«عتمة الذاكرة» للسعودية أثير عبد الله النشمي: أشباح الذاكرة الضالة

حجم الخط
0

لندن «القدس العربي» من أنور عوض: أن تكون كارهاً وجه أمك المفزع، وهي تنهال بالضرب على جسدك الصغير، وعندما يقوى عودك ويطل الوجه تنهال على زوجتك بقبضتك بالطريقة ذاتها ووجه أمك هو وجهك، ذلك المفزع الذي يحيل عش الزوجية إلى جحيم، و»منتهى» التي تغادره تبقى رائحتها كأنها لاتزال هنا، تتسلل إلى حياة «مشهور» زوجها السابق، هي كارهة لكل لحظة أمضياها معا وهو يشتاق إليها، ورسالة منها تجعله لا يرى، بينما إطارات الشاحنة تعوي على الإسفلت مُقبلة نحوه، فاتحة هاوية عميقة مظلمة بابها بلا منتهى، وهو ميت، لكنه حي، وحي لا يحرك ساكنا، عالق في ظلمته لا يملك سوى شريط ذكرياته.
«لا أعرف أين أنا وكيف وقعت في هذا الظلام، لا أعرف إن كان هذا الموت؟ أم أنا عالق تحت مبنى منهار أو سيارة منقلبة؟ كل ما أعرفه أنني أسمع ولا أقدر على الحركة». هكذا يُحادث نفسه (مشهور) بطل الرواية، وكأنه حديث يأتي من عتمة ذاكرته، حيث نقطة ما بين الموت والحياة، وحيث السكون والصراخ، مشاهد تعبر عن فكرتي الغياب والوجود، اختلال النفس جراء قسوة التربية، للدرجة التي يضيع فيها حتى مكون الذات، هنا يحدّث «مشهور» نفسه في عتمة ذاكرته. مضامين نفسية واجتماعية وتربوية تتسرب بهدوء في ثنايا السرد الروائي، للسعودية أثير عبد الله النشمي، في روايتها المعنونة بـ«عتمة الذاكرة»، التي صدرت طبعتها الثالثة عن دار الساقي للنشر مؤخراً، حيث تنثر الكاتبة بعضا من قيم اجتماعية بين مفردات سردها الروائي البسيط العميق، لغة غير نخبوية تعبر عن خبايا اجتماعية وتربوية عامه بحذر ووضوح معا، لاسيما وأن المناخ الاجتماعي المحافظ لمجتمع الرواية يفرض قيوده بشدة.

شبح الأم

في غيبوبته يتذكر «مشهور» كيف أن أمه كانت قاسية معه وإخوته السبعة، غير عابئة بتوفير أدنى درجات الحنان لهم، بل لم تكن تعبر لهم عن الحب المنتظر «لا أظنها حاولت مجرد المحاولة أن تعبر عن حبها لنا، هذا إن كانت حاولت أصلا».
هكذا يتذكرها «مشهور» الأم التي تعنف أطفالها لتنتقم من والدهم في صورتهم، وهم لم يبلغوا سن العاشرة بعد. تلك القسوة والاشتياق إلى الحب التي عاشها بطل الرواية مع أمه، تمثل تحدياً نفسياً ووجودياً، وهو يفكر في الحب، هنا أيضاً يلاحقه طيف أمه وماضيه الأليم معها.
فمن ستحبه، إذ لم تحبه حتى أمه، سؤال تحققت إجابته عقب ثماني سنوات من زواجه من المرأة التي أحب «منتهى»، موضحاً أن السبب الأساس لاختياره لها «باختصار هكذا كانت منتهى، امرأة لا تشبه أمي».

شبح الأب

«مشهور» في الرواية رجل ارتبطت حياته بامرأتين، مارست عليه الأولى وهي أمه كل القسوة فبادلها قسوتها كرها، والثانية هي حبه وزوجته وطليقته «منتهى» أحبها فقتلت روحه بأنها تمقته، تندم أنها عرفته يوما، وما بين الاثنتين كان شريط الذاكرة يمر أمام روحه الغائبة في هاويتها، المرأتان كأنهما متلازمة ألم. تطل أمه أولا «قالت وهي تهزني كجذع نخلة: دامك عارف إن اللي تسويه غلط ليش تسويه وين مخك؟ وانهالت عليّ بالضرب حتي كنت أشعر بأن جسدي المسجى يكاد يستقيظ من نومته الطويلة»، ذكرى أمه بسطوتها تغيب عنه بعض ملامح ذكرى أبيه، الذي كان يبدو غير مكترث لهم إلا لماما، فغيابه زرع في أطفاله شوقهم إليه. وفور عودته وعراكه مع زوجته وضربها. تصب الأم ضعف حيلتها على الأطفال، غير أن الطفل المفتقد للحنان والمعنف ذاك يتذكر الأم بشيء غير كرهها «أشفق أحيانا على أمي، أشفق على المرأة التي بداخلها، المرأة التي لم تستطع أن تســــعد لا بزواج ولا بأمومة».
تكشف الرواية كيف أن عتمة «مشهور» تكمن في ذكرياته، كلما هرب منها لاحقته فأضعفته، هزمته نفسيا، أعادته إلى عذاباته تلك، التي تسببت في أن يطلق زوجته «منتهى» لعله يكسب روحه المتنازعة بين الماضي الطفولي الموجع، والحاضر غير المنفك عن الأمس، وبتطليقه لـ«منتهى» يعود «مشهور» لتختلط عليه نفسه التي تمضي لتكون حال أبيه، الذي لا يذكره إلا لماما «أنا لم أرغب يوما بامرأة كأمي، لم أكن أريد امرأة تشبهها لا كزوجة ولا كأم، لكنني وجدت نفسي فجاة أتحول تدريجيا وتلقائيا إلى رجل يشبه أبي، رجل أدرك أن قسوته قد تصنع امرأة كأمي».

شبح الحبيبة

إن «منتهى» كانت منتهاه في الحب، بنضجها وثقتها في نفسها وتطلعها للسعادة، وواهما بحث «مشهور» عن علاج الداء بالداء نفسه، فتزوج «عهود» مطلقا عليها اسم «منتهى» وقد ظنت المخدوعة أن ذلك من شدة عشقه وحبه لها. لقد هرب من «منتهى» بزواج ثان فضح فشله في أن تغادر بسببه «منتهى» حياته، هي غادرت بيته ولكنها استعبدته وفق إرادته، وكحال إنسان مهزوم يستميت «مشهور» في رحلة غيبوبته لتفقد آثار محبوبته، بين حناياه، علي سريره، رسالتها الأخيرة إليه، بينما سائق الشاحنة يصرخ كالمجنون قبل الاصطدام الرهيب بسيارته. فتومض أمام عتمة وعيه في لحظة عبارة لمارك توين، علقتها «منتهى» ذات يوم في البيت .. «الذكريات التي لا تموت تميت».

«عتمة الذاكرة» للسعودية أثير عبد الله النشمي: أشباح الذاكرة الضالة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية