من غير قبعة سوداء، ومن غير مؤتمرات صحافية واعلانات، زار جيسون غرينبلت، المستشار الخاص للرئيس الأمريكي ترامب لشؤون المفاوضات الدولية، البلاد في هذا الاسبوع، جاء للتحدث عن تقدم السلام في المنطقة. وعند قراءت التصريحات التي اصدرتها السفارة الأمريكية في إسرائيل يمكن رؤية فوارق كبيرة عن نقاشات مشابهة تمت في السابق. هذه المرة لم يصدر اعلان تنديد أو الطلب من إسرائيل تجميد البناء في المستوطنات. تم هذا في الغرف المغلقة. أي اعلان لم يطلب التطبيق الفوري لطلب الولايات المتحدة دولتين لشعبين. فعل ذلك المسؤولون الأمريكيون في المحادثات التي اجروها مع ممثلين رفيعي المستوى في إسرائيل. هذا بالضبط ما سمعه وزير الدفاع ليبرمان من نظيره في واشنطن ومن وزير الخارجية تلرسون ومن المستشار الجديد للامن القومي ووزير الدفاع الأمريكي جيمس ا»الكلب المجنون»، ماتيس. هناك اتجاه عمل واضح لم يتغير.
تصريحات غرينبلت لم تكشف عمن تم الحديث معهم. يمكن القول انهم تحدثوا اولا عن التفاهمات والتنسيق فيما يتعلق بالبناء في المستوطنات. في هذا الامر لم يتم الانتهاء من شيء، باستثناء مبدأ واحد متفق عليه: البناء في المستوطنات يجب ان يكون في اطار لا يسعى إلى افشال اقامة الدولة الفلسطينية في المستقبل. نتنياهو قام باعداد مواد تفسير كثيرة اظهر فيها المعطيات التي تقول ان جميع المستوطنات اقيمت على 3 في المئة من الارض على الاكثر، بما في ذلك الخطط الهيكلية ومناطق البلدية. وقال ان البناء في المستوطنات القائمة لا يغير شيئاً جوهريا في الميدان.
في هذه الاثناء، هذا معطى مزعج واشكالي وليس دقيقا. ولكن إذا افترضنا انه صحيح فهو يتجاوز الاساس الاكثر اهمية لحركة الاستيطان في المناطق، الذي يعتبر ان البناء يهدف إلى فرض الحقائق على الارض واعادة رسم حدود الدولة. إذا كان الحديث يدور فقط عن 3 في المئة فكيف يتساوق هذا مع الاقوال حول تغيير المعادلة؟ كل شيء قابل للتراجع وكل شيء مفتوح. ادعاء نتنياهو لا يلامس ايضا المشكلة التي هي عدد المستوطنين المتزايد باستمرار.
الامر الحقيقي الذي صدر عن النقاشات هو الرغبة في القيام بخطوة. يتحدثون عن مؤتمر اقليمي، يتحدثون عن استئناف المفاوضات ويتحدثون عن السلام، لكنهم لا يتحدثون عن كيفية تحقيق ذلك. هذا هو التغيير.
الإدارة الجديدة لا تلتزم بخطة ثابتة بخصوص الدولتين لشعبين. هذا لا يعني ان الخيار غير موجود على الطاولة. وهذا لا يعني انها ليست الخطة الاكثر عقلانية ومنطقية. هذا يعني فقط انه إذا كان هناك احتكار لطبيعة وخريطة الحل، فقد دخلنا الان إلى السوق الحرة. وضع حل الدولتين يشبه بيزك قليلا. ذات مرة كان هناك احتكار والآن توجد منافسة من قبل هوت وسلكوم ويس. ولكن هذا لا يعني انها ليست في الصدارة.
الملك عبد الله الثاني التقى مع غرينبلت في هذا الاسبوع وقال له ان هذا هو الحل الوحيد. وقال غرينبلت ان السلام بين إسرائيل والفلسطينيين سيؤثر على كل الشرق الاوسط. يمكن ان هناك عددا من اليمينيين قاموا بفرك عيونهم ورفعوا حواجبهم، لكن ذلك كان متوقعا. ومن المؤكد انهم بدأوا في الحك عندما غرد غرينبلت مع صورة للحرم بعد زيارته في المبكى، وبعد ذلك فورا صورة من «بيت صديق فلسطيني جديد، خمس دقائق سيرا من المبكى». لديه صديق فلسطيني جديد؟
باختصار، من توقع أن رجال ترامب، مؤيدي نتنياهو، مؤيدي اليمين والسامرة، سيهجمون على التلال ويلقون الدولة الفلسطينية في سلة القمامة ويعلنون عن خطة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والبدء في صب الاساسات لاقامة الهيكل الثالث، خاب أملهم. معظم الاشخاص كانوا منطقيين وادركوا ان هذا ما سيحدث.
لكن من وراء كل خيبات الامل وتحطم التوقعات يوجد هنا تلميح واحد: هذه الادارة ليست منغلقة. انها ليست صاروخا موجها إلى الهدف. لقد حددت الهدف الذي هو تحقيق السلام والتهدئة بين الاطراف، لكنها لم تحدد طريقة واحدة من اجل تحقيقه. وهذه بداية لطرح خطط بديلة. كل من هو ضد الدولة الفلسطينية مطلوب منه لاول مرة منذ عشرين سنة ان يطرح خطة بديلة. هذا هو الوقت، وكما يقولون في الزواج الأمريكي: تحدثوا الان أو اصمتوا إلى الابد.
كل من يعتقد أن اوسلو هو كارثة، مطلوب منه اخراج الورقة التي عمل عليها على مدى عقدين، وأن يقنع اصدقاءنا في البيت الابيض بأن هذا هو المسار الصحيح لإسرائيل والولايات المتحدة. إذا كان هناك تفويت للفرص من قبل اليمين الإسرائيلي وفي حكومة إسرائيل ونتنياهو وحركة الاستيطان ـ فهي هذه اللحظة، اللحظة التي فيها تفتح النافذة للحظة وهذا هو الوقت لتقديم الخطط البديلة. عدم وجودها هو فشل سياسي لنظرية اليمين الإسرائيلية. بقينا مع التباكي والاتهامات لليسار. لا جديد تحت الشمس.
الدولة الفيدرالية
هناك شخص واحد قام بفعل ذلك، يسمى عمانوئيل شاحف. انه رجل الموساد سابقا، الذي لديه قصة حياة لافتة. كان شاحف نشيطا في حزب العمل، وقبل بضعة اسابيع وصل إلى واشنطن وقدم للادارة الأمريكية خطته البديلة. لقد ذهب في المسار العادي الذي يستطيع السير فيه أي مواطن عادي وطرح الافكار السياسية، ويتبين انه يوجد مسار كهذا. شاحف التقى مع عدد من اعضاء المجلسين ووضع على الطاولة خطة الفيدرالية. وقد عرضها علي ايضا قبل بضعة اشهر. اعتقد انه ليس لها فرصة كبيرة، لكن انطباعي هو أن تفكيره ابداعي. الحديث يدور عن شخص يساري في الاصل، يقدم خطة تستجيب لكل مباديء اليمين. وهي هامة ايضا كتدريب في التفكير السياسي الابداعي.
تطلب الخطة تغيير النظام في إسرائيل ليصبح نظاما فيدراليا يشبه النظام في الولايات المتحدة وكندا وسويسرا و25 دولة اخرى. هذا نظام يركز على السلطة المناطقية التي تنقسم إلى كانتونات، وفيما بينها قدر كبير من الاستقلال في ادارة الشؤون الداخلية. الحركة تطلب ايضا تفكيك السلطة الفلسطينية بالاتفاق وبداية سريان القانون الإسرائيلي على كل مناطق يهودا والسامرة وغور الاردن بالاتفاق، وابقاء السكان اليهود في يهودا والسامرة. وفي اطار هذه الخطوة يحصل السكان الفلسطينيون في يهودا والسامرة، إذا رغبوا، على المواطنة الإسرائيلية الكاملة مثل عرب إسرائيل. الفيدرالية الإسرائيلية لا تشمل قطاع غزة. من الناحية الديمغرافية، الغالبية الساحقة التي تبلغ ثلثي السكان تقريبا، ستكون من اليهود، والباقي من الفلسطينيين.
في اطار خطة الفيدرالية يتم تقسيم الدولة إلى 30 كانتون، وتكون الحكومة الإسرائيلية هي المسؤولة عن العلاقات الخارجية والامن والادارة العامة للاقتصاد. وتكون للكانتونات سلطات مستقلة لادارة التعليم والتخطيط والشريع والادارة المدنية للشؤون اليومية، وكل كانتون تكون له حكومة ومجلس تشريعي محلي خاص به.
تجدر الاشارة إلى أن الدولة الفيدرالية ستستمر كونها دولة إسرائيل. الجيش سيكون الجيش الإسرائيلي والبرلمان سيكون الكنيست الإسرائيلية والعلم والنشيد الوطني سيكونا علم ونشيد إسرائيل، وهي ستبقى مفتوحة امام هجرة اليهود حسب قانون العودة. اليهود سيشكلون ثلثي السكان. وفي الكانتونات سيعيش اليهود والعرب معا وستكون العبرية والعربية هما اللغتان الرسميتان.
الفكرة بشكل عام هي التقسيم الداخلي للكانتونات. سيكون 30 كانتونا تقريبا: 20 فيها اغلبية واضحة لليهود، و10 فيها اغلبية فلسطينية. الحكم الذاتي الوظيفي بدون تحريك أحد. آريه هيس، احد رؤساء هذه الحركة، كتب ان هذا هو الوضع الراهن: «ارض إسرائيل الفيدرالية هنا. دولة إسرائيل مع يهودا والسامرة وغور الاردن بدون قطاع غزة، يسيرون نحو الدولة الفيدرالية الواحدة. وحسب هذه النظرة ستكون إسرائيل الدولة الفيدرالية الـ 28 في العالم، مع الدول المتقدمة ومنها سويسرا والولايات المتحدة واستراليا والمانيا وكندا وغيرها.
«لتنسوا حلم ارض إسرائيل الكاملة مع حق التصويت لليهود فقط، انسوا حلم تقسيم البلاد إلى دولتين عاصمتهما القدس، انسوا خطط الفصل بجميع انواعها. شئنا أم لا، أحببنا أم لا، ارض إسرائيل كلها تسير بثقة في طريق مليئة بالعقبات التي تؤدي إلى نشوء وتشكل ارض إسرائيل الفيدرالية تحت سيادة دولة إسرائيل وقوانينها».
لقد قررت التحدث عن الافكار في الخطة كتحد من اجل التفكير. والآن ليس مهما إذا كنتم مع أو ضد، إذا كنتم توافقون أو تسخرون. المهم هو انهم قدموا خطة بديلة. هذا هو التحدي الحقيقي لإسرائيل والحكومة ونتنياهو. قوموا بتقديم خطة، وإلا سنشاهد مرة اخرى الآخرين يفرضون علينا الواقع السياسي المتقلب للمنطقة.
معاريف 17/3/2017