تتعرض الموصل إلى نكبة تاريخية كبرى ليست وليدة لحظات معاصرة، وإنما نتيجة مكر دولي وإقليمي. فقد نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس باراك أوباما وبايدن وجون كيري بالاتفاق مع إيران على استغلال حالة الفوضى التي نشأت في البلاد العربية مع بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بتوجيه ضربة قاصمة للأمة العربية لا تقوى بعدها على النهضة لعقود.
فقد استغلوا ما أطلق عليه الغرب الفوضى الخلاقة التي أحدثوها لإفشال التحركات الشعبية المحتجة على الأوضاع المتردية، فيما أطلق عليه أيضا ثورات الربيع العربي، فقد وجدت أمريكا في هذه التحركات الشعبية المطالبة بالتحرر والنهضة نقطة خطر على مشاريع الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، لأن الثقل الأكبر في تلك الثورات كان التوجه الحضاري الإسلامي، وهو بخلاف ما كانت تخطط له أمريكا والدول الغربية من أكثر من قرن بنشر مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية والعولمة وغيرها، لإخضاع هذه الشعوب للهيمنة الغربية حسب وجهة النظر الغربية أيضاً.
هذه المخططات الأمريكية والغربية والصهيونية لإضعاف الدول العربية وجدت في المشاريع الإيرانية التوسعية بغيتها وشريكها في أن تكون من أدواتها لإفشال التحركات الشعبية العربية، فوجدت في إيران الاستعداد والطموح للمشاركة في تدمير وإضعاف الأمة العربية. وحتى يتم ذلك لأمريكا وإيران دون ممانعة دولية، تم العمل لصنع المبررات لتدمير المدن والعواصم العربية الإسلامية الحضارية وتشريد من فيها، بحجة أن فيها إرهابيين، وهؤلاء تمت صناعتهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة خدمة لهذه الخطط الأمريكية والإيرانية، وهذا ما اعترف به الرئيس الأمريكي ترامب، باتهامه الرئيس السابق باراك أوباما بتأسيس «داعش» التي صارت الذريعة لتدمير العواصم العربية الكبرى، بغداد ودمشق والموصل وصنعاء وحلب وحمص وحماة وغيرها، والواقع أكبر دليل على ذلك، فداعش ليست قوة عسكرية طبيعية، وإنما تمت تقويتها، ليتم تبرير بناء تحالف دولي يقوم بتدمير البلاد وقتل شعبها، وتشريد من يتبقى منهم، ثم تتم إعادة بنائها كمدن ممزقة وهزيلة، ويتم حكمها من غير أهلها الأصليين، بإقامة تغيير ديمغرافي فيها بما يزيل الخطر العربي منها من وجهة نظرهم، ولذلك قامت أمريكا بتأسيس الصحوات في العراق والتحريض على القتال بين العشائر العربية الكبرى في العراق وسوريا، ودفع شباب القبائل العربية السنة إلى تشكيل كيانات سياسية أو تنظيمات مسلحة لتدافع عن نفسها طائفياً، وادعاء أن أمريكا سوف توفر لها الحماية السياسية والأمنية، وأنها سوف تساعدها على أخذ حصتها في الدولة العراقية الجديدة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، ولكنها خذلتها وتخلت عنها وتركتها لقمة سائغة للميليشيات الطائفية، وبذلك كان التآمر الأمريكي والإيراني لاضطرار العرب السنة لتشكيل تنظيمات عسكرية ثم توجيه التهم لها بالإرهاب العالمي وليس في العراق وسوريا فقط، وقد وقعت تنظيمات عديدة ضحية هذه الخطة الغربية والأمريكية والإيرانية، والهدف الإعلامي كسب الشرعية الدولية لمحاربة وتدمير هذه المدن الحضارية وتدمير بنيتها الاجتماعية القوية، سواء كانت التنظيمات الإرهابية تعرف ذلك أو تجهله، فلا هدف لأمريكا وإيران إلا تدمير قدرات الشعب العربي في حواضنه الكبرى، وللأسف فإن الأنظمة السياسية العربية التي تخشى التغيير لا تستنكر ما يجري من تدمير للمدن العربية الحضارية الكبرى، وإن استنكرتها فإنها لا تفعل شيئاً، وإن فعلت شيئاً فبما يدفع الشر عن نظامها السياسي فقط، وما يجري في الموصل هو في هذا المضمار، فما يجري من تدمير هو المطلوب ولو انسحب «داعش» منها، لأن المطلوب تغيير بنية المدينة لكي لا تعود عربية حاضنة لأي مشروع نهضوي.
مشروع تغيير ديموغرافي واجتماعي
وفي خضم أحداث معركة الموصل أعلنت الحكومة التركية موقفها الصريح، بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه ما سوف يجري للمدينة أثناء إخراج تنظيم «داعش» منها وبعدها أيضاً، بل إن اهتمام تركيا بوضع الموصل بعد التحرير أكثر أهمية، بسبب المواقف العدائية الطائفية التي يتعرض لها أهلها بمن فيهم التركمان، وبما يتم التخطيط له لوضع المدينة في مشروع تغيير ديموغرافي واجتماعي وسياسي واستراتيجي، من وجهة نظر إيرانية تجعل الموصل تحت الهيمنة الأمنية لحرسها الثوري أولاً، وطريق عبور إيراني لسوريا ولبنان حتى مياه البحر الأبيض المتوسط ثانيا، والأخطر من ذلك أن يتحول شمال المدينة وغربها مناطق نفوذ لحزب العمال الكردستاني بتفاهم مع الحرس الثوري الإيراني، وأما قمة الخطر الذي تخشاه تركيا فهو التغيير الديموغرافي على حدودها مع العراق وسوريا من عمليات تطهير عرقي، فالسياسة التركية تتابع مجريات الأحداث عن كثب وتتمسك بالتزاماتها القانونية والسياسية حسب معاهداتها مع العراق ومع قوات الانتداب قبل قرن من الزمان حول مدينة الموصل.
إن ما يجري في الموصل الآن هو تدمير لكبرى العواصم والمدن العربية الحضارية والتاريخية، كما حصل في بغداد ودمشق وحلب وحمص وحماه والرقة، والمعركة المشتعلة الآن في الموصل والتي يتم التحضير لها في الرقة هي معارك كبرى يتم تدمير هذه المدن فيها بالكامل بأيدي إيرانية أو كردية أو أمريكية، ولذلك يتم استبعاد تركيا من تحريرها. فقد تم استبعاد تركيا عن عملية تحرير الموصل واثيرت على تركيا الاحتجاجات لكي تسحب بضع مئات الجنود من معسكر بعشيقة، لكي لا يمنعوا المذابح أولاً، ولكي لا يكونوا شهودا على المجازر ثانياً، وللأسف فإن بعض العرب طالبوا تركيا بالانسحاب من بعشيقة، بينما كان الموقف يتطلب منهم مطالبة تركيا تقديم الدعم لأهل الموصل، طالما هم غير قادرين على ذلك، أما أن يسمحوا لإيران ان تستبيح العراق وسوريا واليمن وغيرها، ثم يحتجوا على تواجد مدربين أتراك لأهل الموصل فهذا أمر غريب وغير مفهوم.
إن المعارك التي تجري بحجة محاربة «داعش» هي معارك تدمير للحضارة العربية، وقتل للأمة العربية، بينما غالبية العرب لا كلمة لهم، فالحكومة العراقية لا دور لها في التخطيط ولا في التنفيذ العسكري الرئيسي، فأمريكا هي التي تخطط للمعارك والطيران الأمريكي هو الذي يقتل ويدمر، ويأتي الدور الإيراني الطائفي مع الميليشيات الطائفية المحلية لسبي الممتلكات وتشريد السكان والانتقام منهم، فأمريكا هي الشريك الأكبر لإيران في مشروع توسعها حتى الآن، ولا يمكن التعويل على مشاريع الرئيس الأمريكي ترامب بادعاء لجم العدوان الإيراني حتى يتحقق شيء على أرض الواقع. فلماذا لا يظهر أي دور للدول العربية في المعارك ولماذا لا يسمع لها موقف تبين فيه وجهة نظرها، ولا تظهر حرصها على المواطنين العرب، فهذه المعارك تتم على الأراضي العربية وضحاياها هم الشعب العربي أولاً وأخيراً، وهدفها واضح وصريح بتدمير الحضارة العربية الإسلامية.
محمد زاهد جول