نقد «التنميط الاستشراقي» للمرأة التونسية في أعمال هالة عمار

حجم الخط
0

لا يمكن للإبداع أن ينشأ دون أن يحمل في داخله تساؤلات وتناقضات، متخليًا في المقابل عن كلَ قاعدة وعن كلَ ما هو سائد ومألوف. على هذا الأساس كان لجوء الفنَان إلى جسده حافزا على قطع الصَلة مع كل الفنون التقليديَة نحو الإعلان عن توجَه تشكيليَ جديد تولد عنه خطاب يقوم بتوظيف هذا الجسد، وفي ذلك تشريع لدخول مفاهيم ومعايير جديدة في الحقل التشكيلي.
مثلما كان الشأن في ممارسة الفنانة هالة عمار التي مثّل هذا الإشكال هاجسا انعكس على مجال التعبير والإبداع في تجربتها التشكيلية، سعت من ضمنه الفنانة إلى بناء تجربة فنية تنهل من التراث العربي بروح موغلة في تصورات الفكر المعاصر، الذي يقاطع الأصالة بالحداثة، وهو الهدف الذي راهنت عليه الفنانة وتمكنت من تجسيده في العديد من التجارب التشكيلية، بالاعتماد على استراتيجيات فنية معاصرة متمثلة في الصورة الفوتوغرافية والفيديوهات… لاسيما أنها جعلت جل أعمالها عبارة عن فضاء تلاقح بين ثقافتها وبين الثقافة الراهنة المتمغربة، وهو ما مكن تشكيلاتها من الغوص في دلالات اجتماعية وثقافية مواكبة لمستجدات الواقع الآني،
وهنا يجب أن نتوقف لنتساءل حول معنى حضور جسد الفنَان في أثره الفنَي: هل هو حضور كامل مادَي؟ أم هو إشعار بالحضور من خلال علاقة الفنَان المباشر بعمله؟ وهل أنَ هذا الحضور لمجرد الحضور كصَورة؟ أم له أبعاد ودلالات فكريَة ونقديَة؟
قدمت هالة عمار أساليب تشكيلية جمالية مختلفة ومتنوعة لمفهوم الهوية المزدوجة لدى المرأة التونسية المعاصرة، حيث سعت إلى اعتماد «آليات التيار الاستشراقي» بصورة ضمنية كمطية تشكيلية في ممارسة فنية مفادها نقد الهوية التي أسندها ذلك التيار إلى المجتمع التونسي، وذلك مثلما نستشفه في السلسلة الفوتوغرافية بعنوان «جارية» المتكونة من أربع صور، تحتوي كل واحدة منها على إطار زخرفي دائري تتوسطه امرأة جالسة في وضعية خلفية عارية الجسد تلف فقط أسفله باللباس التقليدي التونسي المسمى «بالسفساري». في حين يتفرد كل عمل من هذه المجموعة بجملة من المكونات، حيث ترتدي المرأة في العمل الأول «فلارة» من اللون الأبيض ذات زخارف ملونة، ويوجد بجانبها العديد من الأغراض المتمثلة في مجالات مكتوبة باللغة الفرنسية، وتظهر إحدى صفحاتها تحت عنوان «التحدي الجديد للإسلاميين». أما العمل الثاني فترتدي فيه المرأة غطاء رأس من اللون الأزرق، ويوجد بجانبها كتاب أحمر اللون وعلى فخذها (سبحة). في حين في العمل الثالث ترتدي المرأة غطاء رأس من اللون الأزرق وتوجد بجانبها نظارات ومجلة الأحوال الشخصية تغطي بها فخذها وصفحة مكتوبة مأخوذة من تلك المجلة. أما العمل الرابع فقد غطت رأسها بقماشة حمراء وتوجد بجانبها بطاقة تعريف وطنية للفنانة هالة عمار، وأيضا ثلاثة زوارق باللون البنفسجي وثلاثة باللون الأخضر وزورق ازرق.
تم توظيف التراث المادي «كالسفساري» و«الفلارة» التونسية بزخرفتها الزهرية المعهودة ضمن إطار فني معاصر مماثل للبصمة الفنية الاستشراقية، التي يستعير بها الجسد العاري جماله وكماله وفي وضعيته الشبقية. يتأسس هذا الأثر الفني على جملة من الجدليات المتناقضة من ناحية الأغراض المرافقة للشخصية والأسلوب الفني.. فمن جهة يوجد تأكيد على ملامح الأصالة والتراث التونسي، ومن جهة أخرى هناك تجسيد لعري ولموضوع غربي، وهو ما يبطن العديد من الرموز والمعاني. سعت الفنانة إلى توظيف مفهوم الهوية باستحضار أغراض فنية تبدو معاصرة ووثيقة الصلة بالوقت الراهن، وباختصاص الفنانة بما أنها امرأة قانون، حيث حاولت الفنانة من خلال ممارستها لهذه الأعمال فك رموز العديد من المفارقات في مجتمعات العصر الحديث في العالم العربي، فقد تمتعت المرأة بحق انخراطها في العمل في شتى الميادين كالاقتصاد والسياسة والثقافة… هذا إضافة إلى تمتعها بالعديد من الحقوق المنصوص عليها قانونيا.
تأسس هذا الأثر الفني وفق العديد من الضمنيات والمعاني وذلك باستحضار عديد الأغراض كناية على جملة من خصوصيات ومميزات المرأة التونسية الراهنة، التي من شأنها أن ترتقي بمنزلتها وتعكس حصولها على حقوقها وضمان كرامتها، وهو ما نستشفه من خلال حضور مجلة الأحوال الشخصية. لاسيما وأن حضور النظارات كناية عن ثقافتها العميقة والدقيقة وسعة قراءاتها واطلاعاتها… وقد يبرهن أيضا حضور المجلات والمقالات، كالمجلة التي جاءت تحت عنوان «التحدي الجديد للإسلاميين» على القوة الذهنية للمرأة وحضورها الفعال في عالم الفكر، طالما أنها ركبت سفن الحرية وأصبحت تتمتع بالاستقلالية في عديد المجالات (الثقافية. الاجتماعية. السياسية…) وهو ما عبرت عنه الفنانة من خلال استحضار غرض الزوارق على اختلاف ألوانها. وفي هذا الصدد أيضا تستحضر هالة عمار «بطاقة التعريف» دلالة على اعتزازها بنفسها وبهويتها وبانتمائها، إذ يعد هذا الغرض أحد أهم مقومات مفهوم الهوية وإثبات إنسانية الإنسان. وبالتالي مع حضور كل هذه العناصر التي من شأنها أن تجسد مفهوم الهوية إلا أن عدسة التصوير أو حدقة العين قد تركزت فقط على النموذج الأنثوي، طامسة معالم العناصر المصاحبة له وما فيها من رمزية وكناية. أيضا كان فعل الطمس من خلال استحضار زخارف كانت قد وشت الغطاء الرأسي وجاءت في إطار لتغطي مكتسبات المرأة التونسية اليوم. ومن جهة أخرى تتجسد عملية الطمس باعتماد أسلوب أو تقنية التدرج الضوئي من الداكن في الأطر نحو الفاتح في المركز، أو هو أسلوب في النقاء، وذلك رغبة في إظهار العري لدى المرأة والسعي إلى جعل هويتها مماثلة للهوية الغربية.
رغم ما جاء يعتبر هذا النموذج واضح المعالم إلا أن العناصر المصاحبة له كانت مغطاة بغطاء زهري شفاف يساهم في ضبابيته وعدم وضوح معالمه كناية عن عدم حصول المرأة في تونس اليوم على العديد من الحقوق، رغم أنها قطعت أشواطا كبيرة في ترسيخ هويتها وكيانها الإنساني المساوي للرجل، تبقى النظرة الموجهة إليها والمسلطة عليها لا ترى جميع الإنجازات التي حققتها، بل تبقى عين المجتمع، تنظر لها كجارية. كما تمت عنونة هذه السلسلة الفوتوغرافية (جارية) أو كجسد للاستهلاك الذي يجب أن يغري الرجل بكماله، مثلما تم تجسيد جسد المرأة في أعمال الفنان الاستشراقي انقر «المستحمات». وبالتالي قد تبدو هذه الوضعية مماثلة لوضعية المرأة في العصر الراهن ولهويتها وخاصة بعد ثورة ربيع العرب.
لم تبحث هذه السلسلة الفنية في قضية المرأة فحسب، بل أيضا في كيان الهوية الجماعية في جزء مهم منها (المرأة) لذلك عمدت هالة عمار في ممارستها التشكيلية هذه على اقتباس عناصر مادية من التراث التونسي، كالزخارف الزهرية وغطاء الرأس «الفلارة» وأيضا السفساري… وفي الصدد ذاته تم توظيف أغراض من شأنها أن تجسد هذه الهوية الجماعية كبطاقة التعريف والزوارق ووثائق حقوق الإنسان.
لقد أصبحت هوية المرأة العربية محل أيديولوجيات مفروضة عنوة نتيجة ما فرضه الواقع من تغيرات في علاقة الذات بنفسها أو في علاقة الذات بغيرها، ما جعلها متشبثة بهويتها وبعاداتها وتقاليدها على المستوى الاجتماعي والثقافي، وإن عدم التفريط في التمسك بملامح الهوية العربية جعلها تخضع لقواعد المجتمع الذي تعيش ضمن دائرته.

٭ باحث تونسي

نقد «التنميط الاستشراقي» للمرأة التونسية في أعمال هالة عمار

نجم الدين الدرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية