في جواب لا يخلو من الانفعال والرغبة في تسطيح الأشياء، قال الأمين العام لحزب جبهة التحرير الجزائري، جمال ولد عباس، لأحد السائلين عن صحة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة: إنه بخير وصحته عادية. ثم استرسل: اتركوه لشأنه!
حدث ذلك في مؤتمر صحافي عصر السبت كان الغرض منه الحديث عن المرشحين للانتخابات النيابية المقبلة. لكن موضوع صحة الرئيس فرض نفسه.
ولد عباس هو أحد «الإطفائيين» المكلفين بملاحقة الأسئلة المتعلقة بصحة بوتفليقة. دوره أن يقول «إنه في صحة جيدة ويمارس مهامه». واجبه الوطني منذ 2013 أن يكرر هذه العبارة بثبات وكلما تطلب الأمر، عن علم أو عن جهل لا يهم.
في طريقة الرد ومحتواه يوم السبت إشارات على أن السؤال المتكرر عن صحة الرئيس يقلق الذين من حوله ويتوَّلون مهمة التحكم في المعلومة. وتحمل إشارات على أن «الإطفائيين»، هم ذاتهم، لا يملكون معلومة موثوقة وأكيدة، فيردُّون دائما بالعبارة ذاتها، ثم يهربون من السؤال أو يقطعون الطريق أمام المزيد.
الأسئلة المتكررة عن صحة الرئيس تحرج الذين على عاتقهم تقديم أجوبة عليها مثل ولد عباس وعبد المالك سلال. كما تذكّرهم بأن ثمة شيئا «غلط» مطلوب منهم تسويقه صح، وبأنهم لا يعرفون إلى متى سيستمرون في هذه اللعبة.
كثرة السؤال هذه الأيام لها ما يبررها. ففي أقل من شهر ألغى الرئيس ثلاثة لقاءات هامة، في ظروف صحية أفضل، كان يقيم لها الأفراح. في الـ20 من الشهر الماضي طلبت الرئاسة تأجيل زيارة رسمية للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إلى الجزائر بسبب تعذر مقابلتها بوتفليقة، قبل ساعة من إقلاع طائرتها. سبب التأجيل، وفق بيان الرئاسة، وعكة صحية مفاجئة ألمّت ببوتفليقة.
الإثنين الماضي أُعلن عن تأجيل زيارة رسمية كان سيقوم بها الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى الجزائر قبل رأس السنة الفارسية في الحادي والعشرين الجاري. هذه المرة تولت طهران تعميم خبر تأجيل زيارة روحاني، بعد تنسيق مع الرئاسة الجزائرية.
والأربعاء الماضي ألغت الرئاسة لقاءً كان سيجمع بوتفليقة بوزير خارجية إسبانيا ألفونسو داستيس الذي كان في زيارة عمل للجزائر. هذه المرة لم تقل الرئاسة شيئا عن الإلغاء وكأنها شعرت بثقل التكرار. وعندما تساءل الرأي العام على لسان صحافيين وإعلاميين، قال وزير الخارجية رمطان العمامرة إن زيارة داستيس إلى الجزائر لم تكن تتضمن اجتماعا مع بوتفليقة.
ليس في «توضيح» العمامرة ما يجعله يصمد كثيرا، لأن بوتفليقة، حتى وحالته الصحية متردية، ظل يصر على استقبال زوار الجزائر الأجانب. في السنوات الأربع الأخيرة، استقبل وهو مريض، رؤساء دول وحكومات ووزراء. بل استقبل شخصيات عامة بلا وظائف رسمية من وزراء فرنسيين سابقين وبرلمانيين صف ثالث وحتى رؤساء بلديات، فكيف لا يستقبل وزير خارجية دولة حليفة وجارة وصديقة مثل إسبانيا في هذه الظروف لو لم يكن المانع قويًّا؟
كان أحد أهداف الاستقبالات تلك إسكات المشككين وطمأنة المتخوفين من خلال رسائل تؤكد أن الرئيس بخير ويمارس مهامه ومسؤولياته.
بالتزامن مع التأجيل المتكرر انتشرت معلومات تداولتها وسائل إعلام في عدة دول، بينها لبنان ومصر، عن وفاة بوتفليقة، اضطرت سفير الجزائر إلى بيروت إلى لعب دور «الإطفائي» هذه المرة.
هناك أكثر من سبب يجعل من نصيحة ولد عباس «ترك الرئيس في شأنه»، بلا جدوى. أبرزها أنه لم يسبق لبوتفليقة أن ألغى التزامات بمثل هذه الأهمية والكثافة في فترة زمنية وجيزة. ولم يسبق له التواري عن الأنظار طيلة أكثر من شهر بلا أثر. ولا يوجد ما يفيد أن صحته تتحسن مقارنة بالسنوات والشهور الماضية.
الجزائر دولة ذات نظام رئاسي تكرس بعد تعديل بوتفليقة للدستور، وأصبح يضع الكثير من السلطات والصلاحيات بين أيدي الرئيس. الرئيس هو وزير الدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلحة، يرأس مجلس الوزراء وهو صانع السياسة الخارجية والسياسات الاقتصادية والمالية.
هذه المركزية في الصلاحيات تصبح مثيرة للقلق عندما يتكرر غياب رئيس الدولة (أي دولة) عن القمم الرئاسية الإقليمية والدولية الحاسمة، وعن متابعة ما يجري في العالم بمعرفة وعمق، وعن زيارة دول أخرى للظفر باتفاقات اقتصادية واستراتيجية، وعن استقبال نظرائه نداً للند، ليس لإثارة شفقتهم أو جعلهم يقولون كلاما طيبا عن صحته بعد انتهاء المقابلات، بل لفرض بلاده في دائرة اهتماماتهم وحساباتهم.
وعجز بوتفليقة عن أداء هذه المهام ترك الساحة خالية للهواة من وزراء ومسؤولين مبتدئين يقومون بأدوار غير أدوارهم يؤدونها بارتباك، فكانت النتيجة غياب الجزائر حيث يجب أن تكون.
هذه الأسباب وغيرها تجعل السؤال والقلق مشروعَين. وتجعل الغلط ليس في السائل أو كثرة السؤال. من حق الجزائريين أن يتساءلوا ويقلقوا من هذا الفراغ، خصوصا والخطاب الرسمي لا يتوقف عن تذكيرهم بمآسي ليبيا وسوريا. أما إذا كان «الإطفائيون» غير ملمين بموضوعهم أو لا يمتلكون الحقيقة، أو يمتلكونها ويخشون الجهر بها، فتلك مشكلتهم هم قبل غيرهم.
كما بات لزاما على «الإطفائيين» تغيير أدوات عملهم، لأن «هو بخير ويؤدي مهامه على أحسن وجه» انتهت صلاحيتها ولم تعد مقنعة.
٭ كاتب صحافي جزائري
توفيق رباحي