دونالد ترامب يريد صفقة

حجم الخط
0

لساعة طويلة تابعت أمريكا بالتصفيق عرض ترامب، الذي القى خطابا أمام مجلسي الكونغرس ونجح في اخفاء الدونالد جيدا. صحيح أنه تحفظ معظم الوقت عما يحبه كثيرا، عن نفسه، غير أنه استرق هنا وهناك بضع جمل سوية ومتصالحة عن الحاجة للعمل معا والتعاون، مما جعل حتى أشد منتقديه في «الإعلام المعادي» يشيرون بانفعال بان هذا كان اليوم الذي تحول فيه ترامب ليصبح رئيسا مسؤولا ومكبوح الجماح.
كانت هذه ليلة سعيدة في العاصمة الأمريكية، من اليمين ومن اليسار كان للحظة احساس من سمو الروح استقبالا لوعد ما. ولكن ما أن طل الصباح، حتى تبددت مع الظلام ذرات الأمل. فقد استيقظ دونالد العظيم من جديد لصباح من التغريدات العصبية. وبعد وهم لحظي بأن الزعيم هدأ، كان بوسع معجبيه أن يتنفسوا الصعداء: فقد عاد دونالد للركل، اتهم اوباما بانه تنصت عليه في الانتخابات، واصل شتم وسائل الإعلام وعاد مرة اخرى للسير في أروقة الحكم الذي يدور في دوائر من الجنون، الاكاذيب وعالم الحقائق البديلة.
في ظل هذه الفوضى، في موضوع واحد بالذات، يتعلق بنا، يجري في البيت الابيض وكأنه في فقاعة عمل شامل: كيف تعاد اسرائيل والفلسطينيون إلى طاولة المفاوضات وتجسيد التطلع العظيم لترامب لتحقيق تسوية سلمية تاريخية تصدح في المنطقة وفي العالم كله. وكمن تلبسه هوس دخل إلى الموضوع، ربما بسبب أن أسلافه فشلوا وهو يريد أن يري بانه هو وحده ـ دونالد العظيم ـ يستطيع.
في قنوات سرية وطرق التفافية يدير ترامب مفاوضات مع السعودية، التي يرى فيها دولة أساس أيضا لخلق جبهة سنية أمام إيران. اوباما جاء إلى الموضوع انطلاقا من احساس بالرسالة، مع فكر، تطلع إلى العدالة ومع مثل عليا: أراد أن يضع حدا للمعاناة الفلسطينية وانقاذ اسرائيل والحفاظ على مكانتها كدولة يهودية ديمقراطية. في اسرائيل رأوا فيه مقتلعا. اما الان، امام نشاط ترامب، فمن المتوقع لليمين الاسرائيلي ان يتوق له. لان اوباما جاء إلى الموضوع ببرودة اعصاب زعيم يبحث عن حل فيما يهرع ترامب عديم الراحة بشكل ليس واضحا بما يكفي لماذا تلبسته اللوثة بالذات في هذا الموضوع، حين لا يزال لم يبدأ بعد بجمع حطام أمريكا الممزقة.
ينظر ترامب إلى خريطة الشرق الاوسط بعيون العقاري: فهو سيعيد التقسيم في الضفة الغربية، اجراء مساحة للاراضي، ترسيم الحدود، وهو الذي سيقوم بقص شريط الافتتاح. الرجل غير القادر على أن يقرأ وثيقة استخبارية فيها أكثر من تسع فقرات غير معني بالتفاصيل، بالتاريخ، بالتعقيدات وبمشاعر ابناء المنطقة. حلمه ان يرى ابراجا تزدهر على جانبي الخط الاخضر، مع نوافير مياه وبلاط رخام. هذا ما يعرفه. دبلوماسيون في واشنطن، كانوا مشاركين من خلف الكواليس، أرشدوا أبو مازن قبيل حديثه الهاتفي مع ترامب: لا تناكفه، لا تجادل ولا تتجرأ على الشكوى من أنه في جانب نتنياهو. كل ما يريده هو ان يتلقى الحب والامتنان، لانه دونالد المحبوب. وطبق أبو مازن، فاذا بالمكالمة تنتج أيضا تفاهما ودعوة إلى البيت الابيض.
في الايام القريبة القادمة ستتواصل أعمال جس النبض، حين يكون الميل هو الشروع بخطوة لامعة تتمثل بمؤتمر اقليمي. والصيغة التي ستسمح بذلك وفقا لفرضية العمل في البيت الابيض هي ان ينتزع ترامب من نتنياهو موافقة على إلا يبني مستوطنات جديدة، يعطي أبو مازن وعدا بان السفارة الأمريكية لن تنتقل إلى القدس، يمنح السعودية، مصر والاردن مكانة لاعبين شركاء ويحاول عمل ما يؤمن بانه ممكن ـ تحقيق اتفاق سلام.
لماذا يراهن ترامب بالذات في هذا الموضوع؟ لانه بحاجة إلى انجاز في مجال السياسة الخارجية، وليس لانه يهتم حقا. يريد صفقة عظمى، وقد جاء اليها عديم المشاعر. فبالنسبة له الفشل يعني جرحا نازفا في أناه. وهو لن يسمح لهذا أن يحصل. سيحاول أن يثني ليس فقط ابو مازن بل ونتنياهو أيضا. إذ مثلما تعلم في عالم الاعمال «لا تنزيلات للاصدقاء». اما نتنياهو، الذي لا يستطيع ولا يريد، فسيحاول جر الوقت إذ انه يعرف بانه عندما لا ينجح شيء ما لترامب حسب طريقه، فإنه يدير الظهر ويتوجه للبحث عن دمية أخرى. رغم أن البيت الابيض يريد ذلك، إلا أنه من الصعب التصديق بانه حانت الساعة التي يسمع فيها في المنطقة رفيف أجنحة التاريخ.

يديعوت 15/3/2017

دونالد ترامب يريد صفقة
غير قادر على أن يقرأ وثيقة استخبارية فيها أكثر من تسع فقرات وغير معني بالتفاصيل
اورلي أزولاي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية