أتابع التلفزيون الأردني بدافع حب الغرائب والمدهشات، التي يقدمها، هذا الراعي الرسمي الوطني لنبتة الميرمية.
وبينما أكتب فقرات المقال، يحدث أني أتابعه، في برنامج صباحي، إسمه «يوم جديد»، وقد تبقى على نهايته تقريبا ربع ساعة، مما يعني أنه في آخر فقراته، التي ارتأى أن يستضيف فيها المهندس مروان الفاعوري، وهو شخصية أردنية محترمة ناشط في الدعوة إلى الوسطية ومؤسس لتيار فكري شبه سياسي يدعو إلى منهج الوسطية في الإسلام.
فورا، بعد تقديم المذيع للمهندس، تحدث المهندس بعتب على التلفزيون أنه لا يغطي نشاطات ومؤتمرات يقيمها تيار الوسطية، الذي يقوده، فتعود الكاميرا إلى المذيع الذي يبدو عليه أنه تلقى أوامر عبر سماعات الأذن، ليخبر الفاعوري وما تيسر من مشاهدين (عشرات وأنا منهم)، أن وقت البرنامج قارب على الانتهاء، معاتبا ضيفه على تأخره في القدوم للإستوديو، وأمام دهشة الضيف، الذي لم يتحدث بعدعن أي شيء بعد تقريعه للتلفزيون الوطني، توجه المذيع الشاب بالغ الأناقة حد الضجيج اللوني، إلى الكاميرا لينهي البرنامج، وانتهت الفقرة التي بدأت بعتاب وانتهت بعتاب و قطع.
باقي الفترة الزمنية التي كان يجب تغطيتها في البرنامج، حتى حلول موعد موجز الأخبار الصباحي، وبعد النهاية المبتورة، فقد تمت تغطيتها بصور البتراء مع تلك الموسيقى الرتيبة القديمة والمكررة، التي تدفعك إلى التفكير والاستغراق في التأمل حول جدوى وجود التلفزيون الأردني من أصله.
تحول التلفزيون لصالون شاي
وفي سياق الاستهبال، وتحويل التلفزيون إلى صالون شاي نخبوي بينه وبين الأردنيين مسافات تقاس بالسنين الضوئية، صادف أيضا أني تابعت الأسبوع الماضي برنامجا اسمه (هيل) «وأي خطأ يستبدل الياء بالباء جائز شرعا».
يستضيف البرنامج سيدة لا أعرف من هي… تتحدث معها المذيعة على أنها نجمة ما… وقدوة ونموذج… وفريدة عصرها…إلخ، ومحور الحديث كله تجربة السيدة في أكثر من طلاق وتربيتها لأولادها.
أتفهم وأقدر معاناة السيدة في حياتها الشخصية… مع أن حديثها كان عن حياة مترفة تماما قبل وأثناء وبعد الطلاق… لكن حين تتحدث عن أصعب لحظات حياتها ومع محاولات يائسة لتغيير نبرة الصوت بحشرجة دمعية فاشلة… تسردالسيدة «معاناتها» وهي تراقب ابنها وقد واجه مشكلة في فيزا سويسرا، حيث يدرس… والوجع الخرافي الذي واجهته بسبب ذلك.
طبعا الحوار كله بينها وبين المذيعة كان متخما بالكلمات الإنكليزية، وتعمد بالتعثر والتلعثم باللغة العربية، التي كانت أشبه بساتر ترابي يحمي الثقافة الأجنبية المشوهة هنا.
باختصار… مدهش هالتلفزيون… باهتمامه بالناس واستفزازهم.
مرارة متابعة النشرة الإقتصادية
لا يوجد شيء أكثر مللا من متابعة النشرة الاقتصادية، ليس لأنها مملة في ذاتها، بل لأنني أنا جاهل بالاقتصاد ومصطلحاته وغموض أسراره، وكثيرا ما أتمنى لو أجد القدرة على دراسة الاقتصاد لو ذاتيا لغايات تفكيك شيفرة المصطلحات والرموز التي أراها على نشرات الاقتصاد.
أعرف مثلا أن السهم الأحمر نزولا، شيء غير جيد والسهم الأخضر صعودا أمر مبشر بالخير!!
من هنا، فإنني أعتبر أن الذي ابتكر فكرة أن تقدم النشرات الاقتصادية على الفضائيات العربية مذيعات جميلات وأنيقات جدا، هو بحد ذاته عبقري، لأنه اكتشف المعادلة الصحيحة لعدم هجرة الجمهور، وأنا شخصيا بسبب هذه الفكرة المبتكرة، أتابع النشرات الاقتصادية يوميا، وأتابعها باهتمام بدون أن أسمع الصوت حتى، وأكتشف بعد النشرة أني ملم بشكل لا بأس به بالحالة الاقتصادية لليوم، من خلال متابعة السيدة الجميلة وهي تعرض الأسهم الخضراء والحمراء صعودا ونزولا، وأحيانا حين أرفع الصوت، أجدها تستضيف «فلان الفلاني»، من مجموعة «العلتان» القابضة (أعرف من كلمة قابضة أنها ضخمة)، وأستمع باهتمام للأسئلة الذكية والأجوبة الأذكى، وأركز بعنف محاولا استعصار الذاكرة لاسترجاع ما تعلمناه في المرحلة الأكاديمية من مصطلحات، وضبطها وتوليفها على ما أسمع الآن!
قوة تأنيث الشاشة
ليس معيبا أبدا، الحضور الأنثوي الجميل والأنيق على الشاشة، ما دامت خلف كل هذا الحضور الجميل، روح مثقفة بالجمال والإحساس والوعي.
في عصر «الأنالوغ الطبشوري» الأول، ما قبل عصر الفضائيات الجليدي، كانت المحطات لها أيقوناتها الجميلة، من مذيعات ومقدمات برامج لهن حضورهن الجميل والساحر، بالإضافة إلى هذا الحضور الثقافي أو القدرة الواعية على الحوار الجميل بلا تلعثم أو تكلف أو حتى مساعدة خارجية من غرفة «الكونترول».
التلفزيون الأردني الذي ننتقده اليوم، كان بحد ذاته أيقونة التلفزيونات العربية، بإعلاميات كان لهن حضورهن على شاشته، ثم شاشات عربية بعده، وتشرفت بصداقتي مع الأستاذة الجميلة والمثقفة باستمرار، بريهان قمق، والتي اشتهرت ببرامجها الثقافية، باعتبارها سيدة من سيدات الحوار الأنيق والذكي.
أتذكر أناقة المرحومة عفاف قضماني وجديتها المفرطة الجميلة، وحضور إيمان جاسر الطاغي، والذي كان إعادة إنتاج خرافية لغمزة سميرة توفيق ونظراتها لكن بصيغة مذيعة.
حتى في عصر الفضائيات الجليدي الأول والثاني، فإن الحضور الأنثوي الجميل والممكن والمؤهل بالوعي لا يزال متوفرا، فأنا ما زلت من متابعي السيدة جيزيل خوري في أي محطة تستقر بها، وآخرها «بي بي سي»، فحضورها واع، وحوارها ذكي ولا براءة فيه… وهذا يحترم مشاهدا يريد أفضل ما يمكن من أي حوار.
في حلقتها الأخيرة، مع مناضل الكوفية الأشهر في محادثات السلام، كبير المفاوضين صائب عريقات، كان الحوار ذكيا إلى درجة أن السيدة جيزيل أدارته بالصمت الذكي، والمداخلات البسيطة المركزة، لتترك الضيف عريقات يتحدث لوحده عن خيبته وجهود وخيبة السلطة التي يمثلها.
لم تفعل جيزيل أكثر من أن تكون موجودة، وذكاء إدارة الحوار لنرى رمزا من رموز السلطة الفلسطينية تماما كما هو.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة