكمها في القضية الذي اتهم فيها بجانب الخضيري، كل من أعضاء جماعة الإخوان حازم فاروق، ومحمد البلتاجي، وعمرو محمد زكي، وصفوت حجازي، ومحسن راضي، وأسامة ياسين، وأحمد منصور، بأنهم أداروا ميدان التحرير، وفق مخطط محكم لتحقيق أهدافهم، ووزعوا الأدوار، وأن منهم من كان يصدر الأوامر، ومن يقبض على الأشخاص، ومن يعذبهم، ومن يستجوبهم، ومن يذيع وينشر الأخبار الكاذبة على المنصة الموجودة في الميدان، ومن يصدرها لبثها عبر وسائل الإعلام المختلفة، سواء المحلية أو الأجنبية.
فصل واتهامات
وقال مصدر قضائي، إن عدد الذين فصلوا بعد اتهامهم بالتورط في تأسيس حركة للقضاة مخالفة للقانون تحت مسمى «قضاة من أجل مصر» والانضمام إليها، 43 قاضيا منهم 34 أحيلوا لمجلس الصلاحية، و9 قضاة آخرين أحيلوا لمجلس التأديب وتم إحالتهم للمعاش المبكر.
وتضمنت أسماء القضاة المحالين للصلاحية من قضاة الاستئناف والنقض الذي جاء عددهم 16 قاضياً، محمد عبد الحميد حمدي (قاض في محكمة استئناف المنصورة)، ومحمد الأحمدي مسعود (رئيس محكمة)، وحاتم مصطفى إسماعيل (قاض في محكمة استئناف القاهرة)، وأحمد الخطيب (مستشار في محكمة استئناف القاهرة)، وأسامة عبد الرؤوف (مستشار في محكمة استئناف الإسكندرية)، حسن النجار (محافظ الشرقية السابق ورئيس استئناف في محكمة استئناف القاهرة).
وتضمنت قائمة المحالين للصلاحية أيضا: محمد وائل فاروق (محام عام أول في نيابة أمن الدولة العليا سابقا، حاليا رئيس) وعلاء الدين مرزوق (رئيس محكمة في محكمة استئناف القاهرة)، ومحمد ناجى دربالة (نائب رئيس محكمة النقض)، ومحمد عوض عبد المقصود عيسى (رئيس استئناف في محكمة استئناف الإسكندرية)، وأيمن الورداني (رئيس استئناف في محكمة استئناف القاهرة)، وبهاء طه حلمي الجندي (رئيس استئناف في محكمة استئناف طنطا)، ونور الدين يوسف عبد القادر (رئيس استئناف في محكمة استئناف القاهرة)، وهشام حمدي اللبان (رئيس من الفئة أ في محكمة شمال القاهرة)، وسعيد محمد أحمد (مستشار في محكمة استئناف القاهرة).
وشملت الأسماء أيضا 12 قاضيا من هيئة قضايا الدولة وهم كل من المستشارين حسين عمر السيد (نائب رئيس الهيئة)، وطلعت العشري (وكيل الهيئة)، وعصام الطوبجي (نائب رئيس الهيئة)، وعبد الله كرم الدين (مستشار في الهيئة)، ومحمد فهمي عبد الرحمن (مستشار مساعد في الهيئة)، وحامد حسن حامد (مستشار مساعد في الهيئة)، ومحمد أحمد عبد الحميد (مستشار مساعد)، وسيد الطوخي (مستشار مساعد)، وسعيد عبد الكريم (مستشار مساعد)، ومحمد جودة عبد الجيد (نائب رئيس الهيئة)، والحسيني إبراهيم عبد ربه (مستشار في الهيئة)، ومحمود السيد فرحات (وكيل في الهيئة).
كما ضمت 5 قضاة من مجلس الدولة وهم كل من حسام مازن (نائب رئيس مجلس الدولة)، ووليد الطناني (نائب رئيس مجلس الدولة)، ومحمود شبيطة (وكيل مجلس الدولة)، ومحمود أبو الغيط (مستشار في المجلس)، وإسلام النحيحي (مستشار في المجلس)، وتضمن القرار إحـالة المسـتشار هشام السكري نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية للتأديب وقررت الدائرة الأولى في محكمة القضاء الإداري في مجلس الدولة، برئاسة المستشار بخيت إسماعيل، نائب رئيس مجلس الدولة، مد أجل النطق بالحكم في الدعوى المقامة من محمد ناجي حسن، وحاتم إسماعيل، ومحمد الأحمدي، وأيمن مسعود، وأسامة عبد الرؤوف، أعضاء قضاة من أجل مصر، المطالبة بإلغاء قرار مجلس تأديب القضاة في درجتيه الابتدائي والاستئناف والامتناع عن تسليمهم صورة رسمية من الحكمين بإحالتهم للصلاحية، الصادر في الدعوى رقم 9 لسنة 2014 صلاحية والاستئناف الصادر في الدعوى رقم 3 لسنة 2015 صلاحية، وإلغاء قرار منعهم من الطعن في جلسة 11 نيسان/إبريل المقبل.
تامر هنداوي