كثيرة هي اﻷسئلة المحرجة، التي يطرحها علينا حاليا التلقي الشعري، خاصة منها تلك، المتعلقة بظاهرة تراجعه أمام هيمنة للرواية. وفي اعتقادنا أن الأمر يخص نوعا معينا من التلقي، الذي دأب على التعامل مع الشعر، ضمن طقس فرجة احتفالية، طالما اتسمت بها سنوات السبعينيات، والثمانينيات من القرن الماضي، حينها كانت تتقاطر على القاعات قطاعات جماهيرية غفيرة، هي مزيج من الطلبة والتلاميذ، ورجال التعليم، قبل أن تتراجع فرجة هذا الطقس في العقود الأخيرة، بموازاة تراجع مبيعات المجاميع الشعرية.
وهذا الإشكالٍ الجدير بالإضاءة، وثيق الصلة برؤية تقليدية للشعر، قوامها حضور بُعد إنشاديٍّ ذي مسحةٍ مسرحيةٍ، تعتمد على منصة، تتتالى عليها ثلة من المؤدين، كما تعتمد على جمهور متحمس، جاهز للانجذاب إلى طقس الفرجة الشعرية، أو مجافاته، تبعا لطبيعة المرجعيات الفكرية، التي يتم تأطير القراءات بها، بمعنى أن المكون الإنشادي، يتكامل بالقوة وبالفعل، مع المرجعية الأيديولوجية، التي يُلزَم الشاعرُ سلفا بتبنيها، أملا في أن يحظى بمباركة الجمهور، بما يعنى، انفصال شعره عضويا عن أي دلالة ذات صلة بمكوناته الجمالية. والشيء نفسه، بالنسبة للمتلقي، الذي لن يكون بالضرورة مطالبا بامتلاك أي مستوى من مستويات المعرفة الشعرية، حيث تُكرهُ القصيدةُ خلال مدة إلقائها، على التخلي عن مجموع ما تمتلكه من مقومات شعرية، مادامت القاعة هي أيضا، غير معنية بها، حيث لا يُحتفظُ منها سوى ببعدها الصوتي، الذي يحدث أن يفقد خصوصيته، في حالة عدم استئناس الحاضرين بإيقاعاته السياسية. وهذا المنعطف، يضعنا مباشرة في قلب ذلك الإشكال العالق بين مستويين متضادين، من مستويات القول الشعري، أحدهما محكوم بسلطة إنشاد مسنود بعنفه الأيديولوجي، والآخر محكوم بسلطة جمالية الكتابة.
أيضا، يمكن أن نضيف إلى هيمنة الفرجة الإنشادية، مفاهيم أسلوبية، من قبيل الفصاحة والجزالة، المنتميتين إلى مدونة الذاكرة التراثية، التي تتعامل مع الشاعر، بوصفه سلطة رمزية، تُسنَدُ إليها مهمة التغني بأمجاد الهوية. ففي طقس الإلقاء، يستيقظ البعد القبلي، كما تحُلُّ في رَوْع الشاعر، روحُ الناطق بضميرها، وبأمجادها الكفيلة بإسقاط كل الخيام المناوئة، ذلك أن ما يلاحظ هنا، هو التلذذ باجترار أمجاد الأزمنة العربية العتيقة، بنخوتها وأنفتها، حيث ليس لأحد أن يُزايد بجهالته العمياء، على “قبيلة” تحمل بين ضلوعها، جهالةً أشد عنفا، وأشد تنكيلا. هنا يتحول الإنصات إلى مصفاة، تقيس الأصوات بما يتماهى مع القيم القديمة، التي على أساسها، تترسخ سلطة الشاعر، ذُيوعُ صيته، و”فحولته” ضمن إبدالٍ، مجسد في الموقف النضالي، المستند إلى مرجعية أيديولوجية معلنةٍ أو مضمرة، انسجاما مع التواطؤ القائم عادة، بين الشاعر وبين جمهوره. إذ خارج هذا التواطؤ، لن تكون ثمة مشروعية لتواجده على أي منصة ما. بمعنى، أن الشاعر المفتقر إلى قضية سياسية ونضالية، مطالب بإخلاء المكان، مادامت الفرجة، تكمن في التمظهر الشعري للقضية، الذي تتحقق على أساسه، متعة الانتشاء الجماعي بحلم اﻻنتقام من عدوانية السلط المهيمنة، وعلى غرار الحضور الإنشادي، تُعفي القضيةُ هي أيضا المتلقي، من ثقل أي مسؤولية معرفية بأسرار القول الشعري، مادامت قِيِمُها متمكنةً من وجدانه، ومن قناعاته الفكرية. فالقصيدة لا تتحدث باسم أي كان، عدا اسم القضية، وليس لها أن تكون سوى ترجمانٍ، لغضب المتلقي من بؤس الواقع. وهي وضعية، تعود أسبابها إلى ضمور المعرفة الشعرية، واختزالها في المضامين الاجتماعية، والسياسية، أو العاطفية، التي تتفاعل معها مختلف الشرائح، بسلاسة جد فائقة. وهي الحيثيات التي تبخرت تماما، في ظل تراجع الخطابات الأيديولوجية، بمختلف توجهاتها ومرجعياتها، فضلا عن تسربِ الشكوك إلى المنظومات النظرية، التي كانت إلى حين، معتمدة من قبل اليسار العربي في حملات التعبئة الجماهيرية، قبل استفاقته المتأخرة، على سراب تغيير، كان يبدو إلى حين، أقرب إليه من حبل الوريد.
إننا، ومن خلال استعادتنا للمهرجانات الشعرية الكبرى، التي كانت تنظم في المدن المغربية، خاصة منها فاس ومكناس، نتذكر ذلك الطقس اﻹنشادي الحاشد، في قاعات تغص بجمهور، كنا مقتنعين بانتمائه الطبيعي إلى سلالة عشاق الشعر، في حين، لم يكن سوى تجمعات بشرية، تبحث عن حظها من الفرجة، خاصة حينما يتم فتح باب النقاش على مصراعيه، دون حسيب نقديٍّ أو رقيب، كي يصبح طقس الفرجة أكثر احتداما، بموازاة طلقات اﻻستنطاقات المسددة باتجاه المنصة، والموجهة سلفا بالرؤية الأيديولوجية نفسها المعتمدة مِحكّاً لمصداقيةِ ما أُنشِد من شعر، والتي لا تتطلب من المتسائل/المستنطِق، سوى الإلمام بما قلَّ من المعادلات المدرسية المبتسرة من المعجم الأيديولوجي، كي يتم بموجبها، نسف الكثير من النصوص، لتتبدد بذلك مصداقية الشاعر، وتكتمل مواصفات الفرجة، في أجواء من السادية المطلقة والمجانية، التي يتحول معها الشعر إلى مجرد ذريعة، لتفجير تناقضات المرحلة، وتصنيع خطابات وخطباء ونقاد، سعداء بسلاطة ألسنتهم، الموظفة في التنكيل بالشعر والشعراء، ما لم تصادف القراءات، هوىً لدى الإطار الأيديولوجي المستبد. ضمن هذه الملابسات الغريبة، سيكون من الطبيعي، أن تسبق صورة الشاعر زمن إلقائه لقصائده، حيث سيكون هو أيضا، معنيا بتعبئة حوارييه ومريديه، تحسبا لأي هجوم محتمل، لأن الشاعر الذي لا يمتلك غطاء إيديولوجيا، سيكون مآله القتلُ الرمزي. وفي سياق هذه العدوى المأساوية، سيطالب معجم الشاعر، بأن يكون صدى فعليا لصوت “القبيلة” الكفيلة بضمان استمرارية حضوره في المشهد الشعري. لذلك فإن الكثير من الشعراء، كانوا يتهيبون من احتمال انقلاب هذه الفرجة عليهم، تبعا لتقلبات الرياح الأيديولوجية في فضاءات القاعات. عدوى هذه الظاهرة، كانت تمتد أيضا إلى العلاقات الإنسانية، والثقافية، وأيضا إلى الأطاريح الجامعية، الشيء الذي ساهم ولعدة عقود، في تكريس أحكام جد مغلوطة على الشعر والشعراء، وفقا للاستراتيجية المغلوطة، التي دأبت الفرجة على ترسيخها، في جميع المجالات الفنية. بعد أن أمست مؤطرة بالمعادلات والابدالات نفسها، التي يعتبر تملكها ضروريا، من أجل ضمان انتماءٍ مشروعٍ إلى الطقس المشترك، الذي يحدث أن يكون قوميا، إسلامويا، أو أمميا. بمعنى، أن النصوص في ذاتها، كانت تعاني حالة من اليتم، تحث تأثير السلطة الطاغية، التي دأبت الفرجة الأيديولوجية على ممارستها، التي اتخذت في السنوات الأخيرة، منحى مضادا بفعل انتشار الشبكة العنكبوتية، ما ساهم بشكل مباشر، في استحداث نماذج تواصلية جديدة، أنتجت بدورها أنماطا مغايرة من أنماط الفرجة، لم يعد الزوج معها يمتلك من الوقت، ما يتيح له فرصة التطلع في وجه شريكة حياته، تحت ضوء الشمس، أو القمر. فالفرجة بمفهومها الجديد، خاصة منه الافتراضي، أصبحت المحرض المركز والفعلي لفضول المشاهد، الذي اكتشف أخيرا، أهمية الوظائف التي يمكن إسنادها إلى عينيه، كما اكتشف حظوة التردد على هذه العوالم المغايرة والجميلة، المتسارعة تحت بصره. فرجةٌ حميميةٌ، موضوعةٌ رهن إشارته، دون أن يشاطره فيها إنس أو جان. فرجة عوالم متحولة، وبمختلف الأشكال والألوان، التي ﻻ يمكن بحال أن تقف أمامها أي خطوط حمر، أو صفر. وبالتالي، فهو الوحيد، الذي يتحكم في لحظة إطلاق شرارتها، كما يتحكم في مكانها وزمانها، أي خارج المنطق التقليدي للبرمجة التي يكون ملزما بها، تحت إكراه التواجد القسري في قاعة معينة، في توقيت محدد، وضمن شريحة اجتماعية ما. إنها الفرجة اليومية المعدة بالتقنيات الحديثة، التي تأتيك مطواعة ومنقادة، دون أن يُمهَّدَ لها بأي تفكير، أو تخطيط. كل هذه العوامل وغيرها كثير، أحدثت انقلابا جارفا في مفهوم الفرجة، فضلا عن اختفاء تلك المعادلات الأيديولوجية، التي كانت تستبد بالفراغ الكبير.
إن انفتاح أزمنة الحداثة على أنماط جديدة من الفرجة، أمر لم تتقبله أوساط التلقي التقليدي، التي أمست تفسر كساد بضاعتها بتبريرات مستمدة من الأزمنة البائدة، حيث يتحالف المؤدلجون، مع حراس المفاهيم اللغوية والجمالية القديمة، معلنين بذلك انضمامهم إلى أعداء الإبداع، القائلين بأفول شمس الكتابة الشعرية. والحال إن الأمر يتعلق بتخلص الشعر من شرائحَ دخيلةٍ عليه، كانت تتخذه مطية لمآربها المتعارضة تماما مع أفق الكتابة الشعرية. هذه القناعة الموضوعية، لن تمنعنا من القول، بضرورة إبداع فرجة شعرية حداثية، منسجمة مع خصوصية الجماليات الجديدة، المستجيبة لانتظارات التلقي الحديث، بالاستفادة من المنجز الموسيقي والمسرحي، الشيء الذي يعتبر في عرف الذهنيات السكونية، مغامرة حقيقية، التي لا يتجاوز تحديثها للأمسيات الشعرية في أحسن الأحوال، حدود مصاحبة موسيقية، عديمة الصلة بالقصائد الملقاة، دون أن يغيب عن انتباهنا، أن المبادرة الفعلية لتحديث الفرجة الشعرية، قد تصدر عن الجهات التهريجية، التي تمتلك ما يكفي من الجرأة والميوعة، لتجريب كافة التقنيات، التي ترتقي بالقراءة إلى مستوى فرجة، يقتصر فيها الشعر على لعب دور مؤثث جمالي، شأنه شأن القبعة، المــــــوضـــوعة على رأس “الشاعر” حيث تظل الفرجة الفعلية، بمواصفاتها الفنية والجمالي الحقيقية مؤجلة، وفي حكم المستحيل، كي يستمر العمل بأطروحة تراجع الشعر، على حساب أجناس إبداعية أخرى، وكي يستمر الشعر الحقيقي، في ممارسة حضوره، بعيدا عن صخب المعادلات الغريبة تماما، عن فضاءاته وعن جوهره.
٭ شاعر وكاتب من المغرب
رشيد المومني