أعط طفلك قلما وورقة وانتظر لتراه قد رسم وجها للحرب. ستجده استبدل البيت بالركام، والشجر بالسلاح، والزهور بأطفال سقطوا نياما إلى آخر الدهر. ستجده يكتب بلغة الحرب، سيكتب بدل القصة نعوة، بدل القصيدة خطابا. ستقرأ حزنه بين سطوره، وتلتقي بانكساره بين المفردات. وكأن المحابر ابتلعت فرحه فبات قاتما أسود لا يشف عن سعادة أو هناء.
لا تسأله عن خريطة البلاد، سيشير لك إلى السياج والأسوار وسيعلق كزينة العيد ألغاما عرفها أكثر من الألعاب. لا تحاصره بالسؤال عن أحلامه، سيختصرها بكلمة أمان. لا تخبره عن طفولتك الهادئة، حتى لا تنقش الحسرة بين جفنيه.
أترك له نافذة بعيدة عن الحرب، تطل على أرض لم تجرحها القبور لم ترتو بدمع الفقد. مد له كفك ليعلم أن الوحدة كذبة لفقها الموت.
إرفع صوت الموسيقى عاليا بل اجعله صاخبا وعلمه كيف ينقر بأصابعه على وتر وهمي في الهواء. لقنه درسا عن الرقص لتصير خطاه خفيفة حرة. واهمس له بأن الوطن ضحكات أطفال، قطع حلوى نبتاعها من الأكشاك، أرجوحة تتدلى من شجرة، أخبره أن الوطن ألعاب، وأن الحب فيه كما الهواء عليه أن يتنفسه مع كل شهــــيق ثم يرخي بزفيره كل الأحزان.
لا تحمل إليه الجرائد والصحف ونشرات الأخبار، ولا تجعل من ثرثرتك في السياسة والفلسفة والتجارة والاقتصاد والإعمار نغمة تنقر مسمعه كلما طاب لك الخطاب، استبدل حكاياتك بهديل الحمام، وحدثه عن صوت الريح وبكاء النهر وقهقهات البحر، دعه يكتشف صفو ملامحه على صفحات الماء، واترك في دربه قنديلا على أنه نجم من السماء، أترك لأصابعه فرحة القبض على القنديل، وعلمه كيف يمسك من مكانه بعنق السماء، أخبره أن القمر يتسلل إلى غرفته ليستريح بأحلامه، حدثه عن الأصدقاء، صفهم له على أنهم وجوه باسمة بريئة وأيد دافئة حنونة وأكتاف يرمي إليها رأسه حين يشاء.
قل له إن النخل ظل لقامته متى كبر، والشمس مدفأة تبتلع برد أصابعه. لا تحدثه عن تقنين الكهرباء ونفاد الدفء وقلة المحروقات، دعه جاهلا بلعبة الحرب، عالما بصفاء الحياة، مدركا براءته، حكيما باكتشاف الزمان، بسط له الخطيئة وابسط له البصيرة.
أخبره أيضا أن عينيه عدستان تلتقطان الصورة الأجمل، مسد له حبال صوته وادفعه للغناء. وإن أراد جناحين.. فمد ذراعيك وطر به إلى آخر الضحكات.
إقلب له صورة الحرب رأسا على عقب وعلمه الرماية بالسهم إلى قلب الصورة، إجلس إلى جواره وتابعا فيلــــــما بولنديا عن السينما الصامـــــتة، املأ جيوبه بالسكاكر ودعه يتفقد معاطفه المثقلة بالحلوى والمفاجآت. تبادلا الأسماء والمهام، دعه يحكي لك عن السندباد، واركض خلف خياله الخصب إلى أن تتعب فيأخذك النعاس إلى جواره.
إنتبه لقلبه متى يتسارع ومتى يخف اللهاث، ستكتشف أنك تنبض بأنفاسه وستقوى على حربك بمداعباته. هذا ما اسميه وطنا، وطنا هاربا من حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، وطنا يعلم أن أطفاله الأكثر حقا في الفرح والأكثر حقا في العيش، وطنا لا يؤمن بسلاح أقسى من الريش المتطاير من الوسائد حين يلعب طفل وأباه. صدق أنك الرابح في هذه الحرب، وصدق أيضا أن طفلك ناج منها رغم كل محاولات العالم لإقحامه بها. ستعود بعدها إلى أقرب مكتبة وستشتري ما أتيح لك من أوراق وأقلام وسترسمان البيت بيتا، والزهرة زهرة، وستجعلان من الشجرة غابة وستعلقان أرجوحة تجلسان إليها لتطلا على هذا العالم الأخرق كلما دفعت بكما الريح.. سيكبر طفلك سعيدا متوازنا يعلم أن لكل عمر حكاياته، وسيصير له في كل زمان مقام، سيتقن العيش والاستمرار، وستصير شهيته للحياة أكبر ليسارع بإنجاب طفل يشابه جده الذي لقبه بفارس الزمان. وما الفروسية يا صديقي سوى صفات الرجال الذين أخرجوا أولادهم من حرب طاحنة فصنعوا لهم إلى جوار هذا العالم حياة كريمة آمنة.
سيسألون طفلك يوما ما تعريف الوطن.. سيبتسم ليستعيد وجهك والأرض والحلوى والألعاب. وسيجيب بمفردة وحيدة قائلا: السلام.
ستسألني: عن أي سلام تتحدثين؟
سأخبرك: عن سلام القلب، سلام الروح، سلام يقبع كما الوشم باسما في الوجوه. وستضحك الحرب علينا يا صديقي إلى ان تستيقظ من نوباتها لتجدنا خارجها نلوح لها بالابتعاد. الحرب يا صديقي رمال متحركة تغريها الأقدام المتقدمة نحوها فتبتلع كل خطو يقربها، الحرب معدة فارغة لا تشبع، تأكل كل ما أتيح لها، وتظمأ كنبتة اعتادت سرقة الماء من جاراتها، الحرب حداد لا ينتهي، ونحيب في حناجر النساء. لو أنك أتقنت قراءتها، لأخفيت مفرداتها عن طفلك، ولقلت له أن معاجم اللغة ناقصة، وكل ناقص هو زائد في الحياة.
٭ شاعرة سورية
رنا سفكوني