هاكم بضع كلمات عن ظاهرة لا يمكن أن تحصل: في ليلة الانتخابات الاخيرة جلس في استديوهات التلفزيون محللون وضيوف مدعوون مثلي فأطلقوا هواء ساخنا على ما لا يعرفونه. فقد فاجأت نتائج الانتخابات الجميع، بما في ذلك كبار المنتصرين من الليكود. في إسرائيل لا توجد سوى قاعدة واحدة مستقرة في السياسة: بعد المفاجأة، بشكل عام من خلال حزب واحد غير متوقع. ذات مرة كان هذا حزب المتقاعدين الذي أصبح لسان الميزان، ومرة اخرى «كديما»، ومرة ثالثة «يوجد مستقبل» وفي المرة الاخيرة نما الليكود بعشرة مقاعد أعلى من الاستطلاعات حتى صدور النتائج الحقيقية.
حين لا تكون معلومات دقيقة يستند اليها، فإن كل ما يتبقى هو تصديق بعض الاشخاص لبعض الوقت. بكلمات اخرى، تقليص عدم اليقين من خلال الايديولوجيا. هذا بالضبط هو السبب الذي يجعل أفكارا عن «كتلة مانعة لنتنياهو» تكون فيها القائمة المشتركة إلى جانب بوغي يعلون الذي يعبر عن موقف سياسي يميني ثابت، او حتى يائير لبيد، هي ابتكار ليس له أي فرصة للتحقق.
الانتخابات التالية ستكون حول نتنياهو، دون صلة بالتحقيقات الجارية ضده. الليكود، الذي سبق أن أثبت بأنه يعرف كيف يجلب ربع المقترعين، ليقفوا امام اولئك الذين ضده من اليمين واولئك الذين ضده من اليسار. نتنياهو سيكون نقطة الموقف. والارتباطات ما بعد الانتخابات يمكنها أن تكون بين اللاعبين من اليمين. بينيت، ليبرمان، يعلون، كحلون. ويمكن للارتباطات أن تأتي أيضا مع وسط لبيد، بل وحتى حزب العمل وميرتس بعد حسم البيت اليهودي. والقاسم المشترك بينهم جميعا هو أنهم لا يريدون نتنياهو كرئيس وزراء. بعضهم يقول هذا فقط في الغرف المغلقة، بعضهم بصوت عال، ولكن المصلحة مشابهة. يوجد فقط حزب واحد في الكنيست لا يمكنه أن يؤخذ بالحسبان في أي ارتباط كان، وهذا هو القائمة العربية المشتركة. ليس لها مكان في أي ائتلاف او حكومة. فهي لن تكون شريكا في كتلة مانعة ولا حتى في توزيع فوائض الاصوات، مثلما كان يمكن أن نرى في الانتخابات الاخيرة. سياستها في جوهرها هي في التواجد في البرلمان الإسرائيلي وليس في التأثير عليه.
طالما كانت لغة الحزب قومية عربية متطرفة، فلا تعايش ائتلافي. يتبين انه بعد سبعين سنة فإن التعايش هو دور المواطنين فقط وليس السياسيين العرب. عندما تحدث نتنياهو عن «العرب المتدفقون في الباصات إلى صناديق الاقتراع»، فإنه خدع واستغل خوف مقترعي اليمين من تعابير السياسة العربية. كان هذا ديماغوجيا وفظا، ولكن التخوف اياه موجود على نحو مشابه في أوساط مقترعي حزب العمل وميرتس، باستثناء انه بلغة اخرى. او مثلما قال بوجي هرتسوغ في احدى الندوات الحزبية المغلقة ـ ينبغي الكف عن اعطاء احساس بأننا محبون للعرب.
رغم تحذيرات نتنياهو، فإن نسبة اقتراع عرب إسرائيل كانت متدنية، ولكن حتى لو زادت في الانتخابات التالية، فإن هذا لن يغير شيء. كي يكون عرب إسرائيل جزءاً من كتلة مانعة، ائتلاف مستقبلي، وحتى جزء من الحكومة ذات يوم، كحلم زئيف جابوتنسكي عليهم أن «يصبحوا يهودا». وليس بالمعنى الديني والقومي بل بالسياق الاجتماعي والثقافي. الانخراط في المجتمع كعنصر مدني وسياسي وليس كحركة من تحت الرادار.
اليهود في كل مكان في العالم صلوا لبناء القدس، ولكنهم فعلوا كل ما في وسعهم للانخراط في الدول التي سكنوا فيها. فقد شاركوا في الحكم، اشاروا للملوك والرؤساء وحركوا تيارات سياسية. وبخلاف إسرائيل ـ الدولة التي هي الاكثر راحة للعيش فيها كمسلم أو كمسيحي في الشرق الاوسط، فإن الدول الأوروبية تعاملت بوحشية في احيان كثيرة مع أقلياتها. ولكن اليهود لم ييأسوا: حين اغلقوا لهم الباب دخلوا من الشباك؛ واذا كان الشباك مغلقا، فعبر شق في الحائط. الشبان اليهود خدموا في الجيش، صلوا لسلامة المملكة وأداروا مع المملكة علاقات عديمة التطلعات القومية. يكفي رؤية اليهود من مقربي إدارتي اوباما وترامب كي نفهم ما هي العقلية اليهودية للحياة المدنية في المنفى.
قبل بضعة اشهر جرت اتصالات لاقامة حزب عربي جديد يعمل على انخراط الوسط في المجتمع الإسرائيلي. في نظري كان هذا الاستحداث العربي الاول. لا حاجة لتبني النموذج اليهودي في المنفى بعمومه، ولكني كنت مقتنعا بأنه حتى أن بعضه سيساعد في التعايش. لاسفي، لم تنجح هذه الاتصالات في الاقلاع. بقيت القائمة المشتركة. بقي القيد. عدم القدرة حتى على المفاجأة في الانتخابات. هذه حرية مدنية عليلة، وهذه القيود هم الذين يضعوها على أنفسهم بأيديهم.
يديعوت 14/3/2017