لا يتمنى أحد أن يرى حكومته أو نظام يحكمه أيا كان الشعار الذي يرفعه أو الكلام الذي يقوله أو الحجج التي يسوقها؛ عن قناعة أو للاستهلاك أو للخداع في حالة كالتي تعيشها مصر، وأدنى وصف لها هو «الارتباك»، فمنذ وصول الرئيس السيسي إلى مقعد الرئاسة
وهذا الارتباك ذهب بهم إلى البحث في ملفات التاريخ عما يسعف ويغطي الأزمات المتتالية، وتخيلوا أن تسويد صفحات التاريخ القريب يخرجهم منها. وكنا قد اعتقدنا أن أوراق الاعتماد التي درج كل شخص يسعى أو يصل لمنصب على تقديمها لمن يعنيهم الأمر؛ في واشنطن وتل أبيب ومعظم عواصم الغرب، وأغلب عواصم العرب؛ المحافظة وكل أباطرة المال المصريين والمستثمرين الأجانب، وكذا اليمين الطائفي والمذهبي والانعزالي؛ المدني والمسلح؛ المؤثر في توجيه الحياة الخاصة والاجتماعية لكثير من المصريين؛ في المأكل والملبس والتعليم والعلاقات والشراء والبيع
وتقديم هذه الأوراق قناعة كل طامح في شغل منصب كبير، بعد أن قيل أن الوصول إلى ذلك يمر عبر موافقة أمريكية ورضاء صهيوني، وما زالت سارية ومعتمدة. ومع «شيطنة» ثورة يناير في السنوات الست الأخيرة، استمر «تجريم» ثورة يوليو، وأطالوا من عمرها لأكثر من ستين عاما، متناسين أنها انتهت فعليا بوفاة قائدها عام 1970، وتأكدت نهايتها بسياسة الانفتاح سنة 1974، وشنت أجهزة الدولة وصحافتها وإعلامها حربها الضروس ضدها
وبدأ الأخذ بتقليد تقديم أوراق الاعتماد بالمقاول عثمان أحمد عثمان، وكتابه «تجربتي»، وفيه أهال التراب على ثورة يوليو وزعيمها، وعلى دولة ذلك الزمان، فوصفها بـ«التاجر الفاشل»؛ إيذانا بتحول انتهى بتمكين أباطرة المال والأعمال والسماسرة والمضاربين من الحكم والسلطة، ومن يومها أصبحت لهم الكلمة النهائية في إدارة الدولة وتعيين الوزراء والمسؤولين، وازدادوا قوة ونفوذا تحت رئاسة السيسي
وبعد أن كان الشباب يدرس سير المجاهدين والعظماء والأبطال والشهداء والعلماء والمفكرين
وبنمو هذه «الأنشطة الموازية» تم التخلص من الخبرات والعمالة الماهرة في القطاع العام، بنظام «المعاش المبكر»، وبيعت منشآته ومقراته وأراضيه ومزارعه ومخازنه وفروعه بأبخس الأسعار، وقلصت الدولة الإنتاج الحقيقي، وكل نشاط يحقق الاكتفاء الذاتي أو يرفع مستوى المعيشة، وألغت الخدمات المجانية، وتولت ادارة الفساد المالي والإداري والإعلامي، وتسببت في انتشار الرشاوى، وعملت على تركيز الثروة في أيدي قلة، تعد بعشرات الآلاف من شعب يقترب من المئة مليون نسمة.
هذا من أسرار ضعف الاقتصاد المصري، وتدنى مستوى الإنتاج، وتراجع كفاءة المنتجين، فهاجر الشباب، وتراجع دور الدولة، وأثر ذلك على المنطقة، وأدى إلى انفجار الصراعات البينية المسلحة واشتعال الحروب الأهلية، وابتليت المنطقة بالتفكيك والتقسيم، وتخلت عن أهم قضاياها في فلسطين
ويأتي صلاح دياب على رأس أباطرة المال، ويدير مجمل التوكيلات الصهيونية والأمريكية الكبرى في مصر والوطن العربي، وحسين صبور رئيس نادي الصيد المصري السابق؛ حوت المقاولات الأكبر في مصر والعالم الإسلامي، ونجيب ساويرس؛ امبراطور الاتصالات ومؤسس وراعي «حزب الوطنيين الأحرار»، ولهؤلاء ظهير مدني وإعلامي وأمني ومصرفي؛ يمثله طارق عامر محافظ البنك المركزي، ويخشاهم رئيس الدولة وحكومته التي تلبي مطالبهم وتخضع لضغوطهم؛ حتى وجهوا ضربتهم المميتة للعملة الوطنية، فانهارت ووضعوا مصر بإمكانياتها وغنى مواردها على شفا الإفلاس، وكأن التاريخ يكرر ما حدث مع الخديوي اسماعيل ووريثه الخديوي توفيق ومع الوصاية المالية الأوروبية على مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر
وارتفعت الأسعار، واتسعت دوائر الفقر، وأصيبت الطبقة الوسطى والطبقات والفئات الأدنى في مقتل، وفرض هذا التحالف نفسه، وأنتج حكما أكثر قسوة من حكم عائلة مبارك
وجاءت أزمة قرار وزير التموين؛ أحد وزراء حكم عائلة مبارك بتخفيض حصص الخبز المدعم، فخرج الناس إلى الشوارع في غضب حذر منه صحافيون وإعلاميون وكتاب؛ وصفته هالة فؤاد في عدد مجلة «آخر ساعة» الأخير بقولها: «لم تكن أزمة الخبز الأخيرة مجرد مشكلة عابرة طارئة… وما لم تدركه الوزارة والحكومة من ورائها، أن سياسة الصدمة وإقرار الأمر الواقع لم تعد تتلاءم مع شعب شب عن الطوق وشاب من كثرة ما مر به من محن وأزمات
من جانبه صنع وزير الصحة بفشله أزمة أخرى حين حمَّل الرئيس الراحل جمال عبدالناصر تدهور قطاع الصحة، وعزاه إلى «القرار الذى أصدره (عبد الناصر) بأن التعليم كالماء والهواء، والصحة مجانية لكل فرد، فراح التعليم وراحت الصحة»؛ وادعى الوزير أنه لا توجد دولة في العالم قادرة على تحمل أعباء الصحة كما تحملتها مصر». وهذا تدليس وجهل بالنظم الصحية في الدول الأخرى، وقدم تبريرا مضحكا، حين اعتبر الأطباء مجاهدين في سبيل الله، وعليه «فلا يمكن اعتبار الأعباء الصحية مجانية»، على حد قوله!!، هل حرمان المرضى من العلاج والدواء جهاد في سبيل الله؟ في أي غابة عاش وتربى ذلك الكائن المتوحش؟!
٭ كاتب من مصر
محمد عبد الحكم دياب