هل هي نهاية الطريق؟

حجم الخط
0

قبل حوالي عقد، مع استبدال حكومة اولمرت بحكومة نتنياهو وانتخاب اوباما رئيسا للولايات المتحدة، اختار الفلسطينيون «استراتيجية التدويل». هذه الاستراتيجية عكست عدم الثقة بالقدرة على جسر الفجوات مع اسرائيل (بما في ذلك مع اقتراحات اولمرت بعيدة المدى)، وعكست الأمل في حصولهم على المطالب المركزية الثلاثة من المجتمع الدولي:
1 ـ اقامة دولة فلسطينية. 2 ـ بناء على حدود حزيران 1967. 3 ـ عاصمتها القدس. وكل ذلك دون الحاجة إلى الاسهام في التوصل إلى اتفاق الحد الادنى المطلوب منهم من قبل اسرائيل: التعهد بانهاء الصراع والمطالب، والتنازل عن حق العودة، والموافقة على الترتيبات الأمنية التي ستحد من سيادتهم بقدر معين. عمل الفلسطينيون من اجل القيام بخطوات ـ دفع المجتمع الدولي إلى اقامة دولة فلسطينية بصيغة ملائمة لهم، لكن ليس عن طريق المفاوضات مع اسرائيل، وفي سياق التنازل عن دفع الثمن المطلوب من التوصل إلى الاتفاق عن طريق التفاوض.
لقد انضم إلى استراتيجية التدويل الفلسطينية الجهد الدعائي من اجل ايصال الرواية الفلسطينية حول اسباب الصراع والطريقة «العادلة لحله» والقاء المسؤولية عن الجمود السياسي على اسرائيل، اضافة إلى سلب الشرعية عن اسرائيل.
هذه الاستراتيجية التي تركز على الجهد المنهجي والمتواصل لتسويد وجه اسرائيل في المؤسسات الدولية وسحق شرعيتها وانكار الصلة التاريخية القومية بين الشعب اليهودي وارض اسرائيل، سجلت انجازات بارزة في السنوات الاخيرة.
خلال سنوات ادارة اوباما لم يعد الفلسطينيون والاسرائيليون إلى المحادثات المباشرة رغم التجميد المؤقت لبناء المستوطنات في الضفة الغربية، الذي نجح الرئيس اوباما في فرضه على حكومة اسرائيل. ورغم جهود وساطة جورج ميتشل، والمبعوث الخاص للرئيس، ورغم جهود الوساطة للملك الأردني عبد الله الثاني. أحد الانجازات البارزة التي سجلتها الحركة القومية الفلسطينية كانت قرار الأمم المتحدة في العام 2012 باعتبار فلسطين دولة غير عضوة.
اضافة إلى ذلك نجح الفلسطينيون امام الادارة الأمريكية في ايصال الموقف القائل إن سياسة الاستيطان الاسرائيلية في الضفة الغربية هي العقبة الرئيسة امام تحقيق الاتفاق. خطاب الرئيس اوباما في أيار 2009 في جامعة القاهرة كان نقطة انطلاق مريحة بهذا المعنى. انجاز دبلوماسي هام لايصال الرواية الفلسطينية في هذا السياق، كان قرار الادارة الأمريكية الامتناع عن التصويت في مجلس الامن في 23 كانون الاول 2016، وعندما اتخذ القرار 2334 القائل إن حدود 1967 هي أساس المفاوضات (خلافا لقرار 242 الذي الزم اسرائيل بالانسحاب من مناطق احتلت في العام 1967). وفي الخطاب الختامي لوزير الخارجية جون كيري اختار الحديث عن الموضوع الاسرائيلي الفلسطيني.
الثقة بالنفس التي حصل عليها الفلسطينيون على خلفية الانجازات السياسية الدبلوماسية على مدى السنين ترجمت إلى تهديدات تجاه ادارة ترامب كي لا يطبق وعوده اثناء الحملة الانتخابية بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس. هدد مسؤولون فلسطينيون الادارة بأنهم «سينغصون حياتها» في مؤسسات الأمم المتحدة، وأن العنف سيندلع في الشرق الأوسط. الأمين العام لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات هدد بالغاء الاعتراف باسرائيل واعطاء مفاتيح السلطة الفلسطينية لاسرائيل. يبدو أن الفلسطينيين يجدون صعوبة في رؤية المتغيران المركزيان الدراماتيكيان اللذان حولا استراتيجية التدويل إلى مسألة ليست ذات صلة: ادارة ترامب لا تلتزم تجاه الفلسطينيين بالقدر الذي التزمت به ادارة اوباما. والرواية الاسرائيلية قريبة اكثر من قناعاتها.
اضافة إلى ذلك، هناك تراجع لاهمية الصراع الاسرائيلي الفلسطيني في العالم العربي وفي المجتمع الدولي.
منذ سنوات لم تعد المسألة الفلسطينية على رأس البرنامج اليومي للزعماء العرب، حيث أنهم ينشغلون بالمشاكل الدموية في بلادهم وفي المنطقة، التي لها تأثيرات جيواستراتيجية بعيدة المدى. حقيقة أن اسرائيل هي مصدر الاستقرار وحليفة في الصراع الذي تديره الدول العربية ضد إيران من جهة وداعش من جهة اخرى، وايضا تراجع الدعم الأمريكي للانظمة في المنطقة وخاصة تجاه مصر والسعودية، كل ذلك خلق نقطة توازن جديدة في التعاطي مع الصراع. اضافة إلى ذلك، التحديات الكامنة في مواجهة القوى العظمى لمشاكل المنطقة والصراعات في الشرق الأوسط وعلى رأسها الحرب الأهلية المستمرة في سوريا، عدم الاستقرار في اليمن والعراق، زيادة قوة حزب الله وزيادة تأثير إيران وروسيا في الشرق الاوسط ـ هذا ايضا يضعف الاستراتيجية الفلسطينية. 10 ملايين لاجيء سوري، كارثة انسانية في اليمن وعدم استقرار في العراق وليبيا. كل ذلك يضع المسألة الفلسطينية على هامش الساحة السياسية.
انطلاقا من المصلحة الاسرائيلية، فإن الجهد الدولي لعلاج المسائل الاقليمية ومن ضمنها المسألة الاسرائيلية الفلسطينية، يجب أن تكون بقيادة الولايات المتحدة وليس المجتمع الدولي الذي وافق على الرواية الفلسطينية بالكامل تقريبا. لذلك من المهم أن تقوم اسرائيل بالتنسيق مع الادارة الأمريكية من اجل حل المسألة الفلسطينية مع تغيير شروط اللعبة التي نجح الفلسطينيون في فرضها في السنوات الاخيرة. التصدر الأمريكي في هذا الوقت قد يكون ممكنا اكثر بفضل السياسة المتشددة اكثر للرئيس الجديد، والكشف المشترك عن الاولويات والاستراتيجية المناسبة.
مع استقرار الادارة الجديدة في البيت الابيض، التي تبدو منفتحة على دراسة الافكار الجديدة، توجد لاسرائيل فرصة لاعادة رسم، بالتنسيق مع هذه الادارة، الامكانيات بخصوص المسألة الفلسطينية كجزء من الاستراتيجية الاقليمية الواسعة. وقد أوضحت ادارة ترامب أن المسألة الاسرائيلية الفلسطينية يجب أن تعود إلى طاولة المفاوضات في اطار الحوار الثنائي، وأن الادارة لا توافق على الاملاءات الاحادية ضد اسرائيل في الأمم المتحدة أو الرباعية.صحيح أن الادارة لا تنظر بايجاب إلى استمرار الاستيطان أو ضم اسرائيل لمناطق الضفة الغربية، لكن في نفس الوقت لا توافق على الادعاء الفلسطيني القائل بأن اسرائيل والمستوطنات هي العقبة في طريق السلام.
المصلحة الاسرائيلية بحاجة إلى التنسيق والتفاهم مع الولايات المتحدة حول التحديات الحقيقية في المنطقة، التي هي مواجهة التآمر والإرهاب الإيراني وترتيب الوضع في سوريا وتقوية مصر والاردن كعاملي استقرار، وعلاج الدول الفاشلة، التي تسبب عدم الاستقرار وضعضعة الامن الاقليمي، الأمر الذي ينعكس على العالم وخاصة أوروبا. نتيجة التفاهم في هذه الامور بين الاطراف قد تؤدي إلى وضع المسألة الاسرائيلية الفلسطينية كأولوية منخفضة اكثر مما كانت عليه في ادارة اوباما، مع جهد اسرائيلي أمريكي مشترك لاقناع الفلسطينيين بعدم جدوى «استراتيجية التدويل».
إن وضع الصراع في مكان جديد وجهود التوصل إلى اتفاق لا تهدف إلى تقوية الوضع الراهن، بل العكس، المفارقة هي أن سياسة التدويل الفلسطينية والرفض الفلسطيني في التقدم إلى المرحلة ب من خريطة الطريق، أي وضع حدود مؤقتة للدولة الفلسطينية المستقبلية، اضافة إلى موقف «كل شيء أو لا شيء» للطرفين حول المواضيع المختلف فيها ـ كل ذلك منع التقدم في حل الصراع. إن القول الحاسم للفلسطينيين بأن عليهم العودة إلى عملية المفاوضات الثنائية، وقبول الترتيبات الانتقالية والمرحلية كبدائل افضل من الوضع الراهن ـ سيحمل في ثناياه امكانية كبيرة للتقدم، قياسا مع فترة الرئيس اوباما.
كخطوة اولى للايضاح للفلسطينيين بأن قواعد اللعب تغيرت، يجب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. إن التراجع الأمريكي عن هذا الوعد، حتى لو كان بصيغة مرنة وابداعية نتيجة التهديد الفلسطيني بالامتناع عن هذه الخطوة، سيضعف مكانة الولايات المتحدة ويجعل الفلسطينيين يتمسكون بالاستراتيجية التي تلتف على اسرائيل وتتملص من المفاوضات المباشرة. اشارات اولية، يفسرها الفلسطينيون كتراجع أمريكي عن الوعد، دفعت قادة فلسطينيين إلى الاعلان عن نيتهم في الاستمرار في ملاحقة اسرائيل في الساحة الدولية والعمل على تقديم اقتراح بخصوص عدم قانونية المستوطنات لمجلس الامن. وهذه المرة تحت البند 7 من ميثاق الأمم المتحدة، هذا رغم أن المسألة ستواجه بالفيتو الأمريكي. لذلك من المهم أن تتمسك الولايات المتحدة بوعد الرئيس نقل السفارة إلى القدس مع التوضيح أن موقعها في غربي المدينة، في منطقة غير مختلف فيها، وحسب كل اتفاق ستكون تحت السيادة الاسرائيلية، وأن هذا الامر متعلق بالقرار الأمريكي، ولا يشير إلى تراجع الولايات المتحدة عن موقفها التقليدي بخصوص مستقبل شرقي القدس الذي سيحدد من خلال المفاوضات بين الاطراف.
إن استقرار الادارة الجديدة في الولايات المتحدة، وعدم رضا الجمهور الاسرائيلي عن الواقع الراهن في السياق الفلسطيني، ايضا مجال المناورة الذي يوجد للقيادة في اسرائيل، كل ذلك ينشيء فرصة خاصة لرسم سياسة اسرائيلية جديدة لمواجهة الصراع مع الفلسطينيين وتنسيق هذه السياسة مع الولايات المتحدة. هذه الاستراتيجية يجب أن تعتمد على تحييد استراتيجية التدويل الفلسطينية وتشجيع الفلسطينيين على العودة إلى المفاوضات المباشرة مع اسرائيل للتوصل إلى اتفاق على اساس مبدأ الدولتين لشعبين.
من الأفضل اشتراط الخطوة بثلاثة طلبات اساسية وهي وضع إطار زمني للمفاوضات يتمكن الفلسطينيون من خلاله من العودة إلى المفاوضات مع اسرائيل، وتعهد فلسطيني بعملية مرتبة ومسؤولة لبناء الدولة (مؤسسات واقتصاد واحتكار القوة وفرض القانون والنظام) من اجل ضمان أن الدولة الفلسطينية التي ستقوم ستكون ناجحة وغير فاشلة، ووقف التحريض والدعم المالي للمخربين الأسرى في اسرائيل أو عائلات المخربين الذين قتلوا.
من المهم أن توضح الولايات المتحدة أنه إذا فضل الفلسطينيون الاستمرار في جهود عزل اسرائيل في الساحة الدولية على المفاوضات المباشرة في الفترة المحددة، فإنها ستقوم بدعم الخطوات احادية الجانب من قبل اسرائيل لرسم الحدود بناء على مصلحتها الاستراتيجية مع الحفاظ على امكانية تطبيق الحل المتفق عليه في المستقبل لدولتين لشعبين. هكذا تستطيع اسرائيل الاستعداد من جديد للانفصال عن الفلسطينيين مع الحفاظ على الكتل الاستيطانية وغور الاردن وامكانية العمل الامني في كل مناطق الضفة الغربية. وبشكل مواز، يجب ايضا السماح بوجود تواصل جغرافي للكيان الفلسطيني وقدرة على الحركة من شمال الضفة الغربية إلى جنوبها. اضافة إلى ذلك، المجتمع الدولي واسرائيل يعملان على تطوير البنى التحتية الاقتصادية الفلسطينية ايضا من خلال تخصيص مناطق ج لهذه الاحتياجات المحددة.
نتائج استطلاع الرأي في مواضيع الامن القومي، التي أجراها مؤخرا مركز ابحاث الامن القومي، تشير إلى أن اغلبية الجمهور تعارض استمرار الوضع الراهن، أو ضم المناطق: فقط 10 في المئة يريدون ضم مناطق يهودا والسامرة، و17 في المئة يريدون استمرار الوضع الراهن. معظم الجمهور (61 في المئة) يريدون الاتفاق، سواء كان الحديث عن اتفاق دائم أو ترتيبات مرحلية في الطريق إلى الاتفاق الدائم. هذا يعني أن هناك رغبة واضحة لدى الجمهور الاسرائيلي في التغيير. ومن هنا فإن لدى القيادة الاسرائيلية مجال للمرونة والمناورة. التنسيق مع الولايات المتحدة في الظروف الاستثنائية التي نشأت سيمكن من افراغ التهديد الفلسطيني واستراتيجية التدويل من المضمون. واعادة الموضوع الفلسطيني إلى مكانه الصحيح في البرنامج اليومي الاقليمي والدولي وخلق واقع امني واستراتيجي مناسب اكثر لاسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية آمنة وعادلة.

نظرة عليا 22/3/2017

هل هي نهاية الطريق؟
بسبب تبدل الادارة الأمريكية والحروب والأزمات الكبيرة في المنطقة التي دفعت الموضوع الفلسطيني إلى الهامش
عاموس يادلين وكوبي ميخائيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية