دون تعليق: 650 ألف طفل مغربي لم يلتحقوا بالمدرسة

حجم الخط
20

650 ألف طفل لم يتمدرسوا خلال الثلاث سنوات الأخيرة في المغرب، إنه رقم مخيف يستحق على شاكلة أسلوب القناة الأوروبية للأخبار «أورونيوز» مشهدا وفي أسفله «بدون تعليق» No Comment . كما يستحق هذا الرقم المرعب وقفة تأمل في خطاب التنمية، الذي يروج له المغرب داخليا وفي القارة الافريقية، بل يستوجب منا التساؤل التالي: ألا يعتبر هذا الرقم جريمة في حق الأجيال المقبلة في المغرب؟
هذا الرقم المخيف ليس من مزايدات المعارضة البرلمانية في المغرب، التي بالمناسبة اختفت نهائيا أو تقريبا، أو مبالغات أقلام صحافية ترى المغرب أسود، كما تدعي السلطات كلما رسبت في امتحان سياسي واجتماعي، بل هو رقم رسمي صدر منذ أسبوعين عن هيئة رسمية، شكّل وعيّن أعضاءها الملك محمد السادس. وفي هذا الصدد، قال الأمين العام للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي عبد اللطيف المودني خلال اجتماع المجلس لتدارس مشاكل التعليم «إن إحصائيات الساكنة كشفت أن هناك حوالي 650 ألف طفل خارج منظومة المدرسة، إما أنهم لم يلتحقوا نهائيا بالمدرسة أو التحقوا وغادروا». إنها إحصائيات رسمية، والناس تدرك كم من طبقات الماكياج السياسي والتغليطي تطلى بها الأرقام الرقمية لتكون مقبولة، ورغم ذلك فإنه في حالة 650 ألف طفل، يعتبر رقما مرعبا بكل المقاييس.
ولا نعني برقم 650 ألفا تراكم نسبة الأطفال المغاربة الذين لم يدرسوا خلال فترة طويلة، بل فقط خلال الثلاث سنوات الأخيرة. وهذا الرقم هو مرة ونصف المرة عدد ساكنة مدينة مغربية متوسطة بالكامل مثل مدينة تطوان أو مرة ونصف المرة مثل بريستول البريطانية ومرتان ساكنة مدينة إسبانية مثل غرناطة.
هذا الرقم يعتبر كارثة حقيقية يضاف إلى رقم آخر كشفت عنه مندوبية التخطيط التي يديرها خبير/سياسي عينه الملك محمد السادس، وهو أحمد الحليمي ومفاده وجود مليون و685 ألف شاب مغربي تتراوح أعمارهم ما بين 15 سنة الى 24 سنة لا يدرسون ولا يعملون ولا يتلقون أي تكوين يساعدهم على مواجهة أعباء الحياة والانخراط في سوق العمل. وبعملية حسابية بسيطة سيكون العدد هو مليوني و335 ما بين الأطفال والشباب الذين لم يتلقوا التعليم الكافي أو لم يحصلوا عليه نهائيا.
كان يمكن قبول هذه الأرقام المخيفة لو كان المغرب دولة مفصولة عن العالم، أو كان المغرب يعيش حربا أهلية مزقت البلاد وحكمت بالنزوح على العباد، لكن لا شيء من هذا حدث، فمن المسؤول؟ إن مثل هذه الأرقام تحصل فقط في الدول التي لا تشهد إدارة ذكية، وتعتمد على الولاءات والتملق بدل الكفاءات وتقترب إدارتها من الفشل التام، وبدل استعمال دولة فاشلة في حالة المغرب نستعمل «إدارة عامة فاشلة» بدون استثناء لأي مؤسسة. فمن باب المقارنة لا توجد أي دولة مجاورة للمغرب، سواء عربية أو في شماله من الاتحاد الأوروبي تشهد مثل هذه الأرقام المأساوية.
وتحصل هذه الكارثة في وقت تمتنع الدولة عن توظيف المعلمين والأساتذة لتدريس أبناء المغاربة، بل تلوح بخوصصة (خصخصة) قطاع التعليم، إذ وصلت نسبة التلاميذ في بعض الأقسام إلى ما فوق 70%، والمغرب من دول العالم التي لديها عجز في نسبة كل أستاذ لمجموعة من التلاميذ، وفق اليونيسكو. يحصل هذا في وقت ارتفعت فيه مديونية البلاد الى مستويات تاريخية تجاوزت 80% من الناتج القومي الخام للمغرب. كما يحصل هذا في وقت لا يقوم القضاء بتسريع وتيرة التحقيق في اختلالات قطاع التعليم بشأن ما يسمى فضيحة «المخطط الاستعجال»، مخطط جرى تبنيه لإصلاح التعليم منذ سنوات وإذا به يتحول إلى مغارة علي بابا لبعض المسؤولين. إن أي باحث في مجال التنمية البشرية والدراسات المستقبلية عند قراءته هذه الأرقام سيخرج بنتيجة واضحة، وهو أن نسبة مهمة من هؤلاء الأطفال والشباب لا مستقبل آمنا لهم، بل سيتحولون الى عالة حقيقية على الدولة أمنيا واجتماعيا الآن ومستقبلا.
هناك خلل واضح في تصور الدولة المغربية للتنمية، وهناك خلل واضح في تسطير الأولويات. ونتساءل: هل يمكن لدولة مثل المغرب بـ650 ألف طفل خارج منظومة التعليم، أن تحطم أرقاما قياسية في المهرجانات الغنائية ومنها تلك التي يحصل فيها المغني على قرابة نصف مليون دولار؟ هل يمكن لدولة مثل المغرب أن ترفع مديونية المغرب من أجل إقامة قطار سريع مكلف بينما 650 ألف طفل خارج المدرسة؟
ووسط كل هذه الأرقام المخيفة، يرفع مسؤولون مغاربة شعار تنمية إفريقيا والنموذج التنموي الناجح دوليا، بينما البلاد توجد في المركز 130 في التنمية البشرية عالميا. مستويات الفقر في البلاد وانهيار قطاعات استراتيجية مثل الصحة والتعليم، تحتم الاعتراف بمأساوية الوضع في المغرب وضرورة البحث عن حلول. دائما يتم ترديد مقولة «إذا كنت في المغرب فلا تستغرب»، ربما المغرب، وفق تصور المسؤولين، هو الدولة الوحيدة في العالم التي ترفع شعار التنمية بينما قطاع التعليم فيها منهار. كل أدبيات التنمية في العالم تنطلق وتبرز أنه لا يمكن تحقيق أي نهضة حضارية بدون تعليم يواكب العصر، إلا في المغرب حيث لا يواكب العصر بل تستمر الأمية.
نعم «إذا كنت في المغرب فلا تستغرب».
كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»

دون تعليق: 650 ألف طفل مغربي لم يلتحقوا بالمدرسة
 
د. حسين مجدوبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية