هل بإمكان المؤتمر القومي العربي إنشاء جامعة عربية شعبية؟

حجم الخط
0

هل بإمكان المؤتمر القومي العربي إنشاء جامعة عربية شعبية؟

بمناسبة قرب انعقاد دورته السابعة عشرة:علاء الدين الأعرجيهل بإمكان المؤتمر القومي العربي إنشاء جامعة عربية شعبية؟ إذا كانت سنوات الهزيمة والخيبة والضياع قد أفقدت المواطن العربي ثقته بالأنظمة والمنظمات، فلا بد من عودته بذاته إلي ساحة النضال ليبني المؤسسات المحققة لآماله . هذا ما أعلنه المؤتمر القومي العربي نفسه، في أول دورة عقدها في تونس في عام 1990. والسؤال الجارح الذي أطرحه اليوم: هل حقق المواطن العربي بعض طموحاته بعودته بذاته إلي ساحة النضال من خلال المؤتمر القومي العربي والمنظمات المتعددة الأخري؟ فبعد مرور 16 عاما علي إنشاء المؤتمر، الذي يواجه اليوم انعقاد دورته السابعة عشرة (الدار البيضاء، المغرب، في الفترة 5 ـ 8 ايار ـ مايو 2006)، ما أشبه اليوم بالبارحة، مع فارق مهم جدا وكبير جدا، وهو أن الإنسان العربي أصبح اليوم اكثر إحباطا ويأسا آلاف المرات، ليس فقط بسبب الأنظمة العربية، المعروفة بضعفها وفسادها وانبطاحها الكامل علي أقدام أمريكا وإسرائيل، واستبدادها بشعوبها، وحسب، بل من يأسه من معظم الأحزاب والمنظمات الشعبية والفكرية، بما فيها هذا المؤتمر القومي العربي، الذي، أنه، لا يقدم له، كما يري البعض، سوي الشعارات التي شبع منها، والتوصيات التي ترمي في زوايا الإهمال، وعبارات الرفض والتـنديد والشجب، التي لا تمثل إلا صرخة في واد، في حين تزداد الأمة ترديا، في كل يوم، في حضيض الاحتلال أو التبعية والإذلال والتجويع والحصار، كما يحدث في فلسطين والعراق والسودان، مثلا، وبوجه خاص. وفي هذا السياق يعجبني عضو المؤتمر، المفكر محمد عابد الجابري، حين يقول في كتابه الخطاب العربي المعاصر : مهما اشتدت الكارثة أو عظمت الهزيمة إلا وعبـَّر الوعي العربي عن رفضه لها بطرح آمال وأهداف في مستوي حجم الكارثة وأكثر، بل يعالج هذه الكارثة وكأن هذه الآمال والأهداف قد تحققت بالفعل (ص 128). ونحن نتــساءل: أليس هذا ما نفعله من خلال توصــيات وقرارات المؤتمر التي نصدرها في كل دورة؟ومع ذلك من الإنصاف أن أبادر إلي القول بأن من مميزات المؤتمر، المتمثلة في إدارته المنتخبة بحرية دوريا، سعة الصدر والقبول، إلي حد كبير، بالرأي الآخر. وهذه ميزة لم نألفها في مجتمعنا العربي، بكل أسف. فقد كنت قد دعيت إلي المؤتمر منذ عام 1997، بعد نشري مقالتين مسهبتين تحت عنوان قرارات المؤتمر القومي العربي السابع؛ هل ترقي إلي معالجة الوضع الكارثي الماثل (القدس العربي، 7و8 أيار ـ مايو 1997)، حيث حللت قرارات المؤتمر وانتقدتها بشدة. وسعيا وراء الارتفاع إلي مستوي الخطر الداهم والكارثة المحيقة بالوطن العربي، لم أتوقف أبدا عن النقد البنـّاء، طلـبا للتوصل إلي وسائل مبتكرة لمعالجة الموقف المتأزم.والأدهي من ذلك أننا نلاحظ بوضوح أن فكرة القومية العربية نفسها، بما في ذلك مـُثلها العليا ومبادئها الأساسية، تتدهور وتتلاشي أمام أعيننا تدريجيا. خاصة وقد خيبت الأنظمة العربية، التي رفعت شعاراتها، ظن الجماهير، التي كانت تؤمن بها. بل أصبحت تلك الفكرة ودعاتها من المنظمات القومية، موضع اتهام مباشر، لأنها كانت وما زالت، تبدو وكأنها، ترتبط بالأنظمة العربية الاستبدادية والقمعية، أو تغض الطرف عن أخطائها الفاحشة التي أضرت بمبادئ الفكرة القومية ذاتها، بل تؤيد سياستها وتدافع عنها لمجرد ارتباط تلك الأنظمة بالفكرة العروبية. لذلك أتمني أن يلتفت المؤتمر إلي هذه الأخطار المحدقة به وبالأمة ككل، بل يجب أن يعيد النظر في مبادئه العامة وسياساته السابقة. خاصة وهو يتمتع بعضوية نخبة متميزة تتكون من أكثر من 600 من المفكرين والكتاب والباحثين، وكبار السياسيين المخضرمين، بما فيهم رؤساء دول وحكومات ووزراء وسفراء سابقين. فليس من المعقول، ولا من صالح المؤتمر أن يظل يعيد نفسه منذ 16 عاما، ويواصل ترديد شعاراته وبياناته السنوية التقليدية، التي لم تؤد إلي أية نتيجة، علي الصعيد القومي والاجتماعي بالنسبة لجماهير الأمة. وهنا تجدر الإشارة إلي أن تاريخ أي مجتمع أو أمة وسيرورته الحالية وصيرورته المستقبلية تعتمد، في المحصِّـلة النهائية، علي تفاعل وتصارع قوي وعوامل متعددة ومعقدة. فان كانت عوامل التخلف أقوي من عوامل التقدم، فإن سيرورة المجتمع ستكون سالبة. أي أن المجتمع يتراجع أو يسير إلي الخلف، وربما يتقدم قليلا، ولكن بوتيرة لا تكفي للحاق بركب الحضارة الصاعدة، فتزداد الفجوة بين تلك المجتمعات والمجتمعات المتقدمة، مما يزيد من سيطرة الأخيرة علي الأولي، مستغلة ضعفها وحاجتها، وهذا ما نلاحظه من تدخل أو تسلط واضح علي مقدرات البلدان العربية، واستغلال مواردها وإملاء شروطها. وهكذا فعلي الرغم من أن المؤتمر يندرج في عداد عوامل التقدم القليلة، في نظري علي الأقل، فإنه لم يكن من القوة الكافية للتغيير والتحسين أو تعجيل تلك السيرورة. لذلك قدمت عددا من المقترحات، لتعزيز دور المؤتمر وتفعيل مقرراته ومبادئه، منها إنشاء جهاز مستقل ودائم للنقد الذاتي والتقييم المتواصل ، فضلا عن إنشاء جامعة عربية شعبية ، كما سيأتي ذكره.والتعريف بالمؤتمر قد يكون مفيدا، لا لتبرير موقفه، بل لبيان محدداته من خلال طبيعة تكوينه وأهدافه. فالمؤتمر تجمع لنخبة من المثقفين والمفكرين العرب المؤمنين بحق هذه الأمة في تحقيق كيانها القومي والحضاري، انطلاقا من عناصر أساسية مشتركة، أهمها اللغة والثقافة والتاريخ والهموم والأهداف والتطلعات. فضلا عن أن هذه الأمة تعيش علي رقعة جغرافية محددة ومعروفة، ولها حضور تاريخي وحضاري متميز، علي الصعيد العالمي. وتقضي المادة الثانية من النظام الأساسي للمؤتمر، بأنه يسعي إلي الإسهام في شحذ الوعي العربي بأهداف الأمة المتمثلة في مشروعها الحضاري: وهي الوحدة العربية، والديمقراطية، والتنمية المستقلة، والعدالة الإجتماعية، والاستقلال الوطني والقومي، والتجدد الحضاري . والمؤتمر ليس حزبا سياسيا يسعي إلي تسلم السلطة، بل منبر لتبادل الآراء في شؤون الأمة واتخاذ مواقف محددة وواضحة إزاءها . لذلك فإنه يحاول أن يعبر عن ضمير الأمة ويتحول إلي إحدي المرجعيات القومية الشعبية، ويحرص علي أن يصوغ مبادئ ويدير حوارات ويقدم تحليلات ويرسم برامج ويطلق مبادرات يحملها أعضاؤه إلي مواقعهم وأقطارهم، ويسعون إلي ترجمتها في حركتهم اليومية، نضالية كانت أو سياسية أم فكرية أم إعلامية ، كما يقول، أمينه العام، الأستاذ معن بشور، الذي يتميز بنشاط متوثب ومتواصل .ومع اعتبار كل ذلك، ما زلنا نتساءل: أما يمكن أن يحقق المؤتمر منجزات أكبر؟ ألا يمكنه بهذه النخبة من المثقفين الناشطين في جميع ميادين العمل الفكري والسياسي والعملي، أن يخلق وسائل مبتكرة لتفعيل عمله، وتحويله من مجرد مرجعية فكرية، إلي منظمة مؤثرة في معالجة الوضع الكارثي العربي، مع احتفاظه بشخصيته الأصيلة المتميزة وعدم تحوله إلي حزب سياسي؟وتحقيقا لهذا الغرض، يمكن أن يكون العلاج باتجاهين، علي الأمدين البعيد والقريب:الاتجاه الأول: نري أن الأوان قد حان، لقيام المؤتمر بخطوتين مهمتين: الأولي، اتخاذ إجراءات عملية لإعادة النظر في مبادئه ووسائل تحقيقها كما أسلفنا، والثانية، استشراف مستقبل الأمة، لفترة ربع القرن القادم، بالتعاون الوثيق مع قاعدته التأسيسية والفكرية والثقافية : مركز دراسات الوحدة العربية ، وذلك علي غرار ما قام به هذا المركز قبل عقدين تقريبا. (انظر التقـــرير النهـــائي لمشــروع استشراف مستقبل الوطن العربي، برئاسة الدكتور خير الدين حسيب، 1988). إما الاتجاه الثاني، فينحو لاتخاذ إجراءات سريعة، وابتكار وسائل فاعلة ومباشرة، لمعالجة الأزمة الحالية، وعدم الانتظار لتفعيل العلاج الجذري الطويل الأمد. ومن جملة هذه العلاجات، المباشرة اقترحنا علي المؤتمر إنشاء جامعة عربية شعبية تنافس جامعة الدول العربية أو حكوماتها غير الشرعية أصلا، وتكون بمثابة برلمان شعبي يمثل جماهير الأمة العربية. (أنظر مقالنا إنشاء جامعة شعبية كبديل مشاكس لجامعة الدول العربية المنشور في هذه الصحيفة، في 18/3/2004، والسابق جامعة للشعوب العربية وموسوعة عربية للنهضة . في 27/3/2000، في نفس الصحيفة) فباعتباره أكبر وأهم منظمة شعبية مستقلة تضم نخبة متميزة من المثقفين والمفكرين، يمثلون مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية، بما فيها القومية والليبرالية والماركسية والإسلامية (بالاشتراك مع المؤتمر القومي- الإسلامي)، المتطلعين إلي تنفيذ مشروعها الحضاري، أري أن المؤتمر جدير بأن يأخذ علي عاتقه تحقيق هذا المشروع الجريء. وانطلاقا من فشل الجامعة العربية في معالجة أي من قضايا الأمة المصيرية، المعروف لدي الجميع، الذي تجلي في عدم تفعيل مختلف القرارات السابقة، بما فيها الدفاع العربي المشترك، والسوق العربية المشتركة، والتكامل الاقتصادي. وبعد إعلان اللاءات الثلاث الشهيرة، حلت محلها عملية استجداء الآخر ، الذي لم يعد يقبل بتوسلات القادة العرب وانبطاحهم؛ أقول بسبب هذا الفشل الذريع المتواصل لـ جامعة الحكومات العربية ، فقد اقترحنا إنشاء الجامعة الشعبية العربية ، التي ستضم أكبر عدد ممكن من المنظمات غير الحكومية المستقلة عن الحكومات، أو ما يسمي المنظمات الأهلية أو منظمات المجتمع المدني، غير الخاضعة للتأثير الحكومي، بما فيها النقابات العمالية والاتحادات الثقافية والمهنية ومنظمات حقوق الإنسان والتنظيمات النسائية واتحادات الطلاب والمعلمين، وغيرها . ولا شك أن مثل هذه المنظمة الجامعة، لو أُحسن تشكيلها وتنظيمها وإدارتها علي أسس ديمقراطية، ستعكس نبض الشارع العربي وتطلعات الجماهير لحياة أفضل بعيدا عن التبعية الداخلية والخارجية. وستصبح مؤثرة وفاعلة بدون شك أكثر من الجامعة العربية، خاصة وان لدينا ما يقارب مئة ألف منظمة غير حكومية حسب بعض الإحصاءات. (أنظر أحمد شكر الصبيحي، مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي ، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ص 74). علما بأن كاتب هذه السطور، قدم عدة مذكرات، تتضمن تفصيلات وآليات إنشاء هذا المشروع، إلي الأمانة العامة للمؤتمر، دون أن يتلقي أي رد. إذا كانت سنوات الهزيمة والخيبة والضياع قد أفقدت المواطن العربي ثقته بالأنظمة والمنظمات، فلا بد من عودته بذاته إلي ساحة النضال ليبني المؤسسات المحققة لآماله . وهذا المشروع يعيد المواطن العربي نفسه إلي ساحة النضال، عن طريق بناء هذه المؤسسة التي تمثله أكثر مما تمثله الحكومات، وتحقق بعض آماله، علي الأقل، تمهيدا لإنشاء البرلمان العربي المنتخب وليس المعين من قبل نفس الأنظمة العربية الفاسدة، كما يحدث الآن .ہ محام وعضو المؤتمر8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية