أناهيت سركيس وكاظم الخليفة في معرض توقيعان علي لوحة واحدة ليس العمل المشترك رغبة في الاكتمال بل هو تجوال مشترك في متاهة واحدة!

حجم الخط
0

أناهيت سركيس وكاظم الخليفة في معرض توقيعان علي لوحة واحدة ليس العمل المشترك رغبة في الاكتمال بل هو تجوال مشترك في متاهة واحدة!

غريب اسكندرأناهيت سركيس وكاظم الخليفة في معرض توقيعان علي لوحة واحدة ليس العمل المشترك رغبة في الاكتمال بل هو تجوال مشترك في متاهة واحدة!لندن ـ القدس العربي تختلف تعريفات الابداع وتتضارب الاراء بشأن تقنياته واساليبه ومضامينه الا انها دائما ما تلتقي علي شيء واحد؛ ذلك هو ان الابداع عمل فردي بامتياز، انه عمل ذاتي محض تكون الذات المبدعة كفيلة بانجازه. وذلك لا يتم الا عبر التكثيف الابداعي لتلك الذات وهذا التكثيف الذي تسبقه مرحلة تأملية تطول او تقصر بحسب المبدع وحسب نوع العمل الابداعي ايضا حيث تختلف مجسات الابداع هنا ويتجلي ذلك بشكل واضح في العين بالنسبة للتشكيلي بكل ما تمتاز به هذه الحاسة من رحابة وعالمية. والاذن بالنسبة للموسيقي التي علي الرغم من اللغة التجريدية العالية التي تمتاز بها الموسيقي تظل دائما، من ناحية اخري، في اطار المحلية والضيقة بينما تبقي مجسات الشاعر غائمة وعصية علي الوصف!!لكن هل صحيح ان الابداع هو عمل ذاتي محض؟وهل ثمة ذات من دون اخر؟ أم ان الذات تشبه المصفاة في عملها؟ كان علي حق تماما من قال: كل الاشياء قيلت، المشكلة الان ليست في ماذا نكتب، بل كيف نكتب؟ . ويمكننا ان نُرحل السؤال الي باقي انواع الابداع الاخري. وهذا هو بالضبط مفهوم التناصINTERTEXTUALITY الذي تنبه له النقد العربي القديم مع انه جاء مشوشا عند بعضهم حيث اقترن بالسرقة الادبية! اذا فهمنا ذلك اي ان اللحظة الابداعية هي لحظة تصارع وتحاور وهي لحظة نفي وتجسيد في آن؛ وكل ذلك لا يتم الا عبر مصفاة الذات في تشابكها اليومي والوجودي مع الحياة، هذه المغامرة الكبيرة، مغامرة الحياة ابداعيا اختار الفنانان العراقيان أناهيت سركيس وكاظم الخليفة ان يجسداها في عمل مشترك هو الثاني لهما وقد جاء يحمل عنوانا ذا دلالة محددة توقيعان علي لوحة واحدة 2 واقيم في المركز البولوني بلندن في الفترة من 26 اذار/مارس الي 8 نيسان/ابريل. وتنبغي الاشارة الي ان المعرض الاول الذي اقيم قبل عامين في المكان نفسه قد حمل العنوان ذاته. فكرة العمل الابداعي المشترك، علي ندرتها، ليست وليدة اللحظة وكلنا يتذكر العمل الروائي المشترك الذي كتبه الروائيان عبد الرحمن منيف وجبرا ابراهيم جبرا واعني به عالم بلا خرائط فضلا عن الاعمال المسرحية المشتركة لبعض المسرحيين التجريبيين والنصوص الشعرية عند بعض الشعراء الشباب، الا ان هذه المغامرة التشكيلية جديدة علي ما اعتقد خصوصا في عالمنا العربي. وهي فضلا عن خصوصيتها لا تخلو من صعوبة تأويلية تحتمها طبيعة البناء التشكيلي الذي لا هو مادة لغوية كما في الادب ولا هو مادة تجريدية كما في الموسيقي. اعترف بهذا التحدي الذي تشكله قراءة اللوحة لي وهذا التعتيم الذي يظل يلازمني عندما انتقل من اللحظة الانطباعية الي اللحظة النقدية في قراءة العمل التشكيلي عموما. مع ذلك ازعم ان التلاقح الجميل بين الفكرة واللون في هذا المعرض سهل عليّ الكثير حيث اعلنت الالوان عن ابتهاجها بالحياة علي الرغم من بعض الثيمات الحزينة في المعرض مثلا (طاولة لزياد حيدر) صديقهما الفنان العراقي الذي رحل قريبا عن عالمنا غريبا بهولندا مع ذلك جاءت الالوان براقة زاهية. تقول لي الفنانة أناهيت بهذا الصدد عندما سألتها كيف يكون فعل التذكر سعيدا لهذا الحد كأن اللون هو الذي يفرح هنا؟. أنه استذكار لصديق وفنان تجمعنا به لحظات ومواقف جادة وجميلة وهو من ناحية ثانية يدل علي التضامن بالفن، وكان زياد يعمل علي مثل هذه الالوان وهذه اللوحة بمثابة تحية لذكراه . وقد ذكرتها بالمعرض السابق وكانت احدي ثيماته (سجن ابو غريب) وكيف كانت الالوان داكنة والسماء رمادية حيث لا آفاق، فقط الزنازين الصغيرة والجدران العالية التي تقف ضد كل ما هو مبهج وجميل في الحياة. اوضحت أناهيت كان اسم العمل شاهد لسجن ابو غريب وهو ايضا شهادة او بمثابة الادانة والاحتجاج علي هذا المكان الرمز للقسوة والوحشية وهو استنكار ايضا لمأساة العراقيين الذين قتلوا او في احسن الاحوال اهينوا وقضوا حياتهم فيه علي مدي عقود، وما زال في الذاكرة والواقع يجسد ذات المعني . عليّ ان اشير ها هنا الي انه للأسف لم يتسن لي الحديث مباشرة مع الفنان كاظم الخليفة. سألت أناهيت عن ان القراءة الاولي للمعرض تبين اشتغالها هي علي اللون بينما يشتغل كاظم الخليفة علي الفكرة او قل المضمون الذي يقع هنا بين محورين: فعل الاستذكار بكل تجلياته: استذكار المكان الاول والصديق والحقول الخضر وطاولة الشراب والفرح المسروق والحزن القائم ابدا ؛اي كل ما يرتبط بالوطن كمكان حلمي غادره الفنانان مبكرا ولا أمل بعودة قريبة حيث يبتعد اكثر كل يوم، وبين المنفي وهنا هو (لندن) بوصفه مكان اشتغالهما هذا التوتر بين الثابت ولو حلميا (الوطن) وبين المتغير (المنفي) الذي خلق هذا المعرض والذي قبله، اوضحت الفنانة من المجحف قول هذا بحق ومستوي هذه التجربة، ليس هناك تقاسم في العمل او توزيع للادوار انما شركة في التصور والانجاز كما اشار التقديم الذي كتبناه للمعرض:اغرتنا فكرة انجاز مشروع تشكيلي مشترك يتجاوز حدود اللوحة الواحدة المشتركة او المعرض الثنائي الي مستوي مغامرة التعاطي مع العملية الابداعية من خلال الشراكة في العمل والتصور والتخطيط والانجاز للمشروع كله . اذن لم يأت عملهما المشترك عفويا محضا او حبا بالتجريب بل هو مدروس نتيجة الاستفادة من تصورهما المتشابه للحياة والفن وتطويع ـ المختلف ـ لاجل بناء عمل واحد تتماهي فيه الاختلافات والمتشابهات بشكل ابداعي يظهر فيه دور الاحترافية واضحا، هذا من ناحية ومن ناحية اخري من قال ان العمل المشترك يكون بالضرورة متشابها؟! لكن كيف تم لكما التعاطي في تكوين اللوحة الواحدة؟ هناك حوارات وافكار تدور حول طبيعة العمل الفني، معناه ومفاده والموقف منه وتثمين التجارب والمراحل المهمة في تاريخه وهي حوارات وتبادل اراء مفتوحة وتلقائية عادة ما تقرب المشترك بيننا اكثر في فهم وتصور العملية الابداعية وعن جدية الفن ودوره في الحياة، ، كانت اكثر النقاط محورية كقناعة هي ضرورة تجاوز التقاليد والاعراف الموروثة في الفن باعتباره من صلب مسؤولية الفنان ومهامه في الحياة.. علي كل حال، انت حين تكتب قصيدتك او ترسم لوحتك تنسي كل ما قرأته عن الشعر او ما تعلمته من النقاشات الجادة وغير الجادة عن الفن، او عليك ان تفعل هذا والا سقطت قصيدتك او لوحتك ميتة ومتصنعة وليس فيها غير شروط وقوانين الافكار المسبقة، اعني خالية من حياة اللحظة الابداعية ومن صراعك مع مادة الفن (الكلمات والحروف او الادوات والخامات) واختلافك مع ذاتك واضطرابك في السيطرة علي مسار العملية كلها من سمات حيوية التجربة وجمالياتها التي سوف نراها برضا واعتزاز بعد ان تستقر النتيجة كاملة بين يديك او تحت نظرك.وفي الفن وكل الفنون جانب كبير من معني الحرفة ويكون اكثر وضوحا في الفن التشكيلي، نحن نجيد هذه الحرفة ونحترم نظمها وشروطها وتقاليدها ونستطيع المناورة والحركة فيها او من خلالها سواء في التقديم والتأخير في المراحل او في تمويه اثار شروطها الادائية في خضم العمل. ليست هناك صدفة بحتة، هناك صدف عابرة تحور فكرة العمل وتنميها حتي تستقر بذاتها كنتيجة، قد يصار الشغل علي تكوين عمل واحد بيد واحدة او عدة اياد المهم اللحظة التي ستقول فيها العين انه عمل مكثف بذاته.قد نختلف في تثمين النتيجة لكن هناك حكما كطرف اخر او مقياسا سيكون له رأي حاسم هو الجدار حيث تستقر عليه اللوحة وتتاح فرصة رؤيتها من جديد اي من زمن اخر وسوف يكون القرار هو القناعة او الاسف او البداية من جديد. لكن كيف تنتج رؤيتان مختلفتان عملا واحدا؟ يمكن لرؤيتين متشابهتين (وليس بالمختلفتين) انتاج عمل واحد، ويمكن للعمل الواحد المشترك، جدليا، ان يقرب بين تشابههما اكثر. احيل القصد الي سوابق في تاريخ الفن سواء منه الشعر او التأليف الموسيقي والرقص وما هو تحديدا في هذا الميدان (التشكيل)، وهذه سوابق مأخوذة بجدية كتجارب مستقرة في تاريخ الفن. السؤل الذي يمكن ان تثيره التجربة الجديدة هو عن كيفية تحقيق تجربة مشتركة وعن مدي ثباتها وتطورها في الافق؟اعتقد ان الفنان يفكر حالما يشتغل وينبعث الخيال والاماني لحظة وجوده في صيرورة العمل واعتماله فيه. والقصد ليس اكتشاف وجهة نظر مغايرة او جديدة او هي آتية من رغبة الاشارة الي الذات، بقدر ما يعني الامر تماما تمثل معني الابداع كونه يسعي دائما لتحدي السائد والموروث ولما يستعصي في الحياة. مع التفاوت وما تفرضه خصوصياتنا استطعنا تحقيق تجربة جديدة ويعود ذلك ايضا الي التقارب والتضامن الروحي في الفن.وتؤكد أناهيت علي ان عملهما المشترك لم يكن نتيجة رغبة في الاكتمال، كما سألتها عن ذلك، ولا هو تجريب خارجي بل هو فعل آت من مادة الفن ومن داخله اساسا، تبقي اللوحة فيه مساحة للحرية واللعب حتي بعد ان اصبحت تجربة مستقرة اننا نرسم علي لوحة واحدة صار بها معني التجربة المشتركة اكثر من معني المغامرة والتجريب، والامر بسيط بالنسبة لنا ولمنطق الفن حين لا يخضع لارادة خارجية ولا الي رغائب ؛ كما اشرت انت، مثلا الي الرغبة بالاكتمال، كل ما في الامر اننا اغرانا التجوال بغابة او متاهة واحدة، وهذا المعرض احدي المساحات التي استطعنا ريادتها وهي التجربة الثانية والتي يمكن ان تؤسس لمشروع يأخذ مديات ابعد وارحب . ماهي اهم الفروق بين تجربتي المعرضين علي صعيدي التقنية وبناء العمل؟ عندما اشتغلنا معا للمعرض الاول كنا مهيأين لهذه التجربة بما يعني التجريب المسبق علي اكثر من عمل مشترك، تمتعنا الشركة في الانجاز وتبهج بصرنا نتائجه ففي العمل الحرفي متعة اعمق من تلك التي يتيحها الحلم والتفكير والخيال، اما الحذر وما نخاف من مضاعفات اختلاف الافكار وما يمكن ان يعيقنا جراءه فقد كان متجاوزا وقت ان تشتغل به لغة العمل شركة وتقترح حلولا وآفاقا اكثر اغراء مما يمكن ان تقترحه تلك المسبقات الفكرية. عموما، كان مخرجنا في المعرض الاول هو الاعتماد علي حلول تقنية لاكمال العمل مثلا عندما نرسم لوحة نشتغل عليها بالادوات المتوقعة النتائج، انه نوع من التنظيم التقني حيث كانت الحرفية والتصميم واضحين في سيماء المعرض الاول. اما في هذا المعرض (الثاني) فقد انتقلنا الي مستوي فيه حرية اكثر وقد ترسخت التجربة بدخولنا الي هذه المرحلة. ففي المعرض الاول كانت هناك لوحات كبيرة تتيح سهولة الحركة والعمل عليها اما هذا المعرض فقد احتوي علي بعض اللوحات الصغيرة (وهو اصعب في الشركة بالعمل) فضلا عن احتوائه بالطبع لوحات كبيرة تشكل صلب هذا المعرض. المعرض الاول كان فيه العمل علي الفكرة اكثر وضوحا من العمل علي التقنية، بينما نجد في هذا المعرض اشتغالا مهما علي التقنية وخصوصا هذا الاستخدام الجميل للالوان البراقة؟ صحيح بمعني اننا ننطلق بحرية اكثر في استخدام الادوات والوسائط التشكيلية وكان اللون احداها، وقد استطعنا ان ننمي هذه الصلة اكثر في هذا المعرض. لاحظت ان ثمة تأثرا بالرسام الشهير(بولوك) في طريقة استخدام الالوان؟ يعجبنا بولوك لكننا لم نتأثر به. نحترم تجربة هذا الفنان ودورها في اشاعة تلقائية الانجاز، لكن ليس لنا علاقة تأثر به ولا في طرائقه او استخدامه لتوظيف الالوان، ربما يحضر هذا الشبه في ذهنك، فهي حريته وحريتنا في تجاوز تقاليد المحترف التقليدي ونظمه. يمكن ان اشير إلي أننا ابناء لآباء او آباء لابناء وما يتحقق علي سطح اللوحة الان هو عطاء تاريخ الفن. لماذا غيب التشخيص في اعمال هذا المعرض؟ التشخيص يحد من دفق حيوية الفن ويحد من حرية البحث عن البواطن والغموض والاشارة مباشرة وعضويا لها، فهو يشبه تماما مبدأ الشعر العمودي الذي ينشغل بالتقنية والمهارات قبل ان يعانق المعني . وماذا عن التلقي اعني كيف تفهمين الاستجابة للوحة وقراءتها؟ اللوحة او العمل التشكيلي عموما يبصر بحاسة العين لوحدها فهي اي (العين) امية مثل الاذن التي لا تتعاطف مع الموسيقي الا باثر سماعها واستجابتها لها سماعياً وليس قراءة، ويرتبط التلقي ايضا بموقف التعاطف مع اللوحة ومع الفنان ومحاولة استحضار تجربة الانجاز وتصورها ثم من مدي جدية انتمائها للحظة الابداعية القائمة.بقي عليّ ان اشير الي ان أناهيت سركيس وكاظم الخليفة: ولدا بالعراق وتخرجا من كلية الفنون الجميلة في بغداد وكان لهما الحظ في دراسة الفن التشكيلي علي يد رواده الكبار في العراق والعالم العربي امثال فائق حسن وكاظم حيدر وحافظ الدروبي واسماعيل الشيخلي واسماعيل فتاح الترك؛ لهذا استفادت كثيرا من تجربة فائق حسن بوصفه ملونا كبيرا ذا حساسية استثنائية وتعامل شفاف، فكأن، كما تقول اناهيت، ثمة روحاً تعمل خلال اصابعه، ومن كاظم حيدر في العمل علي الموضوع بوصفه فنان الافكار والموروثات الشعبية وتصور اعماله الكثيرة والمهمة احداثا سياسية تارة واحداثا فلكلورية تارة اخري. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية